ــالنشرةدراسات وبحوث

“السعودية” في أدبيات “الإصلاح”!

من كل المعطيات وحتى التراشقات، التي تبادلتها السلطات السعودية مع اخوان اليمن، يتبين أن حزب التجمع اليمني للإصلاح كان متنفس نظام الرياض في اليمن، كما أن الرياض مثلت سنداً قويا للحزب؛؛

خاص مرآة الجزيرة ـ حسن الأحمد

إذا كانت فترة ظهور المعاهد العلمية في اليمن مثلت مرحلة حيوية في مسار علاقة السعودية بأخوان اليمن، ومن سماتها الدعم السخي الذي كانت تقدمه السعودية لاستمرار هذه المعاهد، والتأثير في المضمون التعليمي للدارسين، والحفاظ على علاقة قوية مع كوادر وقيادات الحزب، حيث انسحب هذا التأثير الى التعليم النظامي التابع لوزارة التربية والتعليم، اذ نجحت السعودية طوال العقود الماضية في تعيين الاسماء التي تريد سواء في الحقل التعليمي، وكانت عادة لكوادر من “الاخوان”.

مع ذلك فإن دخول الإخوان اللعبة السياسية بصيغتها الديمقراطية التي فرضتها متطلبات تحقيق الوحدة اليمنية، مثلت مرحلة جديدة في هذه العلاقة.

بطبيعة الحال، لم يكن بالمقبول لدى النظام السعودي، ظهور كيان يحاكي المجتمعات الحديثة في التوجه نحو الديمقراطية، والتعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة، ولذلك تحرك النظام على نحو متسارع لاحتواء الموقف والنظام الديمقراطي الوليد في اليمن، وهو سلوك اعتاد عليه في غير مكان، وفي اليمن على نحو اقرب، فعندما قام النظام الجمهوري في سبتمبر ١٩٦٢ استطاع تشويه شكل النظام حتى صار الشكل جمهوري والمضمون ملكي وهي مسألة جرى تثبيتها كحقيقة في دراسات كثيرة، استندت إلى الفعل على أرض الواقع، والعلاقة مع السعودية التي ما كان لها أن ترضى عن هذا النظام لولا أنها قد أمنت تأثيره.

حزب الإصلاح منذ تأسيسه هو الحزب الوحيد الذي أفرد في نظامه السياسي مادة مستقلة تؤكد على أهمية تعزيز العلاقات بين اليمن والنظام السعودي وضرورة التكامل بين البلدين؛؛

وبمجيئ الجمهورية الجديدة ولكن بنظام ديمقراطي، لم تجد صعوبة في تكرار نفس الفعل ولكن هذه المرة من بوابة حزب الاصلاح الذي يتعاطى الجميع على أنه يمثل فرعا من جماعة الإخوان المسلمين.

تأسس التجمع اليمني للإصلاح كحزب سياسي في سبتمبر (أيلول) العام 1990م، بعد عملية احتواء قام بها رئيس النظام السابق علي صالح لما عرف بالأفغان العرب “تنظيم القاعدة في اليمن”، وضم تجمع الاصلاح العائدين اليمنيين من أفغانستان حسب ما توثقه العديد من الدراسات.

بالتأمل الى البنية التكوينية والمسار الذي لازمه حزب الإصلاح نجد ان قيامه كان على تيارات قبلية ودينية وعسكرية، وقد انطلقت من السعودية وتبنّت الخطاب الوهابي.

وعلى غير علاقة النظام السعودي بالإخوان على مستوى العالم والتي كانت تشهد مدً وجزر تبعا للأهداف التي كانت ترسمه وتأمل تحقيقه من خلالهم على المدى القصير أو البعيد، كانت علاقته مع إخوان اليمن فريدة، حتى المحطات الاستثنائية في مسار هذه العلاقة كانت غالبا في اتجاه تمتينها وتعزيزها، والتي كان منها تحول الإخوان إلى كيان سياسي عام ١٩٩٠، واخيرا في السنوات الأخيرة من خلال تحالف الحرب على اليمن.

فتماشيا مع حالة التبعية للسعودية، أيد “الأخوان” الحملة العسكرية التي تقودها السعودية، حيناً بدعوى إعادة “شرعية” وحيناً بدعوى منع إيران من ان يكون لها يد في اليمن، قبل أن يضاف إلى ذلك محاولات تصنيف أنصار الله كحركة إرهابية بسبب هجمات الجيش واللجان الشعبية بالطيران المسير والصواريخ الباليستية في العمق السعودي.

النظام السعودي عمل على محاولة تغيير البنية المذهبية التقليدية في اليمن بشقيها الزيدي والشافعي عبر إحلال الوهابية في التعليم؛؛

وحزب الإصلاح، تميَّز خلال فترات طويلة بإقامة علاقة قوية مع السعودية، اذ مثّل “الاصلاح” حسب “ميدل ليست اي” شريكاً قويا لها في اليمن طوال عقودٍ، وازدادت متانة الشراكة عقب الحملة العسكرية التي نفذتها السعودية على اليمن عام 2015.

ويبدو “إخوان اليمن” الأوفر حظا في تلقي أحكاما بالتشكيك في أهدافهم الوطنية، نظرا لما لوحظ عنهم من اجتهاد في تكييف الظروف لما يصل بهم إلى مركز قرار أو مراكز تمكنهم من تحقيق مصالح خاصة بهم.

ولذلك جرى التعاطي مع ازدواجية النظام السعودي في التعامل مع الإخوان على نحو هادئ غير مثير، اذ مثلت فقط هذه الازدواجية تعزيزا للقناعة بمتانة هذه العلاقة، فالسعودية وان كانت رفعت شعار محاربة الإخوان -وان كان في الأمر وجهة نظر حسب بعض الباحثين- الا أن إخوان اليمن كانوا استثناء من هذه القاعدة.

من كل المعطيات وحتى التراشقات، التي تبادلتها السعودية مع اخوان اليمن، يتبين أن حزب التجمع اليمني للإصلاح كان متنفس السعودية في اليمن، كما أن السعودية مثلت سندا قويا للحزب ولذلك تجد لها حضورا في ادبيات “الاصلاح”، الأمر الذي انعكس على مستوى درجة العلاقة أو شكلها، فلم يكن مسموحا حتى انتقاد السعودية أو الاعتراض على قرارها بأي حال، ولعل أشهر وآخر حدث يمكن الاستشهاد بها، هو تهجّم الناشطة توكل كرمان الحاصلة على “نوبل للسلام” وهي أحد كوادر الحزب وبلغت فيه الى عضوية شورى الحزب.

في الثاني من شباط/ فبراير عام 2018 كتبت الناشطة توكل كرمان بان “تحالف العدوان_السعودي_الإماراتي” يمارس “احتلال بشع ونفوذ أبشع على اليمن العظيم!… لكن معا وكأمة عظيمة وبكافة تنوعاتها وتبايناتها سنرفض الاحتلال والعدوان.. سنسقطهم وسيخرج المحتل مذموما مدحورا”، فور ذاك تحركت قيادة الاصلاح واصدرت قرارا بتجميد عضويتها في صفوفه.

وقال الحزب في بيان نشره على موقعه الإلكتروني “ما صدر عن توكل كرمان لا يمثل الحزب ومواقفه وتوجهاته ويعد خروجا على مواقف الإصلاح”. وأضاف البيان “وبناء عليه اتخذت الأمانة العامة قرارا بتجميد عضويتها في التجمع اليمني للإصلاح استنادا إلى نظمه ولوائحه”.

توكل ردّت على ذلك مباشرة بوصف قادة الحزب بأنهم “عبيد لحكام الرياض وأبوظبي”.

ومثّل هذا الأمر، داحضاً للقول بأن العلاقة بين السعودية والحزب سيئة انطلاقا من مزاعم تصنيفه كتنظيم ارهابي.

في سؤال لصحيفة “الشرق الأوسط” ضمن حوار بداية يوليو 2020، قال نائب رئيس الدائرة الإعلامية عدنان العديني المتحدث باسم حزب الاصلاح حول العلاقة مع الرياض: «الإصلاح منذ تأسيسه هو الحزب الوحيد الذي أفرد في نظامه السياسي مادة مستقلة تؤكد على أهمية تعزيز العلاقات بين اليمن والمملكة وضرورة التكامل بين البلدين، وهذا الاستثناء الذي يؤمن به الإصلاح ويعمل عليه، نابع من الطبيعة الاستثنائية للعلاقة بين اليمن والسعودية وحجم التداخلات والمصالح والأواصر بين شعب اليمن وشعب المملكة، علاقة حزبنا وشعبنا بالمملكة العربية السعودية هي علاقة تاريخية متجذرة وصلبة أكثر من أي بلد وشعب آخر، تتحكم بها روابط الهوية القومية والإسلامية والجغرافيا السياسية والمصير المشترك، وتربطنا علاقات وثيقة في إطار الدولتين، فالمملكة ظلت طوال عمر الجمهورية اليمنية حاضرة جوار اليمن وداعمة باستمرار وفاعلة في المشهد اليمني، ونحن كحزب نؤيد وندعم كل التوجهات التي تعزز علاقتنا بالمملكة، ونعمل من أجل تجاوز البعد الشكلي للعلاقة بين بلدين ودولتين إلى مستوى أوسع؛ يتعلق بالمصير العام المشترك للبلدين كأمة واحدة”، وأشار العديني المتحدث باسم حزب “الإصلاح” الى “حرص قيادة المملكة على (الإصلاح) وسعيها لحلّ اللبس الذي لدى بعض الدول عن (الإصلاح)، وقد تجلى ذلك في لقاء قيادة المملكة بقيادة (الإصلاح)، حسب العديني.

يؤكد الكاتب ابراهيم السراجي، أن علاقة حزب الاصلاح بالسعودية قائمة على التبعية، إذ لم يبد «الإصلاح» -والحديث للسراجي- أي ردّ فعل تجاه السعودية حين صبّت الأخيرة، مثلاً، جام غضبها على «الإخوان» في مصر، ونال الحزب نصيباً من ذلك الغضب حين تخلت الرياض عن التيار الديني الوهابي والقبلي أثناء «الصراع» مع «أنصار الله»، الذي انتهى بتلاشي هيمنة آل الأحمر على اليمن. وقد قابل «الإصلاح» هذا التخلي السعودي بتسخير إعلامه للمديح بالسعودية و«أفضالها»، بل وصل الأمر درجة رفع صورة الملك السعودي في المسيرات التي نظمها الحزب في صنعاء، أملاً في كسب عطف آل سعود ورضاهم.”

تاريخياً، لم يكن هناك أي موقف عدائي من قبل حزب الإصلاح تجاه نظام الحكم السعودي، وكذلك لا يوجد موقف عدائي من قبل سلطات الرياض تجاه حزب الإصلاح؛؛

فيما ذهب الراحل محمد المنصور وكان قائما بأعمال الأمين العام لحزب «الحق» اليمني الى أن «علاقة السعودية بحزب الإصلاح هي علاقة الأصل بالفرع، علاقة الجزء بالكل. فالإصلاح هو الحزب الوحيد الذي تنص أدبياته على علاقة تبعية للسعودية. انفراد الإصلاح في تضمين أدبياته بنداً يحدد علاقته بدولة أخرى هي السعودية، يمثل سابقة لم يشترك فيها مع الإصلاح أي حزب آخر».

ورأى الباحث في التاريخ اليمني، الدكتور حمود الاهنومي، بان علاقة “الإصلاح” بالسعودية اشبه بـ«العجينة… المكونة من مجموعات إخوانية وسلفية وقبلية وعسكرية، ذات ميول وهابية دانت تاريخياً بالولاء للمملكة العربية السعودية وتقاضت قيادات منها مرتبات جزيلة»، وقال الدكتور الاهنومي أنّ السعودية “دعمت التعليم الديني الوهابي في المعاهد والمراكز الدينية التي رعاها الإصلاح، بالتعاون، أولاً، مع السلفيين، وصولا إلى الجمعيات الخيرية وجامعة الإيمان.”

يؤكد الدكتور الأهنومي أنّ ارتباط مؤسسي حزب “الإصلاح” بالسعودية أمر واضح وجلي، على رأسهم الشيخ الزنداني في الجناح الديني، وعائلة الأحمر في الجناح القبلي في الحزب. ويلفت إلى أنّ السعودية قدمت “للمتخرجين من مدارس الإصلاح ومعاهده وجامعاته تسهيلات خاصة في الحصول على وظائف في السعودية، وصار لافتاً مثلاً حصول مئات الأكاديميين ذوي الميول الإصلاحية على كراسي الأستاذية في الجامعات السعودية».

يُرجع الكثير من المراقبين نجاح النظام السعودي في الهيمنة على اليمن إلى سيطرته على حزب الاصلاح بتكويناته وتياراته المختلفة الدينية والقبلية وحتى العسكرية، وبلغ امر التأثير هذه الهيمنة ان صعود الرئيس لم يكن يتم إلا بموافقة السعودية.

ويضيف محمد المنصور أن النظام السعودي “عمل على محاولة تغيير البنية المذهبية التقليدية في اليمن بشقيها الزيدي والشافعي، وإحلال الوهابية في التعليم الأساسي والجامعي والخطاب الديني الرسمي وأجهزة الإعلام، وطيلة حكم علي عبدالله صالح ظلت السعودية تضخ مليارات الريالات لبناء المعاهد والجامعات والمساجد وتنمية التيار الإخواني والسلفي وجهازه العسكري والامني. ومن خلال الجهاز التنفيذي الأمني للإخوان نمت كل التيارات الإرهابية منذ مرحلة الجهاد اﻷفغاني، وكانت اليمن حاضنة للجماعات التكفيرية التي تحركت في كل الساحات والأزمات في البوسنة والشيشان والصومال وسوريا والعراق، الخ”.

بداية يوليو 2020 كتب موقع “الخليج اونلاين” تقريرا أورد فيه القول “خلال العقود الثلاثة الماضية، ظلت مواقف الحزب السياسية تدور بالقرب من التوجهات العامة للسعودية تجاه اليمن، ولم يسبق أن تبنى الحزب موقفاً يُغضب الجار السعودي، بل حافظ على علاقة متميزة مع قيادات المملكة المتتالية، ولم تتأثر تلك العلاقة برحيل الملوك السعوديين أو صعودهم”.

ويرى سيف المثنى، الباحث بمركز واشنطن للدراسات اليمنية، الى أن العلاقة بين السعودية واخوان اليمن “علاقة وطيدة منذ القدم”، ويضيف لموقع “الخليج اونلاين” “وأحياناً أقلام سعودية تعمل لصالح أجندة تريد ضرب هذه العلاقات لأسباب مختلفة، لكن الطرفين (الإصلاح والسعودية) لم يتوقفا عن تأكيد عمقها وتطورها إيجابياً”.

وفي منطلقات حزب “الاصلاح” فيما يتعلق بالعلاقة مع السعودية، نجده يضع للأمر اعتبارات خاصة.. ويذكر “الاصلاح” في هذه المنطلقات التي استعرضها عبر موقعه الإلكتروني في 15 سبتمبر-أيلول 2020 تحت عنوان “الإصلاح.. والعلاقات اليمنية السعودية” “لم يُؤْثَر عن حزب الإصلاح أنه في وقت ما عبّر عن خصومة مع المملكة، ومنذ قيامه في 1990، فإن موقفه ثابت بالنظر للمنطلقات والاعتبارات الخاصة بالمملكة، والمصالح المشتركة.”

بل ويشير إلى “انه من ناحية التاريخ، لم يكن هناك أي موقف عدائي من قبل الإصلاح تجاه المملكة، وكذلك المملكة، لا يوجد موقف عدائي من قبلها تجاه الإصلاح.”

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى