ــالنشرةدراسات وبحوث

“المعاهد العلمية” بؤرة “السعودية” في اليمن

وضعت الرياض لبنة التغيير الأولى، طويل المدى، في البنية اليمنية، بالتعاون مع التيار الديني الذي كان ضمنياً يعني الإخوان المسلمين؛؛

خاص مرآة الجزيرة ـ حسن الأحمد

توثق المعطيات إلى أن علاقة السعودية بإخوان اليمن، بدأت على نحو قوي مع ظهور فكرة إنشاء المعاهد العلمية.

ويبدو أن السعودية أخذت تتجه أواخر الستينات، إلى ترسيخ ثوابت عمل يكون لها آثار استراتيجية طويلة المدى في اليمن ولذلك بدأ نشاطها في تكوين جيل يتم تأسيسه على مفاهيم تنتمي لها أو تعطيها القدرة على توجيه الواقع، وعلى النحو الذي يضمن لها السيطرة على الدول.

وبذريعة مواجهة المد الشيوعي الماركسي في جنوب اليمن، عملت السعودية على إنشاء “الهيئة العامة للمعاهد العلمية” أدارتها قيادات ومراجع، الكثير منهم كان محسوبا على جماعة الإخوان المسلمين في اليمن.

يؤكد “مركز كارنجي” البحثي أن السعودية أشرفت على هذه المعاهد ودعمتها كما سهَّلت استقدام إخوان مصر وسوريا كمعلمين فيها، وكنوع من الحماية لهم ضد الملاحقات في بلدانهم، وللعمل على مسح آثار المعلمين الناصريين والبعثيين الذين سبق وأرسلتهم مصر وسوريا إلى اليمن لتأسيس نظامها التعليمي واستقطاب الشباب فكريا، وشكلت أيضا نواة ومصنعا لكوادر وشباب التجمع اليمني للإصلاح، الحزب الممثل للإخوان المسلمين اليمنيين بعد العام 1990″.كما انها عملت -حسب العديد من القراءات- إلى ظهور ‘مجموعة هويات متناحرة”.

يقول عبد الله الرامي الباحث في الحركات الإسلامية والجهادية في العالم العربي “وقد سعت الأيديولوجية الوهابية، التي تعتبر أيديولوجية أممية، إلى حماية نفسها من خلال دعم المؤسسات في الخارج، في أوروبا والعالم العربي. هكذا أشرفت سفارات المملكة والمراكز الثقافية السعودية، يؤكد الرامي، على تدبير الموارد المالية المخصصة لنشر الفكر الوهابي وترويجه وخلق المؤسسات التي تهتم بنشر الفكر الوهابي.”

يقول مركز كارنجي: “خلال تلك الفترة (1967-1974)، وضعت الرياض لبنة التغيير الأولى، طويل المدى، في البنية اليمنية، بالتعاون مع التيار الديني الذي كان ضمنيا يعني الإخوان المسلمين زائداً تحالفهم القبلي القوي. وتم تعيين عبد الملك الطيب، أحد أبرز قيادات هذا التيار وزيرا للتربية والتعليم، فحدثت تغييرات متوالية في المنهج الدراسي”.

مثلت فترة ظهور المعاهد العلمية في اليمن، مرحلة حيوية في مسار علاقة السعودية بأخوان اليمن، فقد كانت الداعم الكبير لاستمرارها وبالتأثير في المضمون التعليمي للدارسين؛؛

ويتابع المركز في قراءة عنونها بـ “الرياض وإخوان اليمن: العودة إلى ضبط المصنع” “وتطور الأمر إلى صدور قانون للتعليم الديني (“الهيئة العامة للمعاهد العلمية”) كإطار مواز للتعليم العام (1974) بعد تجميده لمدة 10 سنوات، وتبنى القانون القاضي عبد الله الحجري أحد القيادات المرموقة في التحالف القبلي/الديني، الذي تعين رئيسا للوزراء في العام نفسه، بناء على رسالة من رئيس المخابرات السعودية حينها (كمال أدهم) للرئيس عبد الرحمن الإرياني.”

اذن مثلت فترة ظهور المعاهد العلمية في اليمن، مرحلة حيوية في مسار علاقة السعودية بأخوان اليمن، فقد كانت الداعم الكبير لاستمرارها وبالتأثير في المضمون التعليمي للدارسين، بل وانسحب هذا التأثير الى التعليم النظامي التابع لوزارة التربية والتعليم، اذ نجحت السعودية طوال العقود الماضية في تعيين الاسماء التي تريد سواء في الحقل التعليمي، وكانت عادة لكوادر من “الاخوان”.

وتذهب معظم الطروحات الى “ان المعاهد العلمية تبنت منهجا دينيا سنيا متشددا معاديا لكل الأفكار القومية واليسارية. وشكلت نواة لكوادر شباب حزب التجمع اليمني للإصلاح”.

من هنا، شهدت اليمن خلال “فترة السبعينات والثمانينات انتشار أفكار دينية متشددة قادت إلى التطرف والإرهاب.”

كما شاعت حينها “قضية التكفير بشكل واسع على النطاق السياسي الرسمي والمذهبي”.

و“كان من أسهل الأمور تكفير أي شخص يحمل رأيا مخالفا”، حسب الدكتور حمود العودي أستاذ علم الاجتماع بجامعة صنعاء.

ويرى الدكتور حمود العودي الى أن المعاهد العلمية كانت أبرز المظاهر التي تجسد من خلالها مفهوم تجزئة العملية التعليمية، “حيث تميزت بالتكثيف وتكريس وتجسيد الجوانب العقائدية المبنية على خيار الرأي الواحد أو وجهة النظر الدينية الواحدة”.

تأسس اول معهد علمي عام ١٩٧٢ في مسور/ خولان على يد القاضي يحيى لطف الفسيل وكان من أبرز داعميه ومساعديه “الجمعية العلمية اليمنية” وهي (إحدى واجهات نشاط الإخوان المسلمين) التي كان يرأسها عبدالمجيد الزنداني، وتم تأسيسها عام 1968 ثم جرى إغلاقها عقب افتتاح المعاهد العلمية، التي استقطبت آلاف الدارسين من مختلف الأقطار العربية والإسلامية لتدريس أصول الحديث وفقا للمدرسة الوهابية.

يذكر الباحث فوزي عبدالباقي العريقي ان الإخوان المسلمين لم يكتفوا، “بالتوسع الذي حققته لنشاطهم السياسي المعاهد العلمية، والذي بدأ بتأسيس 15 معهداً، ووصل الى 500 معهد علمي، عام 1982، في ذروة نشاطهم السياسي والمسلح في مواجهة الجبهة الوطنية الديمقراطية، ووصل عدد المعاهد الى 1200 معهد، قبل توحيد التعليم في 2001، وعدد الطلبة كان قرابة 600,000 طالب”.

فيما يؤكد الكاتب أحمد الشرعبي: “ليس هناك أي خلاف على أن هذا التضخم الكبير للمعاهد كان في الأساس نشاطاً حزبيا واضحاً، الى درجة أن أحد أعضاء الكتلة النيابية لحزب الإصلاح يصرّح أنه في وقت الحرب والشِّداد، لا تقف إلا القوات المسلحة والمعاهد العلمية”.

المنهج الوهابي

يميل كثير من المراقبين إلى ربط ظهور العديد من العناصر المتطرفة بما تلقته في المعاهد التي قامت على المنهج الوهابي، الأمر الذي يقود بالتالي إلى ربط الوهابية بخلق التشدد والتكفير وعدم القبول بالآخر بين الناس.

وهي مسألة يجمع عليها الجميع، ولذلك كان تعويل النظام السعودي على الفكر الوهابي، لترويض المجتمعات وجعلها بمثابة خطوط الحماية الأولى له من أية مخاطر تتهدد كيانه خصوصا وأنه يدرك أن ظهوره لم يكن بإجماع شعبي لسكان صحراء الجزيرة العربية، وانما جرى انشاؤه باتفاق مع الدولة البريطانية التي رعت النظام حتى تقاسمت معها امريكا دور الرعاية، وساعدت الدولتان من خلال ذلك في نشر الوهابية لإدراكهما مخالفته لكثير من المفاهيم الإسلامية الحقيقة، وهو الذي ظل الغرب يسعى له بأكثر من مخطط وأكثر من صيغة.

كان تعويل النظام السعودي على الفكر الوهابي، لترويض المجتمعات وجعلها بمثابة خطوط الحماية الأولى له من أية مخاطر تتهدد كيانه؛؛

يعتبر العلامة طه المتوكل الوهابية، حركة إرهابية تكفيرية.. ويرى بانها “غزت بلدان الإسلام والعالم لتشويه الدين الإسلامي”.

وقال “فتُحت مراكز في أوروبا وأمريكا وسمحت تلك الدول لتلك المراكز الوهابية بالتواجد من أجل تنفير الشعوب الغربية عن الإسلام وخلق وتكوين صورة مشوهة وغير صحيحة عن الإسلام لأنهم رأوا أن سماحة هذا الدين وعدالته ستُدخل الناس إلى دين الله أفواجا وهكذا صنعت تلك الدول إسلاماً بطريقتها لتشويه الإسلام الحقيقي في الغرب ولضرب المسلمين بعضهم ببعض في أوطانهم.”

واكد العلامة المتوكل أن الوهابية “غزت اليمن وضخت مليارات الريالات السعودية على مدى عشرات السنين لتزييف الوعي سواءً عن طريق المساجد أو المناهج أو الجامعات وشراء الذمم وغيرها.”

ويذكر تحقيق صحفي نشرته صحيفة “الثورة” اليمنية في سبتمبر من العام 2017 ان “المملكة السعودية سعت وبكل قوة إلى زرع افكار الحركة الوهابية في عقول الناشئة من اليمنيين واعتمدت في ذلك على حزب الاصلاح الذي يشاركها في الأيدلوجيا الفكرية وقد استطاع هذا الحزب ومن خلال المعاهد التي كانت تدرس الكثير من الشباب وبمناهج مختلفة تماما عن المنهج النظامي وبرعاية وزارة التربية والتعليم آنذاك ان يكرس مواضيع عديدة هي في الأصل فكر وهابي”

تسببت فكرة المعاهد في ازدواج التعليم في اليمن لما يقارب ال ٢٥ عاما، ولم تحظ فكرة المعاهد بقبول مجتمعي واسع فقد كان يلقى ممانعة من الليبراليين والزيدية والصوفية وغيرهم، ومما كان خفيا ان هذه المعاهد كانت “معسكرات للشحن الطائفي والمذهبي والتشدد الديني المقيت وأفرزت من رحمها جماعات ارهابية وأخرى تكفيرية متشددة كلها تحمل فكر الحركة الوهابية الذي أدخل الوطن في محن لا طاقة له بها..”

لتنجح السعودية ومن خلال الاخوان في اليمن في غرس الأفكار المتشددة التي لا تقبل بالآخر المختلف في المذهب فانتهجت تكفير كل ما لم ينتم إليه حتى المذهبين السائدين في البلد، الزيدي والشافعي الذين اعتبرها مخالفين للشريعة.

 في المدارس السعودية، تعلم الطلاب منذ الصف الأول أن يكرهوا كل مَنْ يُنظر إليهم على أنهم ينتمون إلى دين أو مذهب أو مدرسة فكرية مختلفة؛؛

يشير الباحث التربوي احمد حسن الشجرة الى ان “الطامة الكبرى هو ان المناهج الدراسية النظامية دخلت في نفس السرب وتدخلت اذرع الاخوان في صياغة العديد من المواضيع والدروس وبدعم سعودي وبعباءة تمويل وتطوير المناهج التي كانت نظيفة من هذا الفكر المتطرف ولا يخفى على أحد كيف اصبح مستوى التعليم بعد ان دخلت هذه الأفكار إلى صفحات الكتب الدراسية النظامية وهنا يتضح جليا خبث المخطط السعودي الذي يسعى إلى بث ثقافة الكراهية والتعصب وخلق دائرة للصراع الطائفي والمذهبي في اليمن وهذا التوجه عممه قادة هذا الفكر على العديد من الدول العربية”.

لم تتوقف السعودية وحزب الاصلاح عن الاشتغال في هذا المسار حتى بعد أن عمدت الحكومة لتوحيد التعليم وتوحيد المناهج، فإخترقت قطاع المناهج في وزارة التربية والتعليم، وحين اتخذت الحكومة عام 2005 قرار إحداث تغيير في المناهج الدراسية بما يواكب متغيرات الثورة العلمية، كانت كوادر الاصلاح/ الاخوان قد تبوأت مناصب عالية في القطاع يمكنها من التدخل لصالح المنهج الذي رسمته الهيئات الدينية في السعودية، خصوصا وأن عملية التغيير كانت تتم بدعم سعودي، وبالفعل استطاعت هذه الكوادر الإصلاحية تنفيذ الأجندة من خلال التدخل في صياغة منهج القرآن الكريم والتربية الإسلامية والتاريخ، الى جانب اجزاء من بقية المواد، ونجحت في تكريس المفاهيم التي تتوافق مع الفكر الوهابي، الأمر الذي لاحظنا تأثيره على مستوى التشدد الذي كان عليه كثير من الشباب وافرز فصولاً دموية ترتدي عباءة الدين وتقتل مسلما بإسم الدين.

ذكرت منظمة “هيومن رايتس ووتش” في تقرير لها نشرته منتصف سبتمبر 2017 أن المناهج الدراسية الدينية في السعودية “تحتوي على لغة تحض على الكراهية والتحريض تجاه الأديان والتقاليد الإسلامية التي لا تلتزم بتفسيرها للإسلام السُني”.

تضمن التقرير صورا من كتب دراسية تتضمن نصوصا تحض على التشهير الرسمي من قبل الحكومة السعودية بالمجموعات الدينية الأخرى، والتي سعت السلطات السعودية إلى ادخالها في مناهج تعليمية لدول عربية عديدة عبر تمويل مشاريع تعليمية ومطابع كتب دراسية وبمبالغ ضخمة.

ونقل التقرير عن سارة ليا ويتسن، مديرة قسم الشرق الأوسط في المنظمة القول: “في المدارس السعودية، يتعلم الطلاب حتى منذ الصف الأول أن يكرهوا كل من يُنظر إليهم على أنهم ينتمون إلى دين أو مدرسة فكرية مختلفة”.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى