ــالنشرةدراسات وبحوث

“منابع التكفير والإرهاب وخطر العقول المفخّخة”: ضحايا التكفير من علماء أهل السنّة والشيعة (الحلقة 7)

مرآة الجزيرة

لم يرحم التاريخ والإرهاب الفكري التكفيري أحداً، إذ طال كافة الفرق والمذاهب، خاصة عندما حصل بينها تنافس على المناصب والمقامات الروحيّة والمعنوية والمادية والاجتماعية، فجاء التكفير كحل لإقصاء بعض الفرق من هذا التنافس، ولعل أكبر الفرق الإسلامية التي تعرضت للتكفير عبر التاريخ هما السنة والشيعة إذ ساد التكفير بينهما منذ زمن بعيد، كما أن التكفير قائم داخل طائفة كل واحدة منهما، فالنزاع ظهر ضمن الطائفة الشيعية بين الإمامية واالزيدية وكذلك داخل الإمامية بين الأصوليين والإخباريين. أما السنّة فينقسمون إلى السلفية والأشاعرة، ذلك أن بعض السلفية يكفّرون الأشاعرة ويلقبونهم بـ”مخانيث المعتزلة”، كما يصفونهم بـ”المعطلة”. في المقابل يكفّر بعض الأشاعرة السلفيون وينعتونهم بـ”أفراخ اليهود” و”الحشوية”.  

في الفصل التاسع من كتاب “منابع التفكير والإرهاب وخطر العقول المفخّخة”، يبيّن سماحة العلامة المحقّق الشيخ حسين الراضي أن كافة الفرق الإسلامية كفّرت بعضها البعض وقد قام هذا التكفير أيضاً ضمن الطائفة الواحدة، مشيراً إلى أن أهل السنة في مقدّمة المتضرّرين من التكفير إذ تصور الكثير من الناس أن ضرر التكفير ينصب على من كُفّر، وأن أهل السنّة مثلاً بعيدون عنه، أما في الأحداث المعاصرة وبالأخص ما وقع من داعش، فقد ثبت أن أهل السنة في مقدمة المتضررين وقد دفعوا ثمناً باهظاً في القتل والتهجير وهتك الأعراض وغيرها. ثم يشرح على نحوٍ مفصّل التكفير الذي طال علماء السنّة وتحديداً أولئك الذين نقلوا روايات في فضائل أهل البيت (عليهم السلام) أو ألقوا فيهم كتباً مستقلة، فحكم عليهم بالتشيّع لنقلهم بعض الروايات في فضائل أهل البيت ومن هؤلاء: الجهضمي، النسائي شهيد الفكر والحرية، ابن جرير الطيري صاحب التاريخ، الحاكم النيسابوري صاحب المستدرك على الصحيحين.

التكفير بين أهل السنّة

يشير الكاتب في الفصل الذي يحمل عنوان: “ضحايا التكفير من علماء أهل السنة” إلى ما حصل بين الحنابلة أتباع الإمام أحمد بن حنبل وبين أتباع الإمام أبي حنيفة إمام الأحناف المتوفي عام 150ه، فقد انصبّ أتباع الإمام أحمد على تكفير أبي حنيفة مباشرةً كما أنه لعل أول من قام بهذا العمل من الحنابلة هو عبدالله بن أحمد بن حنبل المتوفي عام 290ه في كتابه (السنة) فقد ترجم أبا حنيفة قرابة 20 صفحة وذكر فيها ما يندى لها الجبين بحسب تعبير الكاتب. في المقابل نجد أن بعض الحنابلة كعبد الله بن أحمد يسوق في أبي حنيفة رحمه الله، جملة اتهامات وشتائم خصوم أبي حنيفة في كتابه (السنة)، تلك الإتهامات تصف أبا حنيفة بأنه “كافر، زنديق، مات جهيماً، بنقض الإسلام عروة عروة، ما ولد في الإسلام أشأم منه وأنه ما ولد على الإسلام أضرّ من أبي حنيفة وأن الله ضرب على قبر أبي حنيفة طاقاً من النار…” وتعليقاً على هذا التكفير الذي لحق بأبي حنيفة يقول الشيخ المالكي مستنكراً إن هذا نموذج واحد من نماذج سلفنا الصالح من غلاة الحنابلة وهذا الفكر عندهم هو الذي فرخ لنا اليوم هؤلاء الغوغاء من التيار التبديعي الذي يصم الناس بالبدعة والضلالة ولعلهم أوقع الناس فيها، لذلك ليس من المستغرب أن يقوم أتباعهم بتشبيه الباحثين بالفراعنة والمبتدعة أو أتباع المستشرقين.  

أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيميّة، هو أحد علماء أهل السنّة الذين تعرّضوا للتكفير وكفّر بدوره فرقاً أخرى على خلفية انتقاداتها له. تكلم ابن تيمية في صفات الله ومال إلى القول بالتجسيم والجهة وتحريم زيارة الأنبياء والصالحين وفتاوى مخالفة المشهور عندهم، حينئذ أفتوا بكفره. كما أنه لم يتردّد في تكفير النصيرية والصوفية وغيرهما.  

لم يقتصر التكفير على المراشقات الكلامية والكتابية، إنما كان له نتائج كارثيّة، فقد أدّى الطعن في المعتقدات وترويج ثقافة التكفير والتبديع والتفسيق إلى ثورات دموية ذهبت بكثير من الأنفس والأموال والأعراض لما حلّ بينهم من التطاحن حتى أصبحوا أعداء متخاصمين وقد عامل بعضهم بعضاً على أنهم خارجون من الدين، وفي ما يلي بعض النماذج من التكفير الجماعي التي ساقها المؤلف في أثناء حديثه عن التكفير بين أتباع مذهب أهل السنة: “قال أبو عبدالله محمد بن موسى البلاشاغوني التركي الحنفي قاضي دمشق المتوفي سنة 506ه: لو كان لي أمر لأخذت من الشافعية الجزية”، فيما وصفه الذهبي أنه كان متعصباً. ويقول أبو حامد المظفر الطوسي الشافعي المتوفي سنة 567ه: “لو كان لي أمر لوضعت على الحنابلة الجزية”. كما قال أبو حاتم بن خاموش الحنبلي: “من لم يكن حنبلياً فليس بمسلم”. 

ويلفت الكاتب في معرض كلامه إلى علماء أهل السنة الذين تعرضوا للتكفير بسبب نقلهم بعض روايات في فضائل أهل البيت (عليهم السلام) أو ألقوا فيهم كتباً مستقلة، ومن هؤلاء: نصر بن علي الجهضمي الذي روى أن رسول الله (ص) أخذ بيد الحسن والحسين وقال: “من أحبني وأحب هذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي في يوم القيامة”. وهنا يقول أبو عبد الرحمن عبدالله إنه “لما حدّث بهذا الحديث نصر بن علي، أمر المتوكل بضربه ألف سوط وكلمه جعفر بن عبدالله وجعل يقول له: هذا الرجل من أهل السنة ولم يزل به حتى تركه وكان له أرزاق فوفرها عليه موسى”. 

ابن جرير الطبري صاحب التاريخ المتوفي عام 310ه، أيضاً تعرض للإضطهاد والتكفير وقد دفن ليلاً خوفاً من العامة لأنه كان يتهم بالتشيّع ولم يؤذن له أحد فاجتمع على جنازته من لا يحصي عددهم إلا الله وصلي على قبره عدة شهور ليلاً ونهاراً ورثاه خلف كثير من أهل الدين والأدب. ولعل السبب في ذلك تأليفه للكتب التالية: كتاب الولاية في طريق حديث الغدير الذي روى فيه حديث الغدير ب75 طريقاً وقبل ب 95 طريقاً.

كذلك تعرّض الحاكم الحسكاني صاحب كتاب “شواهد التنزيل لقواعد التفضيل في الآيات النازلة في أهل البيت” تعرّض للتكفير بعد تأليفه هذا الكتاب الذي كتبه عندما سمع بعض النواصب ينكرون نزول سورة “هل أتى في أهل البيت” ويتطاولون على بعض العلويين. كما ألّف كتاب “دعاة الهداة إلى آداء حق الموالاة” في 10 أجزاء. 

تكفير علماء الشيعة 

وفي الفصل العاشر يتحدّث الشيخ الراضي عن ضحايا التكفير من علماء الشيعة، وفي طليعتهم: الشهيد الأول محمد بن جمال الدين مكي العاملي الذي حرّم غيبة المخالف وإيذائه، الشهيد الثاني الشيخ زين الدين بن نور الدين علي بن أحمد العاملي الشافعي، والذي كان عالماً فاضلاً وفقيهاً ماهراً محدثاً أصولياً ومشاركاً في العلوم الاجتماعية. يقسّم سماحته التكفير الذي لحق بالطائفة الشيعية إلى قسمين، الأول يرتبط بضحايا التكفير على المستوى القول والفتوائي وبالتالي في هذه الحالة يكون الشيعة جميعه ضحايا هذه الفتاوى الزائفة. والقسم الثاني هم ضحايا هذه الفتاوى من العلماء الذين سقطوا مضرّجين بدمائهم إذ ثمّة أعداد كثيرة بالمئات سقطت على مر التاريخ. 

الشهيد الأول محمد بن جمال الدين مكّي العاملي، كُفّر من قبل أهل السنة، ويُعرف بأنه شيخ الشيعة والمجتهد في مذهبهم وإمام في الفقه والنحو والقراءة، الذي قال فيه المحقق الكركري: “ملك العلماء، علم الفقهاء، قدوة المحقّقين والمدقّقين، أفضل المتقدّمين والتأخّرين، ومهذّب المذهب”. وفي خلاصة قصّة الشهيد كما يرويها الحر العاملي في “أمل الآمل”، أن الشهيد الأول قتل بالسيف ثم صلب، رجم ثم أحرق، بدمشق في دولة بيدر وسلطنة برقوق بفتوى القاضي برهان الدين المالكي وعباد بن جماعة الشافعي بعدما حبس سنة كاملة في قلعة الشام، وكان سبب حبسه وقتله أنه وشى به رجل من أعدائه وكتب محضراً يشتمل على مقالات شنيعة عند العامة من مقالات الشيعة وغيرهم، وقد شهد بذلك جماعة كثيرة وكتبوا عليه شهاداتهم وثبت ذلك عند قاضي صيدا ثم أتوا به إلى قاضي الشام فسجن لمدة عام. ثم أفتى الشافعي بتوبته والمالكي بقتله، فتوقف عن التوبة خوفاُ من أن يثبت عليه الذنب، وأنكر ما نسبوه إليه للتقية، فقالوا: “قد ثبت ذلك عليك وحكم القاضي لا ينقض والإنكار لا يفيد فغل رأي المالكي لكثرة المتعصبين عليه فقتل ثم صلب ورجم ثم أحرق قدّس الله روحه. 

كما كان الشهيد الثاني زين الدين بن نور الدين علي بن أحمد العاملي الشامي، عالماً فاضلاً جليلاً عظيم الشأن، وفقيهاً ماهراً في الدرجة العليا بين الفقهاء محدّثاً أصولياً مشاركاً في جميع العلوم الإسلامية، لم يدع علماً من العلوم إلا وقرأ فيه كتاباً أو أكثر على مشاهير العلماء من النحو والصرف والبيان والمنطق واللغة والعروض والقوافي والفقه والتفسير وعلم الحديث وعلم الرجال وعلم التجويد وأصول العقائد والحكمة العقلية والهيئة والهندسة وغيرها كما يصفه المؤلف. أما سبب قتله فكان وفق “أمل الأمل” أنه سمعه من بعض المشايخ ورآه بخط بعضهم أنه ترافع إليه رجلان فحكم لأحدهما على الآخر فغب المحكوم عليه وذهب إلى قاضي صيدا واسمه معروف وهو الذي كان أشار عليه بأخذ عرض منه لما أراد السفر إلى بلاد الروم، فلم يقبل كما أمر وكان الشيخ في تلك الأيام مشغولاً بتأليف كتاب “شرح اللمعة” فأرسل القاضي إلى جميع من يطلبه وكان مقيماً في كرم له مدة منفرداً عن البلد، متفرّغاً للتأليف، فقال له بعض أهل البلد قد سافر عنها منذ مدّة وفي رواية أنه كتب فيما أرسله إليه أيها الكلب فكتب إليه في جوابه أن الكلب معروف، قال فخطر ببال الشيخ أن يسافر إلى الحج بقصد الإختفاء فسافر في محمل مغطّى وكتب القاضي إلى سلطان الروم أنه قد وجد ببلاد الشام رجل مبدع خارج من المذاهب الأربعة فأرسل السلطان رجلاً في طلب الشيخ وقال له اتني به حياً حتى أجمع بينه وبين علماء بلادي فيبحثون معه ويطلعون على مذهبه ويخبروني فأحكم عليه بما يقتضيه مذهبي. وأتاه الرجل فطلب منه الشهيد الثاني أن يأتي معه للحج ويعودا معاً إلى سلطان الروم فوافق. ولما وصل إليه رآهما رجل آخر وسأله عن الشيخ فأخبره أنه من علماء الشيعة فقال له: “أوما تخاف أن يخبر السلطان بأنك قد قصرت في خدمته وآذيته وله هناك أصحاب يساعدونه فيكون سبباً في هلاكك، بل الرأي أن تقتله هنا وتأخذ رأسه إلى السلطان فقلته في مكان على ساحل البحر.  

خلاصة القول إنه طوال قرون مضت، لم يهدأ الخلاف بين السنة والشيعة، الطائفتين الرئيسيتين في الديانة الإسلامية، بل وتحوّل الخلاف في أحيان كثيرة إلى حروب دموية أزهقت الكثير من أرواح الأبرياء. وظل الشرخ بين الطائفتين يتوسع كل يوم حتى أصبح من الصعب إصلاحه، مع العلم أن الطائفتين متفقتين على مبادئ وأركان الدين الأساسية ويختلفان فقط في التفاصيل، وهنا يظهر الدور الجلي للسياسة في تسعير الخلافات بين الطائفتين حفاظاً على مصلحة النظام الحاكم أو الجهة التي تخوض حرب في مكان ما، لصالح هذه الفئات أن يبقى المسلمون في خلافات وصراعات. مع العلم أن الدين الإسلامي واضح في ترسيخ روح الوحدة بين الطرفين فقد قال النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم): “من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله فلا تخفروا الله في ذمته”، كما أن الله تعالى جعلنا أمة واحدة من دون الأمم، وقال تعالى:”هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ أمة واحدة خاطبها الله تعالى بقوله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا“. 

وتذكر المصادر التاريخية أن السنة والشيعة عاشوا لأكثر من ألف عام في تصالح ووئام وتراحم في اليمن وفي العراق وغيرها من بلاد المسلمين وفي الكويت، وإلى زمن قريب جداً كانت الأسر السنية والشيعية يصاهر بعضها بعضا ويزوج بعضها بعضا وترى العائلة الواحدة فيها السني والشيعي وجميعهم يجلس على مائدة واحدة تجمعهم أصول الإسلام ومحكمات القرآن. 


لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى