ــالنشرةتقارير

عن سياسة الإلهاء في سبيل العرش: محمد بن سلمان نموذجاً

مرآة الجزيرة

تسعى الدول والأنظمة إلى السيطرة على عقل وفكر مواطنيها عبر إقناعهم بسرديات معينة قد لا ترتبط دائما في الشأن السياسي بل تتخطاه لتبني سرديات اجتماعية واقتصادية، يتم ذلك من خلال تبني سياسات معينة تسلط الضوء على الأولويات التي تهتم بطرحها مؤسسات الدولة على العامة، فتصوّرها بالشكل الذي يجذب الجمهور ويقتنع بوصفها الخطر الذي تتصدى له دولته، أو القضية الأكثر أهمية في الوقت الراهن.

بطبيعة الحال، يشكل مبدأ السيطرة على الفكر غاية القوى العالمية في صراعها كما القوى الاقتصادية والأحزاب في الداخل وصولاً إلى الممارسة الفردية خلال حياتنا اليومية،  والأمر فيه من الأنانية الشخصية وحب الذات، على مستويات، صعوداً في سلم الفاعلين لتحقيق ما يتم الاصطلاح عليه بالاستكبار العالمي.

إن عقل الإنسان هو آخر معاقل كلّ خصوصية، حيث يكون الفرد على سَليقَته، فيفكّر كما يشاء ويتصرف وفق ما يؤمن به من قيم ومعتقدات، وهنا يكمن الهدف بالنسبة لأي فاعل آخر المتمثل في السيطرة على العقل والتلاعب بالفكر، الأمر الذي يدخل ضمن نطاق الأساليب الناعمة للأنظمة وصانعي السياسات.

تطرق المفكر الأميركي ناعوم تشومسكي في وثيقة سريّة، إلى استراتيجيات تبنّاها واعتمدها أصحاب النفوذ العالمي من ساسة ورأسماليين بعنوان (الأسلحة الصامِتة لخوض حرب هادئة)، وهو دليل للسيطرة على عقول ومقَدرات وأموال الشعوب، وبالتالي توجيه سلوكهم والسيطرة على أفعالهم.

في حالة نظام آل سعود، لا يبخل بن سلمان على أبناء شبه الجزيرة بأنواع السلاح المستخدم ضدهم، كيف إذا كان يخدم سياسات “الإسلام المعتدل” من وجهة نظره، ورؤية 2030  بتوجهاتها الاقتصادية المنوّعة للدخل السيادي في سبيل تغيير وجه مملكة النفط.

يذكر تشومسكي، من ضمن الاستراتيجيات، مبدأ إلهاء الشعوب وإغراقهم بالكثير من وسائل الترفيه لتحويل أنظار الرأي العام عن الخوض ومتابعة القضايا السياسية أو الاقتصادية. ومما جاء في الدليل أيضا: “حافظوا على اهتمام الرأي العام بعيدًا عن المشاكل الاجتماعية الحقيقية، اجعلوه مفتونًا بمسائل لا أهمية حقيقية لها. أبقوا الجمهور مشغولًا، مشغولًا، مشغولًا، لا وقت لديه للتفكير، وعليه العودة إلى المزرعة مع غيره من الحيوانات”

بالإضافة إلى ما ورد، يورد تشومسكي استراتيجية التدرُّج، القائمة على تبني الحكومات سبيلا مختلفا للسيطرة على الشعوب بطريقة لا يمكن للشعب أن يقاومها ولا يرفضها عبر وضع مخطط لتغييره في مدة زمنية طويلة نسبياً، يتم فيها تغيير الظروف الاجتماعية والاقتصادية حتى يتم السيطرة على الشعوب وكأنهم في حالة من التنويم المغناطيسي.

في هذا السياق، لا بدّ من طرح ما اتخذه سلمان من خطوات عُدّت مفصلية في تغيير وجه “السعودية”. إنطلاقا من تقليص سلطة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وخلق هيئة جديدة تحت مسمى الترفيه لتعنى برسم معالم “الوجه الحضاري للملكة” بشخص بن سلمان، رعاية الحفلات الفنية والمعارض، إحياء مناطق تحمل طابعا تاريخيا ووسمها بالمعالم التراثية والتاريخية للسعودية، وصولاً إلى سن قوانين تعطي الحق للمرأة بقيادة السيارة وغيرها.

في الإطار نفسه، لا بدّ من التأكيد على الحالة الجدليّة التي خلقتها هذه الاجراءات في الداخل السعودي وإن كانت تخضع لمحاولات طمسّ لعدم التشويش الإعلامي، إلّا أنه لا يمكن التنكر للواقع المحافظ في شبة الجزيرة العربية وتمسك فئة كبيرة منه بالعادات والتقاليد.

من هنا تتمخض حقيقة اجراءات “ولي العهد”، ففي الوقت الذي يضعها في إطار رفع الحرمان عن “الشباب السعودي” تأتي الممارسات العنفية والجرمية على الضفة الأخرى لتؤكد زيف ما يقدمه بن سلمان من صناعة الترفيه إلى عملية فرض ممزوج بالعنف وإلزام ممنهج يهدف في الحقيقة إلى الإلهاء لا الترفيه.     

نشرت وكالة “فرانس برس” تقريرا عن شواطئ “المملكة العربية السعودية”، “وخصوصا شواطئ جدة على البحر الأحمر التي بدت على غير عادتها منذ أن أطلق ولي العهد محمد بن سلمان رؤيته لانفتاح المملكة”. وتم نقل وجهة نظر عدد من الشابات اللواتي عبروا عن سعادتهن بما بات متاحا، “قمة المتعة … الحلم اننا نأتي إلى هنا لقضاء عطلة نهاية أسبوع جميلة”، هكذا توجز إحداهن في حديثها للوكالة الفرنسية على ما ظفرت به في بلادها.  

السجن مصير من يرفض

بعض ممن هم في المعتقلات حاليا هم ممن انتقد بصراحة أو بتلميح هيئة الترفيه السعودية أو رئيسها تركي آل الشيخ. فقد اعتقلت السلطات الشيخين عبد الرحمن المحمود وعمر المقبل وكلاهما عضوي تدريس في جامعات سعودية لانتقادهما ما تمارسه هيئة الترفيه.

كما أعلن حساب “معتقلي الرأي” اعتقال عدد من مشايخ وأعيان وشعراء قبائل سعودية، منهم مسنون، لانتقادهم رئيس هيئة الترفيه. فإذا كان هذا تصرف ما يسمى بـ”هيئة الترفيه” والتي يفترض بأنها جهة ترويح وتسلية، فكيف بانتقاد أجهزة أخرى كالمخابرات والأمن؟! إن ما يمارسه رئيس من صرف هائل للأموال دون رقيب، في وقت يعاني فيه أهالي شبه الجزيرة العربية من غلاء في الأسعار وزيادة في الضرائب وأزمة توظيف لهو أكبر محفز ودافع لمعارضة سياسة “الدولة” الجديدة، ناهيك عن أي دوافع أخرى.

إن خطورة سياسة تقنين وفرض الترفيه المعمول بها في السعودية الجديدة تكمن في أنها تهدف إلى إلهاء أفراد الشعب وخصوصا الشباب والشابات عن المشاكل الحقيقية التي يواجهونها وعن القضايا المهمة التي ينبغي لهم حمل رايتها. وحينها تحولت صناعة الترفيه من حالة طبيعية عفوية تنبع من حاجات فردية واقتصادية عند الفرد والمجتمع، إلى حالة سياسية لها أهدافها وأجندتها الخاصة. 

إن وقتا يسمح فيه بحريّة التنقل بين المسارح والسينما والألعاب، ويمنع فيه أي صوت للتعبير عن رأيه، أو يزج بالمفكرين والعلماء بالسجون، فهي عبودية جديدة تكشف كذب ولي العهد في دعواه الإصلاحية.

حُلم السياحة..ودبي

بدأت “السعودية” في 2019 إصدار تأشيرات سياحية فورية لمواطني 49 دولة معظمها أوروبية، بعدما كان القسم الأكبر من التأشيرات يقتصر على العمل والحجّ والعمرة. وتسعى المملكة إلى استقطاب 30 مليون سائح سنوياً بحلول 2030 وإلى دفع مواطنيها للانفاق على الترفيه في بلدهم.

أفرد موقع “Arabian Business ” مساحة لتناول فرص القطاع السياحي في السعودية، مشيراً إلى وتيرة تطوير الفنادق الجديدة في “المملكة” كالوجهات الشاطئية على البحر الأحمر، والمدن البيئية مثل نيوم، إلى المواقع الثقافية التاريخية مثل العلا وبوابة الدرعية، وسياحة الحج بالمدينة المنورة ومكة المكرمة.

حيث بيّنت بعض الأرقام زيادة بنسبة 67 % في عدد الغرف الفندقية المخطط إنشاؤها، مع وجود أكثر من 73 ألف غرفة جديدة في طور التجهيز. مع تسجيل لكثافة العلامات التجارية الفندقية التي تتنافس لزرع أعلامها أمام المباني الفندقية الجديدة، وذلك بعد فترة طويلة من الركود التجاري بسبب فترة الجائحة.

ويخلص التقرير إلى أن السياحة في “السعودية” لطالما وُصفت أنها وُجهة “جافة” من ناحية صعوبة جذب أعداد كبيرة من السياح.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى