ــالنشرةحقوق الانسان

سلطات الرياض تعدم الشاب الشهيد مسلم المحسن

مرآة الجزيرة

بآياتٍ من الذكر الحكيم، زفّت سلطات الرياض نبأ ارتقاء الشهيد مسلم بن محمد المحسن، الذي ارتقى صباح أمس الثلاثاء في الدمّام، شرق البلاد، بسيف الغدر السعودي. رأسُ الشهيد المظلوم احتُزّ تنفيذاً لحكم شرع آل سعود البعيد كل البعد عن شرع الله تعالى. شرعُ آل سعود الذي يلفّق الاتهامات دون شواهد، ويدين الأبرياء باتهاماتٍ غير جرمية فتغدو مصائر الناس إما النفي أو السجن أو الإعدام، ثالوث آل سعود المنبثق من الفكر الوهابي الذي يحكم مفاصل الحياة في “السعودية” مهما ألبسها ولي العهد السعودي ثوب الحداثة.

في مطلعِ بيانها كتبت وزارة الداخلية “إنّما جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ”، في مقاربةٍ غير مفهومةٍ بين حكم الله ورسوله وحكم آل سعود، ففحين كان الحدّ في الحكم الأول لا يقام إلا مع الدليل فإن الحكم الثاني يقيم الحدود على الأبرياء دون أدلة أو أعمالٍ جرميةٍ ندين المعتقلين من الأصل، الجريمة واحدة هي ذاتها تتكرر في كل قضيّة تنتهي بمأساةٍ كهذه، وهي المطالبة بحقوقٍ مشروعة تحفظها القوانين الدولية والأحكام السماوية ويدينها آل سعود كونها لا تهدّد مصالحهم وعروشهم.

نشرت الداخلية السعودية في بيانها سلسلة من المزاعم لتشويه صورة الشهيد مسلم مع العلم أن أياً من هذه الاتهامات ليس لها وثائق تثبتها، بما في ذلك “المشاركة في خلية إرهابية تهدف لزعزعة الأمن الداخلي وقتل رجال الأمن والإعتداء عليهم وعلى الممتلكات العامة، والخروج المسلح على ولي الأمر، والاشتراك في جريمة قتل مواطن، وحيازة وصنع قنبلة (مالتوف) من أجل الاعتداء بها على رجال الأمن أثناء أداء واجبهم” بحسب زعمها.

وقالت الوزارة “بفضل من الله تمكنت سلطات الأمن من القبض على الجاني المذكور وأسفر التحقيق معه عن توجيه الاتهام إليه بارتكاب تلك الجرائم، وبإحالته إلى المحكمة الجزائية المتخصصة صدر بحقه صك يقضي بثبوت ما نسب إليه، ولكون ما أقدم عليه من جرائم عديدة أنطوت عليه من تمرد على ولي الأمر وخروج عن الطاعة، وما يترتب على مثل هذه الجرائم من ضرر يلحق بالمجتمع، ولأن الجرائم المذكورة صدرت بتخطيط وتمالؤ وتواطؤ، وارتكابها يوجب تشديد العقوبة لتكون قاطعة لشره وزاجرة ورادعة لغيره، فقد تم الحكم عليه بالقتل تعزيراً، وأيد الحكم من محكمة الاستئناف المتخصصة ومن المحكمة العليا، وصدر أمر ملكي بإنفاذ ما تقرر شرعاً وأيد من مرجعه بحق الجاني المذكور”.

اعتُقل المحسن من مقرّ عمله في سوبر ماركت الأعراف بالعوامية، في 23 نوفمبر/ تشرين الثاني 2015. يومها انقضّت السلطات السعودية على المعتقل بوحشيّة واقتادته مكبّل اليدين إلى السجن لتبدأ منذ ذلك الحين معاناة التعذيب والإخفاء القسري وسوء المعاملة. ويقول في هذا الشأن نائب رئيس المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان عادل السعيد إن مسلم المحسن “اُعتقِل من مكان عمله بطريقة وحشية وسُحِل للخارج وأطلق أحد الجنود الرصاص على فخذه وهو فاقدٌ للوعي. وتعرض مسلم لتعذيب منهجي وأُخضع لمحاكمة جائرة. مسلم شاب وديع، يشهد أهل مدينته بسلميته وعدم امتلاكه وحمله لأي سلاح في حياته”.

لم تكتفِ القوات السعودية بإطلاق النار على المحسن يوم اعتقاله إنما عمدت إلى سرقة مبالغ مالية بالإضافة إلى سرقة الهارديسك الخاصة بكاميرات المراقبة في المركز التجاري. وبحسب مصادر أهلية “قام آل سعود بسرقة مبالغ مالية من الكونترات داخل مركز التسوّق تقدر بأكثر من مئة ألف وذلك بعد سرقة الهاردسك الخاص بكاميرات المركز التجاري”.

‏وبيّن “ناشط قطيفي” في تغريدة نشرها عبر حسابه في تويتر مكان المركز الذي كان يعمل به الشهيد ⁧مسلم المحسن⁩ مُحاسباً، ويظهر الفيديو لدمائه جراء الاعتداء عليه بوحشية أثناء اعتقاله من مكان عمله.

توازياً مع الاعتقال شنّ إعلام النظام السعودي حملة شعواء ضد المعتقل اتهم فيه بإطلاق النار على ضيف الله القرشي، ففي رواية مزعومة، حاول المحسن مقاومة رجال الأمن بإطلاق النار أثناء عملية الاعتقال، ما اقتضى التعامل معه وفق الأنظمة وتبادل إطلاق النار معه وإصابته في قدمه والقبض عليه، ولم يتعرض أيُّ من رجال الأمن لأذى إلا أن حقوقيون متابعون للقضية أكدوا أن المحسن لم يطلق النار ولم يمتلك سلاحاً. كلامٌ أثبتته تقارير السلطات السعودية التي لم تتضمن أية أدلة تظهر إقدام الشهيد مسلم على القتل. براءة الشهيد أثبتها أيضاً عدة شهود عيان قالوا لمنظمات حقوق الإنسان إن مسلم يعرف بشخصيته المسالمة ولا توجد لديه سوابق عنف، ولم يسبق له حمل أو امتلاك أسلحة.

ورغم الاتهامات التي وجهتها السلطات السعودية للشهيد مسلم المحسن، يؤكد الناشط الحقوقي عادل السعيد في سلسلة تغريدات نشرها عبر حسابه في تويتر أن المتحدث الإعلامي لشرطة المنطقة الشرقية لم يتحدث عن مصير السلاح المزعوم الذي واجه به مسلم الفرقة القابضة أثناء الاعتقال. ويلفت إلى أن المتسوقين الذين كانوا في المركز كذبوا رواية المتحدث الإعلامي ونقل شاهد عيان للمنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان شهادته للحادثة. السعيد أوضح أنه أثناء وجود ‎مسلم المحسن في المستشفى من أجل العلاج جرى التحقيق معه، وكان المحقق يتعمد الضغط على مكان إصابته في فخذه الأيسر لإجباره على الاعتراف بالجريمة التي ليس له علاقة بها. استمر محققو المباحث بتعذيبه بعد أخذه للسجن من أجل إنتزاع اعترافات منه، وقضى أشهر طويلة في الانفرادي.

‏وفي ما يخص المحاكمات غير العادلة التي خضع لها الشهيد، يبين السعيد أنه في 12 نوفمبر 2019، أي بعد 4 سنوات من اعتقاله، بدأت محاكمة ‎مسلم المحسن. وعلى الرغم من أن السبب المعلن لاعتقاله كان تورطه المزعوم بقتل القرشي، إلا أن النيابة اتهمته بقيادة دراجة نارية، وأن مرافقه هو من قام بإطلاق النار. لم تقدم النيابة أية دليل مادي رصين على ذلك. كما وجهت النيابة العامة له تهم عديدة ليس لها علاقة بسبب اعتقاله المزعوم. من بينها تهم تتعلق بالمظاهرات، بالاضافة إلى اتهامه بمحاولة إسعاف المصور الفوتوغرافي حسين الفرج وعدم التبليغ عنه. قتلت القوات السعودية حسين الفرج اثناء تصويره أحد المداهمات في العوامية.

‏طالب ‎مسلم المحسن وفق الحقوقي السعيد في المحكمة باحضار أشرطة كاميرات مركز التسوق الذي كان يعمله فيه، لكي يتمكن من أثبات زيف رواية الفرقة القابضة، التي قالوا فيها أنه اطلق عليهم الرصاص، كما طالب باحضار تسجيلات التحقيق من أجل أثبات أن اقراراته منتزعة تحت وطأة التعذيب، لكن القضاة لم يستجيبوا له.

وخلص الناشط الحقوقي للقول، في جميع التهم لم تقدم النيابة العامة أي دليل مادي رصين على ادعاءاتها واكتفت بالاستناد لاقراراته المنتزعة تحت وطأة التعذيب، كما خلت جميعها من ارتكابه أي جريمة استخدام سلاح، ما عدا القصة المختلقة بمواجهة الفرقة القابضة، ومع ذلك اعدمت السعودية مسلم، ما يكشف تعطشها لسفك الدماء. وأيضاً لم توضح النيابة العامة من هم أفراد الخلية الارهابية المزعومة وما هي أدوار ‎#مسلم_المحسن بالتحديد فيها. هذا التهويل والكذب، المقصود منه تخويف الناشطين والأهالي من الدفاع عن المعتقلين وضحايا الاعدامات السياسية الجائرة. الرحمة والخلود للشهداء والخزي والعار للظالمين.

الجدير بالذكر أن مسلم المحسن تعرّض للتعذيب الوحشي بعد اعتقاله، وخاصّة في أثناء وجوده في المستشفى لعلاج فخذه الأيسر جراء الرصاص الذي تسبّب به أحد العناصر. آنذاك ينقل حقوقيون أن المحقق كان يتعمد الضغط على مكان إصابته بقصد إيذائه. بعد نقله من المستشفى أُحتجِز في الحبس الإنفرادي ومنع من التواصل مع العالم الخارج لأشهر وحُرِم من حقه في الاستعانة بمحام، في إنتهاك صارخ للقوانين المحلية والدولية. كما تعرض لصنوف عديدة من التعذيب الجسدي والنفسي.

وتتعمّد السلطات السعودية عدم التساهل مع المعتقلين الذين شاركوا في حراك القطيف 2011 أو أيّدوا الحراك حتى لا تعود التظاهرات إلى البلاد، ويطبّق النظام السعودي على النشطاء عقوبات قاسية كالإعدام أو السجن مدى الحياة، أو لعقودٍ من الزمن في ظل التعذيب الجسدي والنفسي المبرح لهم، فضلاً عن ظروف اعتقال غير إنسانية حيث يحرم السجين من حق الطبابة والتواصل مع الأهل والدفاع عن النفس، ليكن الإعدام خاتمة معاناةٍ طويلةٍ.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى