ــالنشرةمقالاتمقالات وأراء

سياسات الهوية في شبه الجزيرة العربية

مرآة الجزيرة – يارا بليبل  

إن التساؤل عن الذات والهوية ليس جديداً، فمنذ بدء المجتمعات الإنسانية في الانتظام وفق أنساق إجتماعية تنتمي لكيان سياسي قائم تحت مسمى “الدولة”، أثبتت مشكلة الانتماء والهوية نفسها كساحة للجدال الفكري

القابل للتطور باتجاه أكثر بروزاً في حال تغذيته سياسياً وطائفياً.

وفي الحديث عن العالم العربي، تتشعب تجارب الكيانات فيه وآليات الانتقال من حالة التجمعات القبلية إلى الاستعمار وتكوين أحلاف، وتجارب “التحرر”، وصولاً إلى نمذجة الكيانات الوليدة من جهة وتسهيل قيام أخرى ورفدها بالدعم العسكري والمادي ضمن إطار تحالفات طويلة المدى ربطاً بمصالح لا تنضب فيها.

وعند التطرق لمفهوم الهوية، لا بدّ من التأكيد على أن مقاربة الهوية على أساس الانتماء القومي المشترك لطالما شكلت عالماً متنازعاً عليه في منطقة الشرق الأوسط، وقد أثرت الهويات الطائفية على المسار المضطرب للسياسة الحديثة في المنطقة، مع انعكاسات مرئية ملموسة في المجالين المحلي والدولي.

إقترحت تيارات معينة من الدراسات أن الصراعات حول الهوية الطائفية تكمن إلى حد كبير في جوهر السياسة شرق الأوسطية. ويمكن تعريف الطائفية بشكل إجمالي بأنها العملية التي تسيّس من خلالها أنماط الهوية العرقية والدينية. وفي حين يغالي بعض العلماء في التأكيد على التأثير المستمر للانقسامات الإيديولوجية الدائمة في المنطقة وانعدام الاستقرار الاجتماعي والسياسي، يقلل آخرون من أهميتها تماماً. وهناك أولئك الذين يقولون أن القضايا الطائفية في المنطقة ليست المعضلات القديمة التي تم إدراكها على الغالب إنما هي ظاهرة حديثة، وأن الانتماء الطائفي لم يكن علامة خاصة لتحديد الهوية ولا سبباً لبدء صراع قبل قرن من الزمان.

وبينما تم الترويج منذ منتصف ثمانينات القرن العشرين لمفهوم المواطنة العالمية كنتاج للعولمة في بعدها الثقافي، يظهر أن هذه الطروحات لم تفلح في استيعاب أو تجاوز القيم المرتبطة بالدين والإثنية في عالمنا العربي  ولا حتى الغربي، بدليل صعود الأحزاب اليمينية في العديد من الدولة الأوروبية ورفعها لشعارات مناهضة للهجرة والداعيّة للحفاظ على القومية الخاصة منعا من فنائها، في ظل ما تعيشه دول القارة الأوروبية من اندماج اقتصادي وسياسي.

بالإضافة إلى خطابها المُعادي للدين الإسلامي فنذكر على سبيل المثال لا الحصر، حزب التجمع اليميني الوطني المتطرف في فرنسا بقيادة ماري لوبان والتي تشير استطلاعات الرأي أنها ستكون المنافس الرئيسي لإيمانويل ماكرون في انتخابات العام المقبل، كما أن مرحلة دونالد ترامب تمثل متغيّرا حقيقيا لواقع المسار الداخلي في الولايات المتحدة الأميركية.

إن الحديث عن الهوية في العالم العربي وتأثير الطائفية في بناء مفهومها مقرون، بطبيعة الحال، بمروحة من الأسباب المساهمة في تبني هذا الصراع مدخلا ثابتا في نقاش قضايا المنطقة وأزماتها.

تراث تاريخي يشوبه الشرخ الديني والسياسي

أسهم الاستعمار إلى حد كبير في زرع بذور الفتنة الطائفية، فمثلا قسّم الاستعمار الفرنسي سوريا تقسيما طائفيا (دمشق، حلب، الدروز، العلويون، لبنان الكبير)، وحاول الفرنسيون بسط حمايتهم ورعايتهم للمسيحيين، وغذوا التعصب والمخاوف الطائفية، ولم يختلف البريطانيون والإيطاليون والهولنديون عن الفرنسيين كثيرا في سياساتهم. حيث دعم الاستعمار الغربي أقليات معينة، وكرّس لديها المخاوف من الأغلبية المسلمة، مما دفع بعض زعماء وتيارات هذه الأقليات للاحتماء بالمستعمر، أو طلب ضمانات ومزايا خاصة بهم تضمن وضعهم الطائفي.

وبعيد نجاح الثورة الإسلامية في إيران، وسقوط الشاه الراعي الرسمي للمصالح الغربية في المنطقة، تعاملت الأنظمة العربية مع مخرجات الثورة بوصفها إستحقاقا داخليا خطيرا، وتبنت في إطار ذلك سياسة زيادة التعصب الطائفي تجاه إيران هروبا من استحقاقات الإصلاح الداخلي أو من مواجهة العدو الصهيوني وارتاحت الأنظمة الغربية لتأجيج المشاعر الطائفية بين المسلمين لإشغال الناس عن قضاياهم الكبرى في التغيير والإصلاح والنهضة وفي تحرير فلسطين.

إن هناك ما يقدر بأكثر من 2 مليون شيعي داخل دول مجلس التعاون الخليجي الست. حيث يفوق المواطنون الشيعة في البحرين إلى حد كبير عدد السنة، ويوجد في الكويت عدد كبير من الشيعة بما يقارب 25-30%، وتستأثر الشيعة الزيدية في اليمن بحوالى 25 %من التعداد السكاني. وتحوي ” السعودية” قرابة 15% منهم أيضا.

ارتبطت هذه النسب بالرغم من تفاوتها بتاريخ تصادمي، وذلك ربطاً بالممارسات والسياسات التمييزية والعنفية المعتمدة إزاء مطالبهم ووجودهم من الأساس. ففي الوقت الذي يحكم فيه آل خليفة في البحرين مسيطرين على كافة موارد “الدولة” ومسيّرين سياساتها مع ما تقتضيه المصالح الغربية صوناً لوجودهم، تقصى الأغلبية السكانية الشيعية البحرينية عن المواقع المؤسساتية الأقوى إضافة إلى القطاعات الحساسة من الإدارة التي يتبوأها إما أعضاء السلالة الحاكمة السنية أو سنة من الخلفيات الاجتماعية والعرقية الوطنية المختلفة. فتعيش الغالبية العظمى من الشعب البحريني الشيعي تحت حكم الأقلية وفي إطار من التضييق السياسي والوظيفي والتمثيلي كما هو الوجودي، حيث دأبت منذ العام 2011 على مواجهة التظاهرات السلمية في دوار اللؤلؤة بأقسى أنواع العنف والاعتقال والاعدام تحت مزاعم الإرهاب وتهديد الأمن القومي، وهي التهم الأبسط في حالة دول الخليج، لإلباس كل مظاهر الاحتجاج لبوساً طائفيا يحوّل الأنظار عنها ويحجب حقيقتها.   

وفي الحالة “السعودية”، كان هناك سعيّ دائم لتحقيق التماسك من خلال الإقصاء وترتيب الوضع بما يمنع إنفجار الوضع داخليا، باعتبار أن رزمة الحاكمين المرتبطين بالـ”مؤسس” لا تجمعهم الأيديولوجيا أو الفكرة وبالتالي ما يلزمهم يتمثل بالحرص على ضبط آليات النظام بشكل يسمح لهم بالحفاظ على الاستقرار، وذلك بالاستفادة من تجربتين للتأسيس.  حيث شهدت الدولة الثالثة حالة من تبني سياسة تدوير الزوايا بين رؤوس النظام وأسلوب التراضي الذي كان شائعا حينها، ما سمح  بحصر وتركيز صناعة القرار.

إن تمايز الفضاء الاجتماعي في شبه الجزيرة العربية بكل انعكاساته دفع المؤسس عبد العزيز إلى إتخاذ الرياض بمُسماها اليوم عاصمة لدولته، بمعنى أن الأخير وفي سعيه لضمان نجاح مخططه، ابتعد عن المدينة المنورة ومكة على الرغم مما يمثلانه من رمز للديانة الإسلامية، وذلك لاعتقاد ثابت لديه بأن قاطني الحرمين الشريفين لا يمكن أن يتبنوا فكره واحتضان حكمه، فلجأ إلى سياسة “وهبنة” الفضاء الاجتماعي من داخل حصنه في الدرعية.

في النظام “الملكي الخليجي” تستند هوية الدولة إلى قراءة محددة للمعتقدات الدينية السنية، وأدى ذلك إلى سياسة تمييز طائفي واسعة النطاق مدعومة من قبل الدولة. والعامل المدروس الرئيسي في شرح الأوضاع المختلفة في كل من البحرين و”السعودية” هو شروط تشكيل الدولة من القرن السابع عشر والثامن عشر فصاعداً. حيث تبنتا سياسات معاداة شيعية واسعة النطاق وصارخة، ولجأت لاعتماد الحروب وسفك الدماء وهدر الأرواح وشراء الذمم وغيرها من أساليب كسب الولاء جبراً وطوعاً.

التفاوت الاقتصادي

بالاستناد إلى نظرية الدولة الريعية التي تتسم بها دول شبه الجزيرة العربية، يتضح أن الممارسة تعكس رفض فكرة العقد الاجتماعي الريعي العالمي التي بموجبه يسعى حكام اقتصادات الريع لشراء الدعم السياسي العالمي من المواطنين باستخدام الفوائد الاقتصادية.

وبدلاً من توزيع الموارد على كامل المجتمع، يلاحظ سعي حكام “الخليج” إلى تعظيم الحصة الخاصة بمكافأة فئة محدودة من المواطنين الذين يدعمونهم لإبقائهم في السلطة بينما بقية السكان وبشكل غير متناسب مستبعدون من المنافع الريعية الخاصة بالمواطنة.

كما تساهم ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب الشيعة في زيادة الحنق الطائفي، في ظل غياب سياسات التشغيل العادلة.

المشروع الأميركي

لقد بنى بريجنسكي رؤياه في كتابه “أميركا والعصر التكنوتروني” العام 1970 حيث تحدث عن كيانات مصغّرة، بل شظايا دول. وكان كيسنجر الذي تناول الموضوع من زاوية جعل الجميع “أقليات”، حينئذ ستكون “إسرائيل” الأقلية المتميّزة بينهم تكنولوجياً ومعرفياً وتنموياً، لا سيما وهي محظيّة الغرب، وعند كل بئر نفط حسب كيسنجر علينا أن نخلق إمارة، وهو ما ذهب إليه برنارد لويس عندما تحدث عن 41 كياناً عربياً وكردياً ودرزياً وعلوياً وسنياً وشيعياً ومسيحياً ويهودياً في المنطقة العربية.

ولا بد من التذكير، بأن جو بايدن وفي توليه لمنصب نائب الرئيس الأميركي جورج ديبلو بوش إبان احتلال العراق في العام 2003، كان قد نشط باتجاه إقامة ثلاث كيانات شبه منفصلة، وحاول في العام 2007 أن يحصل على تأييد الكونغرس، كما عرض الأمر على عدد من أعضاء مجلس الأمن دائمي العضوية، بهدف كسب التأييد لمشروعه الذي تباركه “إسرائيل”.

ويأتي التحالف بقيادة “السعودية” في حربها ضد اليمن، منذ العام 2015، في سياق المشروع الأميركي لمنع سيطرة الحوثيين على الحكم، لما يمثلونه من شركاء للجمهورية الإسلامية في إيران في مواجهة السياسة الأميركية في المنطقة  القائمة على ضمان أمن “إسرائيل” ومواجهة أقطاب المقاومة أينما وجدت، أما الرياض فتراه من زاوية إضافية ترتبط بشكل أو بآخر بالحضور الحوثي على الحدود مع اليمن وسيناريوهات رفد المعارضة الداخلية بدعم عسكري.

جملة إذا هي الدوافع التي ساهمت في تأطير الهوية في شبه الجزيرة العربية وتصويرها على هيئة الهوية الطائفية، لكن الحقيقة تكمن في أن طائفية آل خليفة وآل سعود هي من أسست لهذا المشهد التمييزي والمذهبي والعنفي.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى