ــالنشرةتحليلات

عندما تلاقحت الوهابية والاخوانية انتجت “القاعدة” و”داعش”

الدور السعودي في صناعة الجماعات الإرهابية

مرآة الجزيرة ـ وديع العبسي

نهاية الشهر الماضي ظهر أحد أفراد الأسرة التي تحكم بلاد الحرمين الشريفين بحديث اقل ما يمكن وصفه به أنه عقيم ومحاولة للإثارة.

اذ قال سطام بن خالد آل سعود: “الإخوان المسلمين تنظيم يحمل أطماع حزبية يستخدم الدين من أجل تحقيق مطامعه لكن حتى نكون واقعيين أيضا فالشيعة الذين يحملون أفكار وتوجهات من إيران لا يقلوا خطراً عنهم وخير دليل وشاهد على حديثي ما تقوم به عصابات الحشد الشعبي في العراق والحوثي في اليمن وحزب الله في سوريا”، وتغريدات أخرى في نفس السياق عبر حسابه في تويتر.

ما يلفت الانتباه، أن سطام لم يتحسس ما يقول لجهة معرفة تلك الخلفيات التاريخية التي تُظهر تشابكا بين النظام السعودي بفكره الوهابي وبين الاخوان والجماعات التكفيرية، وانطلق متقمصا دور المحلل بحديث مكرور قد وقفت سابقا عنده الكثير من القراءات والدراسات وتوصلت إلى ما توصلت إليه من نتائج تدرأ اولا عن “النظام الخميني” حسب وصفه تلك الثقافة الإقصائية أو المشوهه لرموز في ثقافة الآخرين ومعتقداتهم، لكن سطام كمن يستنجد بأي فعل طارئ ولو من (شخص فرد) ليحمّله نظام بأكمله.

بعيدا عن أي تعصب أو تمثّل لدور المدافع عن هذا أو ذاك، من المفيد هنا تبيين عدد من الحقائق التي تظهر ان النظام السعودي كان أساس لكل المتغيرات الفكرية الطارئة التي خلقت كل هذا الشتات في الأمة العربية والاسلامية، وان فكره الوهابي هو من قاد التوجهات الى التشدد والتطرف في مسائل دينية عقائدية، ومن جهة أخرى خدَش في ثوابت المسلمين، وهذا الأمر قد قيل فيه الكثير سواء من قبل عرب أو حتى عجم.

وبعيدا عن الخوض في الخلفية التي نشأ عليها وبها محمد عبدالوهاب مؤسس الفكر الوهابي السعودي والذي تدعمه الوثائق البريطانية المعلنة.. ظل المعلوم حتى وقت قريب أن السعودية كانت الأصل والمنبع للإخوان كما هي الروح للمنظمات التي ظهرت بعد ذلك كحالة تطلبتها المرحلة لاستكمال دور تهميش الدين والتعامل مع المعتقدات كأمر ثانوي وبالتالي مسخ المجتمع العربي وطمس هويته الإسلامية.

لَعِب دور الضحية ليس بالجديد وانما بدأ منذ سنوات، ويبدو من الحصافة قراءتها لمن اراد الفهم واستيعاب ما حولنا.

قبيل الإشارة إلى شيء منها، مهم التوقف عند هذا الامتداد الذي مثله اليوم سطام بتغريداته، ففي نهاية العام الماضي بلغ الهجوم السعودي على الاخوان ذروته عندما عمد إلى تصنيف هذه الحركة كإرهابين وهي المولودة في حضن النظام السعودي.

حيث اصدرت هيئة كبار العلماء، بيان صنفت فيه جماعة الإخوان المسلمين “منظمة إرهابية” لا تمثل نهج الإسلام” واضافت أن “الجماعة تتبع أهدافها الحزبية المخالفة لتعاليم الدين”.

وقبلها حذرت هيئات دينية في المملكة عام 2017 ، مما سمته “منهج الجماعة القائم على الخروج على الدولة”. فيما الجديد في بيان كبار العلماء الأخير هو أنه أشار بشكل صريح إلى الجماعة باعتبارها “إرهابية، لا تمثل الإسلام”.

مع ذلك ظهر مغردون بأقوال لعلماء سعوديين بارزين في المجتمع السعودي أشادوا فيما مضى بجماعة الإخوان، مثل عبد العزيز بن باز، وبن جبرين.

وقد لقي البيان حينها استهجانا سياسيا واسعا، ليس حبا في الاخوان وانما انتقادا لتقلب المواقف والتوجهات لدى النظام الذي ارتبط بشكل قوي بجماعة الاخوان في السبعينات.

مراقبون ومحللون وصفوا بيان الهيئة بأنه “فتوى سياسية تتماشى مع التغيرات الإقليمية والدولية خاصة بعد فوز جو بايدن في سباق الانتخابات الأمريكية”.

بل إن البعض رأى فيها توجها يتسق مع خطوات التقارب مع الكيان الصهيوني خصوصا حساب إسرائيل بالعربية، التابع لوزارة الخارجية الإسرائيلية، شارك بيان هيئة كبار العلماء.

وكتب على الحساب: “يسعدنا نحن في إسرائيل، أن نرى هذا المنهج المناهض لاستغلال الدين للتحريض والفتنة”.

يقول الكاتب والمحاضر في جامعة الإسراء – فلسطين وليد القططي بيان “هيئة كبار العلماء” في السعودية الذي جرّم الإخوان المسلمين، والذي صدر بصورة فتوى دينية تُحذِّر من الجماعة وتدعو إلى عدم الانتماء إليها أو التعاطف معها، باعتبارها “جماعة إرهابية منحرفة عن منهج الإسلام”، وتتهمها بـ”إثارة الفتن وزعزعة التعايش في الوطن الواحد”، وبأنها “تصف المجتمعات الإسلامية بالجاهلية، وتخرج جماعات إرهابية متطرفة”، هذا البيان أو الفتوى يأتي في سياق الصراع على تمثيل الإسلام، وبعد عجز النظام السعودي على مدار سنوات طويلة عن استيعاب الإخوان المسلمين تحت عباءته، أو توظيفهم لخدمته، أو إذابتهم عبر اختراقهم. وهي اتهامات تنسجم والمثل القائل: “رمتني بدائها وانسلّت”، فكل ما ورد في هذه الفتوى هم أهلها وصاحبتها، وهم أصحاب أكبر تراث تكفيري في تاريخ الإسلام بعد الخوارج، وهم الذين أقاموا دولتهم على تكفير المجتمعات الإسلامية التي لا تعتنق مذهبهم، ثم غزوهم، فقتلوا رجالهم، ونهبوا ثرواتهم، وسبوا نساءهم.

كلنا إخوان

في الخلفية التاريخية، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين “حسن البنا” يطلب من عبدالعزيز آل سعود إنشاء فرعٍ لجماعة الإخوان المسلمين في السعودية، ليرد عليه مؤسس النظام السعودي حينها “كلنا إخوان “، كان ذلك عام 1936م.

وحين تمّ حلّ الجماعة عام 1948، تلقى البنا دعوة للانتقال إلى السعودية ثم تواصلت العلاقة بين السعودية و”الإخوان المسلمين” بعد اغتيل حسن البنا في شباط/فبراير من العام 1949، وسمحت لهم بعقد اجتماعاتهم خلال موسم الحج من أجل اختيار المرشد الأعلى الجديد.

ثم في فترة فيصل بن عبدالعزيز كانت علاقة السعودية بالخطوات واضحة وقوية دخلت حتى في العملية التعليمية، لتأتي مرحلة “عبد الله بن عبد العزيز” التي مثلت بداية الانقلاب في العلاقات السعودية الإخوانية، خاصة في عام 2011 بعد ثورات الربيع العربي.

ثم تصدّر بن سلمان حملة الهجوم على جماعة الاخوان التي اعتبرته “محاولة خائبةٍ لمنحه تذكرة برعاية صهيوأمريكية لتولّيه العرش، لا عن جدارةٍ مُستحقةٍ بل بتنازلاتٍ مُهينةٍ”، حسب قولها في بيان.

عملت السعودية “وبالشراكة مع باكستان والولايات المتحدة لتأسيس وإنشاء ما تسمى ظاهرة الأفغان العرب، واستغلت تحالفها الوطيد مع الإخوان للاستفادة من خبراتهم وكوادرهم في التعبئة القوية وإدارة البنى التنظيمية للتجنيد وجمع التبرعات لتحقيق هذا الهدف”.

الوهابية القاعدة داعش

يقول الكاتب والباحث السوري ابراهيم شير “عندما اسس البنا حركته او جماعته اطلق عليها الاخوان المسلمون تيمناً بالحركة الوهابية القديمة.”، وهي الحركة التي أسسها مؤسس النظام السعودي عبدالعزيز بن سعود عام 1911م من قبائل نجد للقتال معه وأطلق عليها “اخوان من اطلعوا الله” أو “اخوان نجد”. حسب الباحث شير الذي يذهب إلى أن “الاخوان قد خرجوا من رحم الوهابية الحنبلية بشكل كامل.”

فيما يرى الكاتب والمحاضر في جامعة الإسراء – فلسطين وليد القططي أن مرحلتا الخمسينيات والستينيات شهدت حملات بطش دموية ضد الجماعة، أسفرت عن آلاف المعتقلين والضحايا وآلاف الهاربين من قمع النظام، الذين سافر معظمهم إلى السعودية. وحين شهدت سوريا ظروفاً مُشابهة في السبعينيات والثمانينيات، هاجر

الكثير من قيادات الاخوان وكوادرهم من سوريا إلى السعودية، وهكذا فتحت المملكة أبوابها للإخوان المسلمين من البلدين وغيرهما ليندمجوا في مجالات العمل، لا سيما التعليم المدرسي والجماعي، وتحالف التياران – الوهابي والإخواني – ضد عدو مشترك هو القومية العربية ممثلة بالناصرية في مصر والبعثية في سوريا.

ويقول وليد القططي: تيارا “القاعدة” و”الصحوة” هما نتاج مشترك بين التيارين الإسلاميين الوهابي والإخواني، فتيار “القاعدة” أو السلفية الجهادية وُلد بعدما تلاقحت العقيدة السلفية الوهابية، ممثلةً بأسامة بن لادن، بالفكر الإخواني الحركي والسياسي بصورته المتطرفة القطبية، المستلخص من كتاب “معالم في الطريق” للمفكر الإسلامي سيد قطب، ممثلاً بأيمن الظواهري، فكان نتاج هذا التزاوج نشأة تنظيم “القاعدة” الذي فرّخ العديد من التنظيمات، مثل “داعش” و”النصرة” وغيرهما.

ويرى الكاتب القططي أن “القاعدة” و”داعش” وأخواتهما هم ممن اعتنق مذهبهم الوهاب وسار على دربهم.

“السلفية الجهادية” التي يشير اليها القططي، يذهب البروفيسور برنارد هيكل مدير معهد دراسات الشرق الأوسط المعاصر وشمال أفريقيا، في جامعة برينستون، الى ان جذور “تنظيم الدولة” تأتي من السلفية الجهادية، ويقول: “ويكون اتباع هذا المذهب متشددون جدا ويدينون المسلمين الآخرين الذين لا يشاركونهم الرأي. وهذا هو سبب قسوتهم في اعمال العنف، لأنهم يستطيعون تبرير هذه القسوة دينيا.”

الاخطر في طرح برنارد هيكل ان “الدولة السعودية الأولى، التي تأسست على هذه العقيدة الوهابية، بدت تؤكد رسالته بسبب النجاح السياسي والعسكري، الذي حققته خلال القرنين 18 و19، وسيطرتها عبره على معظم شبه الجزيرة العربية”.

يضيف هيكل “وبمجرد سقوط أي مدينة في قبضة الدولة السعودية كان محمد بن عبدالوهاب يعين فيها خطباء، يعلمون الناس منهجه في العقيدة. وكتب بن عبدالوهاب عددا من الكتب القصيرة التي اصبحت اساسا لتعليم مذهبه – وهي الكتب ذاتها التي تستخدمها داعش اليوم.”

ويردف بالقول “لكن تنظيم الدولة يرى أن الدولة السعودية انحرفت عن المعتقدات الصحيحة لمحمد بن عبدالوهاب، وأنهم هم الممثلون الحقيقيون للدعوة السلفية أو الوهابية”.

اما مضاوي الرشيد في السعودية، وتعمل أستاذا زائرا في معهد الشرق الأوسط، بكلية لندن للاقتصاد فتقول “مما لا شك فيه أن الوهابية نسخة متشددة وغير متسامحة من الإسلام. فهي تقليد ديني محلي انتشر (او نشر) على نطاق العالم ولما ينضج بعد. ونرى الآن أنها يمكن أن تكون أسلوبا ثوريا، يلهم شخصا ما لارتكاب أعمال وحشية باسم الإسلام”.

وتستشهد مضاوي الرشيد بانه “حينما غزا الاتحاد السوفيتي السابق أفغانستان، استغلت السعودية الفكر الوهابي لدفع الشباب للذهاب إلى أفغانستان، والجهاد ضد الكفار الروس”.

نخلص الى الباحث اللبناني علي ابراهيم مطر الذي يقول “أفكار “جماعات الإرهاب والتكفير” ليست جديدة، إنما هي ذاتها وليدة أفكار الوهابية التي تحكم السعودية. لا فرق بين الفريقين إلا بالاسم فقط، فالعقيدة واحدة والأفكار متطابقة؛ التكفير لمن ليس معهم وقتل من يخالف عقائدهم والوصول إلى السلطة.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى