ــالنشرةدراسات وبحوث

العلاقات الأميركية السعودية بعد الحادي عشر من أيلول -5

مرآة الجزيرة – يارا بليبل 

في ظلً طروف “اللا ثقة” في العلاقة بين واشنطن والرياض، دخلت الولايات المتحدة الأميركية سباقا رئاسيا محموماً، انتهى بوصول المرشح عن الحزب الجمهوري دونالد ترامب.

كما شهدت” المملكة” تحولات متسارعة في بيئتها الاستراتيجية وداخلها بعد أن انتقلت من حالة الصمت وإدارة السياسة من وراء الستار، وما يستتبعه من تعقيد حدا ببعض المحللين الحديث عن “تهديد جدّي لمستقبل المملكة ونظامها” إذا ما أخطأت التقدير والقراءة.

أولاً: عقيدة إدارة ترامب

  • رؤيته وخطابه للشرق الأوسط ودول الخليج

تؤشر الوثيقة التي أعدّتها إدارة ترامب، بحسب الكاتب بلال اللقيس، إلى مزيد من الانخراط بـ”واقعية”، وترى أن “إبتعاد أميركا عن الشرق الأوسط أفقدها القدرة على تشكيل الأحداث الإقليمية”.

  • سلوك الإدارة السياسي 

يفنّد الكاتب سلسلة من الأحداث بوصفها مؤشرات دالة على السلوك السياسي المتبع من قبل الرئيس الأميركي خلال فترة حكمه بالتالي:

  1. زيارة ترامب الخارجية الأولى إلى “للسعودية” وما تمثله من رسالة واضحة المعاني،حيث ألقى خطبته بالزعماء حاملا فيها رسالة قوية أن “الولايات المتحدة والعالم المتحضر بأسره يتوقعان من حلفائنا المسلمين اتخاذ موقف قوي ضد الإيديولوجية الإسلامية المتطرفة، أي الإيديولوجية التي تستخدم تفسير الدين المنحرف لتبرير الجرائم ضد الإنسانية جمعاء”، بحسب قوله. ودعا القادة المسلمين إلى تعزيز الرؤية السلمية للإسلام، واختتم نشاطه بمشاركة الرئيس المصري السيسي و”الملك” سلمان بافتتاح مركز “اعتدال” للتصدي للفكر المنحرف.
  2. أعلن انسحابه من الاتفاق النووي مع إيران معتبراً إياه أسوء اتفاق قامت به الولايات المتحدة، وأنه سيعمل لتحسين شروط هذا الاتفاق ويمنع استمرار تنامي نفوذ إيران، وأعقب ذلك بأن قامت إدارته بطرح وثيقة عرفت بنقاط بومبيو الإثنتي عشرة في مواجهة إيران.
  3. أكد على أهمية العلاقات مع الرؤساء العرب الحاليين.
  4. قدّم وزير الخارجية الأسبق ريكس تيليرسون في إفادة أمام الكونغرس خطة أتفق عليها مع القادة في “السعودية” يصار بموجبها إلى مواكبة ما تم الاتفاق عليه من تنسيق لتجفيف التطرف. 
  5. أعلن نقل السفارة الأميركية إلى القدس في مخالفة لإجماع الرؤساء الأميركيين في سياساتهم الخارجية الأميركية حيال القضية الفلسطينية.
  6. أرسل إشارات “مشجعة” للسعودية بدعم تحركها لاجتياح قطر من خلال تكراره اتهام الأخيرة بدعم الإرهاب والتذكير بتاريخها الكبير في دعمه كما قال، وهو ما اعتبر  إذنا أميركيا خاصا للقيام بهذه الخطوة.
  7. عمل لصياغة حلف يضمّ دول الخليج بالتعاون مع “إسرائيل” وبحضور الولايات المتحدة للتصدّي لإيران “العدو المشترك”.
  • خطاب إدارة ترامب 

يشير الباحث والكاتب السياسي في كتابه إلى أن خطاب ساكن البيت الأبيض حمل شيئاً من الازدراء للدين الإسلامي منذ ترشحه للسباق الرئاسي حيث عدّ المشكلة في الإسلام ذاته، وتعامل مع أغلب الدول العربية والإسلامية بسخرية وازدراء، وكان موقف رموز إدارته أكثر وضوحا حين شنّ بعضهم حملات على الإسلام ووسمه بالإرهاب بمن فيهم مايكل فلين وكبير الاستراتيجيين في البيت الأبيض وكبار مستشاريه ستيف بانون، فضلا عن الكثيرين في الحركة التي يقودها ترامب.

وأعتبر اللقيس بأن ترامب أرسل من خلال قراره التنفيذي بمنع دخول رعايا سبع دول إسلامية رسالة بالغة القسوة على صعيد العقلية الرافضة للآخر فضلا عن ازدرائه أمة إسلامية ممتدة. 

مذكراً بأن خطابه السياسي خلال حملته الانتخابية طاول “المملكة” والدول العربية في الخليج بالإساءة. فاعتبر أن آل سعود بقرة حلوب لبلاده، “إن دول الخليج لا تملك أي شيء لكنها تملك المال”، وذكّر الأميركيين وأنصاره أن لا ينسوا أن” دول الخليج بدوننا ليس لها وجود”، وتوجه إلى النظام السعودي بالقول:” لا تعتقدوا أن مجموعات الوهابية التي خلقتموها في بلدان العالم وطلبتم منها نشر الظالم والوحشية وذبح الإنسان وتدمير الحياة ستقف إلى جانبكم وتحميكم، فهؤلاء لا مكان لهم إلا في حضنكم وتحت ظلكم لهذا سيأتون إليكم من كل مكان وسينقلبون عليكم ويومها يقومون بأكلكم”. 

إستمر ترامب بإساءاته “للمملكة” السعودية حتى قبيل الانتخابات النصفية للكونغرس عام 2018، ونفس مفردات الخطاب أو قريب منها اعتمدها في تعاطيه مع دول في أميركا اللاتينية وبالأخص المكسيك وفنزويلا حين توجه إليهم برفض المهاجرين وربط بينهم وبين المخدرات والجريمة في أميركا وطالب بتغيير قوانين الجنسية لهم، وأساء لهم بمطالبته حكومة المكسيك بناء جدار فاصل من حسابها.

يبرهن سلوك الإدارة، بحسب الكاتب، وخطابها فضلاً عن فريقها أنها تقدم أمن ومصلحة أميركا المباشرة على القيم والشعارات في رؤيتها للعالم والمنطقة. مضيفاً بأن قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان لا تحتل موقعا فعليا ضمن أولويات السياسة الخارجية في ظل هذه الإدارة. يفضل ترامب أن تكون أميركا الأولى بين مجموع الدول لا التكتلات. لذلك يرغب بتفكيك التكتلات انطلاقا من الاتحاد الأوروبي، فظهر صريحا في دعمه للبريكسيت والخطاب النيو- قومي الصاعد في أوروبا، بحسب اللقيس. 

يلفت اللقيس في مؤلفه إلى سعي ترامب لاعتماد مبدأ تجنب التصعيد مع روسيا الاتحادية محاولا المساومة معها في سوريا وغيرها، مستدلاً بما تم ملاحظته كنوع من التراجع في خطابه ضد اتحاد الدول الغربية والناتو عمّا رصد في المرحلة الأولى من انتخابه.

بعتقد اللقيس بأن مرحلة حكم دونالد ترامب غلب فيها التهديد والتهويل على خوض الحروب المباشرة، مستشهدا بحالة كل من كوريا الشمالية والمكسيك وايران، دون أن يتغافل عن الإشارة إلى قبول الإدارة الاميركية بتأدية دور أمني عسكري محدود مقابل المال، الأمر الذي يعد منسجما مع طبيعة الإمبراطورية الأميركية كهوية عامة تلتزم حمايات الدول مقابل المال والاقتصاد، وفقا للقيس. 

على ضوء ما تقدم من مناقشات وتحليلات، يقدم اللقيس تحليلا يفيد بـ”أن سياسة ترامب الخارجية تقوم على ركائز أو اتجاهات ثلاثة: الأخذ بتوجهات كيسنجر “إيران أولا ” لتكريس أمن “إسرائيل”، والاقتراب من روسيا لإبعادها عن الصين، ومواجهة الصين”. 

ثانياً: إدراكات المملكة والأسرة الحاكمة لذاتها ولعلاقتها بالولايات المتحدة 

يوضح الكاتب في مؤلفه بأن الإدراك السعودي الداخلي بني على مروحة من التحديات والمؤشرات، في المجال الاقتصادي شكل انخفاض سعر برميل النفط أبرزها، ارتبط في بعض أسبابه بسياسة “المملكة”، حيث هدفت الرياض إلى إنهاك إيران وروسيا بتخفيض سعر برميل النفط وهي كانت بأمس الحاجة لسياسات دعم للمواطنين للحؤول دون تأثرهم بالربيع العربي  وشراء صمتهم، كما برزت إرهاصات شقاق بينها وبين جارتها قطر على خلفية التعاطي مع الثورات العربية. ولا يمكن إغفال محاولة الانقلاب العسكري في تركيا في 15 يوليو 2016 التي كشفت معطياتها أن “المملكة” لم تكن معارضة لها بينما ذهبت بعض التحليلات والآراء لحد اتهامها هي والإمارات بدور في ذلك. 

على الرغم من أهمية وخطورة التحديات الواردة أعلاه، لكن يبدو أن التحدي المرتبط بمسار التوريث للسلطة هو التحدي الأكثر أهمية  وخطورة وإلحاحا وهو تحد مختلف كونه يشكل سابقة  في تاريخ “المملكة”، بحسب اللقيس.

  • سلوك “المملكة السعودية” منذ وصول الرئيس ترامب، ودلالاته

داخلياً: يوجز الكاتب في هذا المجال باستعراض أهم المحطات الداخلية حيث قامت الرياض بعدة تدابير على صعيد النظام الداخلي وآلية التوريث وصيغة الحكم وصلاحيات بعض أجهزة الدولة وتنحية أفراد وإطاحات بالجملة لأمراء نافذين كان أبرزهم ولي العهد محمد بن نايف. أعقبها خطوات داخلية غير مسبوقة لدولة تقليدية كـ”المملكة” تعمل خلف الأضواء وبصمت، من قبيل احتجاز أمراء نافذين بدعوى الإصلاح ومكافحة الفساد. كما شهدت “المملكة” مبادرات توحي بتحولات اجتماعية وقيمية تقترب فيها الرياض من اعتماد النموذج الإماراتي بمبرر الإنفتاح والإعتدال، من قبيل إنشاء لجان الترفيه وتحجيم هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثم المبادرة إلى وضع رؤية “تحديثية” حملت في مضمونها بذور تحولات قيمية عرفت برؤية الـ2030.

خارجياً: في هذا الإطار، يعتبر الكاتب والباحث السياسي بأن التصعيد العسكري كان سيّد الموقف في أداء “السعودية” الخارجي، حيث عمدت في عامين تقريبا 2016-2017 إلى إعلان تدخلها العسكري في البحرين تحت ظل درع الجزيرة، ثم الحرب على اليمن من خلال تحالف أطلقت عليه عاصفة الحزم، ثم محاصرة قطر في سياق مواجهتها لمشروع الإخوان، كما ورفع مستوى التصعيد مع إيران، وفي كل هذه الأحداث المفصلية كانت مصرة  وتُعلن جاهزيتها لدور عسكري مباشر فضلا عن الدعم العسكري لتلعب دورا في سوريا لإسقاط النظام ودعم المعارضة المسلحة على الرغم من حالة الفشل والإخفاق التي أصابت حلفاءها من المعارضة السورية المسلحة. 

أما على صعيد القضية الفلسطينية، فكانت بدايات اتصال غير رسمي بين شخصيات رئيسة في “السعودية” وشخصيات “إسرائيلية” وإجراءات توحي بمقدمات للتطبيع.

يضيف اللقيس بأن “المملكة وفق هذا الإدراك بحاجة ماسة لتأكيد محورية موقعها في وعي النظام الدولي والغرب وتقديم ما هو أشبه بالاعتماد للدول الكبرى وبالذات لأميركا بقدرتها ولياقتها للعب دور محوري في المنطقة وأنّها هي بوابة العرب والمسلمين وليس أحدا آخر”. إذا، تريد القيادة الجديدة تقديم “المملكة” دولة “مبادرة، حاسمة وذات فاعلية عالية وقدرة على الإنجاز” في لحظة غليان وتقلّب إقليمي وانتزاع أدوار. 

وفي جانب آخر من لحظة إثبات الذات والقدرة على القيادة، عزّز ولي العهد حضوره بأن استهلّ تجربته بجملة إجراءات غير مسبوقة حاكى فيها تطلعات جيل الشباب الذي يشكل أكثر من 60 %من سكان “المملكة” وضرورة القيام بثورة إصالحية على الصعيد الاقتصادي والثقافي عبّر عنها بخطة 2030 وأكّد على الانفتاح ودعا إلى التخلص من أعباء الوهابية والتطرف.

  • العلاقة مع إدارة ترامب 

يبرز الكاتب أحد أهم المحطات التي طبعت العلاقة بين البلدين بالقول “حمل اختيار الرياض كمحطة أولى في زيارات ترامب الخارجية أمرا ذا دلالات، إنه اعتراف أميركي بمكانة المملكة على المستوى الإقليمي”، مذكرا بأن شركة ماكينزي الأميركية كلفت بالدراسات وبتقديم الاستشارة والإشراف على المشروع “النهضوي، الإستقلالي” لرؤية 2030. 

ويذكر اللقيس باستمرار التسويق لمحمد بن سلمان أنه الرجل المنقذ، وأعلنت الإدارة الأميركية انسحابها المنفرد من الاتفاق النووي ومنحت ولي العهد صكا مفتوحا ودعما لا محدودا في حربه على اليمن على الرغم من الضغوط الدولية التي كانت تمارس على الإدارة لوقف مدّ السعودية بالسلاح في حربها على اليمن، وتواترت المؤشرات عن علاقة خاصة أو علاقة عائلية تجمع بين ولي العهد وصهر الرئيس الأميركي كوشنير في مشهد يشبه إلى حد بعيد العلاقة الخاصة التي كانت للأمير بندر بن سلطان بعائلة جورج بوش.

ويلفت اللقيس بأن التعهد الأميركي الذي أطلقه ترامب بالوقوف بجانب دول الخليج ضد “تهديدات إيران”  يعتبر من المكاسب الكبرى التي حققتها السعودية وبلدان الخليج العربي منذ زيارة ترامب التاريخية.

وفي سياق منفصل، وعند الحديث عن الإرهاب يورد اللقيس في كتابه بأنه على الرغم من التناقض الذي ظهر في خطاب ترامب حول كيفية مواجهة الإرهاب الذي تشكله القاعدة وداعش،إلا أنه كان واضحا لناحية أولوية هزيمة داعش داخليا. 

من جهته يعلّق اللقيس بأنه “واقعا لم يمانع ترامب من دور روسي فاعل على هذا الصعيد وكذلك لم يكن يرى أولوية مواجهة الرئيس الأسد على محاربة داعش كما كان يطمح خصوم الرئيس الأسد في  الخليج. وكان واضحا لجهة عدم حماسته لتحقيق انتصار على داعش من خلال التدخل المباشر والمخاطرة بالجنود الأميركيين. لكن مع ذلك بقيت مسألة مواجهة الإرهاب الداعشي مسألة حيوية للطرفين السعودي والأميركي لما تشكله من تهديد كبير لا سيّما بالنسبة للمملكة الذي لم يخف داعش هدفه في تحريرها من آل سعود بعد إنجاز هدفه في بلاد الشام”.

مضيفا بالقول “إن وقائع الميدان بحسب ما أكّدت وزارة الدفاع لكلّ من الدول المعنية مباشرة في القضية وفي مقدمهم روسيا الاتحادية ودول محور المقاومة وبما قدموه من وثائق وصور كشفت كيف كان يتم التنسيق الأميركي ميدانيا مع داعش في ساحات معينة. ما يجعل الشكوك تحوم حول جدية موقف إدارة ترامب من محاربة الإرهاب التكفيري والقضاء عليه”. 

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى