ــالنشرةتحليلات

طهران والرياض..عودٌ على بدء!

مرآة الجزيرة

شكلت لغة عدم الاستعداء إحدى ثوابت الدبلوماسية الإيرانية في مقارباتها لملفات المنطقة، حيث لم يتخلّف الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي عن تكرار مواقف أسلافه، خلال أوّل مؤتمر صحافي عقده بالقول أنً حكومته ستولي دول الجوار الأولوية في توطيد العلاقات، مضيفاً أنَّ “إيران لا تمانع عودة العلاقات الدبلوماسية مع السعودية.”

ينظر إلى العام 2016، بوصفه تاريخاً مفصلياًّ في سُلّم العلاقات غير المتوازن بين البلدين، حيث عبّرت الأزمة عن أحد أشكالها عبر قطع الرياض لعلاقاتها الدبلوماسية مع طهران، وطرد البعثة الدبلوماسية الإيرانية من أراضيها، أتى ذلك عقب هجوم متظاهرين على السفارة السعودية في طهران إثر إعدام الشهيد الفقيه الشيخ نمر باقر النمر.

وبطبيعة الحال، لم يكن إجراء الرياض بعيداً عن توصل إيران ومجموعة”5+1″ إلى التوقيع على الاتفاق النووي في العام 2015، حيث عُدّ ما ورد كخطوة ضمن سياق حرب طويلة قررت الرياض خوض غمارها لمواجهة إيران.

في التاسع من نيسان الماضي، سجلت العاصمة العراقية بغداد رعايتها لأول جولة من المحادثات “السعودية” الإيرانية، وذلك بحسب ما نشرته صحيفة “فايننشال تايمز” (Financial Times) البريطانية، في 18/4/2021، بأن مسؤولين رفيعي المستوى من السعودية وإيران أجروا محادثات مباشرة في محاولة لإصلاح العلاقات بعد4 سنوات من قطع الروابط الدبلوماسية.

كما نقلت “نيويورك تايمز” (The New York Times) عن مسؤولين عراقيين وإيرانيين، قولهم إن رئيس المخابرات السعودية بدأ محادثات سرية مع مسؤول أمني إيراني رفيع المستوى في بغداد. وأفادت الصحيفة الأميركية أن المحادثات جاءت لمناقشة عدة قضايا موضوع خلاف، بما في ذلك الحرب في اليمن والمليشيات المدعومة من إيران في العراق.

وأوضحت الصحيفة نقلا عن مستشار في الحكومة الإيرانية، أن المحادثات التي جرت في 9 نيسان الماضي، جمعت خالد بن علي الحميدان، رئيس المخابرات السعودية، وسعيد إرافاني، نائب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني.

وفي وقت لاحق، قالت نيويورك تايمز إن الحكومة السعودية أصدرت تعقيبا على التقرير، الذي نشرته بشأن مباحثات سرية سعودية إيرانية. وردا على طلب التعليق، قالت الحكومة السعودية في بيان للصحيفة، إنها “ستغتنم أي فرصة لتعزيز السلام والاستقرار في المنطقة، شريطة أن تظهر إيران حسن النية، وتوقف أنشطتها الخبيثة”، وفق البيان الذي لم يؤكد أو ينفي انعقاد المحادثات التي أوردتها الصحيفة.

وفي 10 أيار الماضي، صدر أول تأكيد رسمي من طهران لانعقاد تلك المحادثات، حيث قالت الخارجية الإيرانية، إن محادثات بين الجمهورية الإسلامية و”المملكة العربية السعودية” أجريت بالفعل أخيرا في بغداد. ونقلت وكالة “تسنيم” الإيرانية عن سعيد خطيب زاده المتحدث باسم الوزارة القول إن “الغرض من المحادثات الإيرانية السعودية كان مناقشة العلاقات الثنائية والإقليمية”. إلا أنها رابطا نجاح تلك المحادثات وتقدمها بتغيير الرياض سياساتها ولهجتها تجاه طهران.

وفي سياق متصل، أعرب مساعد وزير الخارجية الإيراني لشؤون المنطقة علي رضا عنايتي إن طهران ليس لديها أي تحفظات حيال عودة العلاقات الدبلوماسية.  مضيفا في لقاء مع صحيفة إعتماد الإيرانية أن بلاده مستعدة لفتح سفارتها في الرياض إذا قررت السعودية فتح سفارتها في طهران وتعيين ممثل أو سفير لها. لافتاُ خلال حديثه إلى أن السعودية غيّرت بعض مواقفها الإقليمية أخيرا خصوصا ما يتعلق بالحوار في الأزمة اليمنية.

وبعيد تشكيل حكومة “إبراهيم رئيسي” ونيلها الثقة، التقى وزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان، نظرائه من ممثلي السعودية والكويت ومصر والأردن وقطر والاتحاد الأوروبي، حسبما أفادت وكالة الأنباء الرسمية (إرنا).

وعُقد اللقاء حول العراق مع ممثلي الدول المشاركة في مؤتمر بغداد الأخير، في مقر البعثة العراقية في نيويورك على هامش أعمال الدورة 76 للجمعية العامة للأمم المتحدة. واعتبر عبد اللهيان مؤتمر بغداد خطوة مهمة لدعم السلام والتنمية في المنطقة، لافتا أن أولوية الحكومة الإيرانية الجديدة هي تعزيز وتنمية العلاقات مع دول الجوار والمنطقة.

عن “السعودية” التي خسرت كل أوراقها

في المبدأ، لقد أفرزت الانتخابات الرئاسية في إيران، حزيران الماضي، وصول المرشح عن الحزب المحافظ إلى سدّة الرئاسة الإيرانية، الأمر الذي لا يعدّ مؤشرا بذاته على تحول العلاقات، ولم يخطأ وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان بقوله” أن السياسة الخارجية يقررها المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي”، رداً على سؤال حول تأثير نتيجة الانتخابات الرئاسية الإيرانية المرتقبة على السياسة الإقليمية لطهران. حيث أن شرارة المحادثات بدأت نتيجة لسلسلة من الصفعات التي تلقتها الرياض والتي نتج عنها سعوديا محاولة لإعادة النظر.

وفي أول اجتماع من نوعه بين الجانبين، منذ أن تسلم الرئيس الإيراني ​إبراهيم رئيسي​، مقاليد الأمور في ​طهران​، في آب الماضي. أجرى ممثلون من ​السعودية​ و​إيران​ جولةً جديدة من المحادثات في العاصمة ​العراقية ​بغداد​، بحسب ما ذكر مسؤولان عراقيان، لوكالة “أسوشيتد برس”. ونقلت الوكالة الأميركية أن الاجتماع، ناقش “القضايا العالقة بين البلدين، وفق خارطة طريق متفق عليها مسبقاً، بما في ذلك التمثيل الدبلوماسي بين البلدين”، مضيفة بأن اللقاء لم يكن على مستوى وزاري.  

تواجه الرياض اليوم مروحة من الأزمات، إنطلاقا من حربها على اليمن بكل ما حملته لها من خسائر على المستويين المادي والسياسي، مرورا بتضاعف المخاطر الاقتصادية وتبيان فشل رؤية محمد بن سلمان، إلى أزمة الأخير الشخصية مع الرئيس الأميركي جو بايدن الذي لا يريد ضمان وصول بن سلمان إلى سدة الحكم، وصولاً إلى الانسحاب الأميركي من أفغانستان والعراق وما سيخلفه من فراغ على الساحة الإقليمية، دون التغافل عن المؤشرات التي تَرشح من فيينا بشأن احتمالية الوصول إلى اتفاق نووي جديد مع طهران.

  إيران …اليمن أولاً

على الضفة الإيرانية، يتضح أن أولويات طهران تكمن في الملف اليمني، وآليات إيقاف الحرب وفكّ الحصار المفروض ووقف العمليات العدائية والضربات الجويّة. ولا تعتبر نفسها مسؤولة عن تقديم أي ضمانات للرياض في المفاوضات الجارية في فيينا، كما أنها لا تبدي أي تعاوناً في مجال برنامجها الصاروخي، الأمر الذي لا يتطابق مع مطالب “السعودية” التي دعت عبر وزارة خارجيتها، في 14 نيسان الماضي، إلى إبرام اتفاق نووي بمعايير أقوى وقالت إنه لابد من انضمام دول الخليج العربية إلى أي مفاوضات بشأن الاتفاق لضمان تناوله هذه المرة لبرنامج الصواريخ الإيراني ودعم طهران لوكلائها الإقليميين.

في سياق متصل، من الجدير الإشارة إلى حضور عدد كبير من قادة المقاومة خلال حفل تنصيب رئيسي، ما لا يمكن وضعه إلا ضمن خانة الرسائل الموّجهة لمن يهمهم الأمر.

يبدو من الصعب البناء على ما ورد من تصريحات متفائلة بخواتيم سعيدة، خاصة في ظل تخبط تشهده الإدارة الأميركية واحتمالات عودتها إلى الاتفاق النووي، كما ومواقف رئيس الحكومة الاسرائيلي نفتالي بينيت الصادرة مؤخرا من على مدرج الجمعية العامة للأمم المتحدة وتهديده من المضيّ به.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى