ــالنشرةتحليلات

ذكرى “اليوم الوطني”…”وطنٌ” بلا مقومات!

مرآة الجزيرة- يارا بليبل

تتمثل نقطة الانطلاق لفهم الدولة في العالم العربي في تحديد السياقات الاجتماعية التي نشأت فيها الدولة وتطورت. إذ أن تفكك السلطنة العثمانية داخل ما بات يعرف بالشرق الأوسط، لم ينتج منه “دولة قومية” موّحدة وراسخة، بل مجموعة من الأنظمة الملكية أو كيانات تم إسقاط النموذج الغربي عليها وتقسيمها وفق ما تقتضيه مصلحة المستعمر وحلفائه في الداخل.

وفي الحديث عن نشأة “مملكة” آل سعود، وبعد فشل تجربتين واحدة على يد محمد علي باشا والي مصر عام 1818، والثانية على يد آل رشيد حكام مدينة حائل عام 1891، وصولاً إلى تاريخ إعلانها كياناً واحدا باسم العائلة عام 1932، يتم تقديم الأمر على أنه نتاج  مسار “وحدوي”.

شكلت مفارقة “الدولة السعودية الثالثة” أنها أتت بأدوات جديدة، إذ أنه بالإضافة إلى شراكة آل سعود وجماعة محمد بن عبد الوهاب، تقرر انطلاق الغزوات من المركز والبيئة الحاضنة لعبد العزيز والفكر الوهابي، فكانت الدرعية الخيار الأمثل.

لم تكن يوما شبه الجزيرة العربية مكوّنا منسجما على الصعيد الاجتماعي والثقافي والعقائدي، وبالتالي لم تكن ولادة “السعودية” إلّا نتاج مخاض طويل من الحروب وسفك الدماء وهدر الأرواح وشراء الذمم وغيرها من أساليب كسب الولاء جبراً وطوعاً.

إن “مملكة” آل سعود بهيئتها الحالية، ومع كل ما تم رصده من تطورات انطلاقا من اكتشاف النفط في القرن العشرين وصولاً إلى مساعي بن سلمان للحؤول دون الحفاظ على ميراث بات يعرقل رؤاه الفاشلة، ليست إلا “بازل” من المكونات الشعبية غير القابلة للتركيب في ظل غياب الرؤية والإرادة في اكتمال الصورة في لحاظ غياب مصلحة آل سعود.

إن تمايز الفضاء الاجتماعي في شبه الجزيرة العربية بكل انعكاساته دفع المؤسس عبد العزيز إلى إتخاذ الرياض بمُسماها اليوم عاصمة لدولته، بمعنى أن الأخير وفي سعيه لضمان نجاح مخططه، ابتعد عن المدينة المنورة ومكة على الرغم مما يمثلانه من رمز للديانة الإسلامية، وذلك لاعتقاد ثابت لديه بأن قاطني الحرمين الشريفين لا يمكن أن يتبنوا فكره واحتضان حكمه، فلجأ إلى سياسة “وهبنة” الفضاء الاجتماعي من داخل حصنه في الدرعية.

في هذا الإطار تمتثل أمام أي مراقب أو مهتم بدراسة الشأن “السعودي” إشكالية الهوية، وقد عمل كل من ورث الحكم، أو استولى عليه، على طمس نفور هذه الإشكالية عبر سلسلة من التحالفات الخارجية وتبني خطاب إسلامي عربي في فترة من الفترات، كمحاولة للعب على وتر الأولويات.

إن المستجدات في الرياض بدأت تتمظهر معالمها منذ عام 2016، مع سطوع نجم بن سلمان ووضوح نواياه بـ” كسر الروتين الملكي”، فكان أول الغيث توليه منصب وليّ العهد ليتم بذلك الإعلان رسمياً عن تبوء الجيل الثالث للحكم ومستقبل البلاد.

فقد اتضح للولي الشاب أن سياسة أجداده في الموازنة بين السياسة والدين لن تصل به إلى تحقيق رؤيته للبلاد، كما أنها لن تُدنيه من نموذج دبي، دون التغافل عن ما تسببت به الوهابية من سوء سمعة دوليا وتضاؤل مفاعيل خطاب العدو الخارجي، فعمد إلى خيار الحرب على اليمن لما رأى في ثورتها تهديدا لأمن بلاده وأمن استمرار سلالته في الحكم.

وربطا بما ورد، ماذا يعني فعلّيا سيناريو سيطرة حركة أنصار الله على اليمن، بتوجهاتها المعادية للهيمنة الأميركية والمناصرة للقضية الفلسطينية. صنعاء التي لطالما عدّها أسلاف بن سلمان “حديقة خلفية للسعودية”، نظراً لامتلاكها موقعاً جيو-سياسيا مُطلا على مضيق باب المندب الحيوي.

إن النموذج السعودي عبارة عن مركب من القبائل والطوائف، وأي حديث عن اندماج اجتماعي فيما بينها يجافي الواقع، وبالتالي إن محاولة إحياء أي رابطة ترصد قيام “الدولة” من مثل الاحتفال بـ”اليوم الوطني” لهو أمر مثير للسخرية باختصار.

إذ عند الحديث عن الوطن كمفهوم، فهو يستند إلى توفر ثلاث : أرض، شعب وسيادة. أما عن الأرض، فـ”المملكة” بحدودها الحالية وبواقعها الجغرافي وطبيعتها الصحراوية تمت السيطرة عليها كما أسلفنا الذكر عبر سلسلة من الغزوات والإخضاع وسفك الدماء، وبالتوافق على مراعاة القبائل التي كانت قد أرست حكمها في اليمن وسلطنة عمان على سبيل المثال.

وفي تناول موضوع السيادة، نسأل عن القواعد العسكرية الأميركية المتواجدة منذ عام 1991 والتي لا يمكن تبرير وجودها وتمسك آل سعود بها إلا ضمن إطار ضمان إستتباب الأمن الداخلي ومصالح واشنطن فيها، كما نسأل عن تخصيصها 17.7% من موازنتها للعام 2021 للإنفاق العسكري، بقيمة 46.7 مليار دولار، وعن موقفها الشاجب لسحب واشنطن بطارايات الباتريوت من أراضيها. وفي هذا الإطار لا يمكن تجاهل حرب اليمن وما أظهرته من ضعف الكوادر الدفاعية والاعتماد على المرتزقة ميدانياً، كما فشلها في صدّ ضربات حركة أنصار الله، ونجاح الأخيرة في استهداف شركة “أرامكو”.

تجدر الإشارة، إلى أن مسار تشكل الدول في العالم العربي وتفككها، ينطوي على احتكار ثلاثة عناصر مترابطة من الحياة السياسية في الفضاء الاجتماعي: إحتكار حيازة العنف واستخدامه، والإطار الأيديولوجي، والموارد الاقتصادية التي تُمكن من احتكار العنصرين السابقين.

في “السعودية”، يعمل بن سلمان على الانتقال من دفة الوهابية إلى دفة “الإسلام المعتدل” كوجه حضاري ومنفتح للدين الإسلامي، مستهلاً ذلك بالتضييق على هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما وإقرار مجموعة من المطالب الحقوقية البسيطة المرتبطة بالسماح للمرأة بقيادة المركبة وخلق إطار ترفيهي عبر احياء حفلات غنائية مختلطة، هذا على الصعيد الداخلي. أما خارجيا يعمل بن سلمان في ظل الانسحاب الأميركي من المنطقة وتضاؤل فرص التفاهم بينه وبين الرئيس بايدن على التقرب من الكيان الصهيوني، حيث تم رصد توقيع اتفاق بين رابطة العالم الإسلامي التابعة لمحمد بن سلمان مع اللجنة اليهودية الأمريكية (AJC)العام الماضي، كما جرى تكريم أمينها العام محمد عبد الكريم عيسى من قبل حركة مكافحة اللاسامية واتحاد السفارديم الأمريكي بجائزة هي الأولى التي تخصص” للقادة المسلمين” المشاركين في مكافحة معاداة السامية.

وفي مجال إحتكار العنف، لم يكتفِ آل سعود باعتماده نهجا لتثبيت حكمهم في شبه الجزيرة العربية بل تجاوز ملوكهم ذلك حتى بات العنف الأسلوب الوحيد الذي يتقنونه بوجه المعارضة السلمية وأصحاب الرأي. فقد أوردت “المنظمة الأوروربية السعودية لحقوق الإنسان” في تقريرها الصادر عن دورتها الـ48 المنعقدة في 13 سبتمبر الماضي، أنه ” في يناير 2021 قالت هيئة حقوق الإنسان السعودية أن انخفاض أرقام أحكام الإعدام المنفذة في العام 2020 تعود إلى إصلاحات قضائية. منذ بداية العام 2021 ، بدأت حقيقة هذه الوعود واستخدامها في الدعاية السياسية من دون إصلاحات حقوقية تتضح، حيث ضاعفت السعودية أرقام أحكام الإعدام المنفذة. طالت هذه الأحكام قاصرا ومتهمين بتهم بينها التظاهر وتهدد حاليا عشرات المعتقلين على الأقل بالإعدام. إضافة إلى ذلك تستمر الحكومة السعودية بممارسة الاعتقالات التعسفية، والتعذيب في المعتقلات في ظل انعدام ضمان عدالة المحاكمات”.

إن الهدف الجوهري للنظام هو الحفاظ على السلطة، في حالة “السعودية” نشهد انتقال من مفهوم “أمن الدولة” إلى مفهوم “أمن النظام”، الأمر الذي يدل على أن احتفالات النظام السعودي في الثالث والعشرين من سبتمبر بالعيد الوطني لا يعدو كونه مساحة للتظاهر بأمن النظام.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى