ــالنشرةتحليلات

الثورة اليمنية والفروق الجوهرية بين 2011 و2014

طالب الحسني ـ مرآة الجزيرة

في الذكرى السابعة للثورة اليمنية، 21 سبتمبر 2014، التي قادها أنصار الله وحلفائهم السياسيين والقبليين من الجدير الإشارة إلى عدد من الأسئلة ستحدد لنا معالم هذه الثورة وأهميتها بالنسبة لليمن ثم بالنسبة للمحيط.

أولاً، عن المشهد اليمني بعد عام 2011 وفق المبادرة الخليجية التي تقودها “السعودية” المدعومة من واشنطن

بات واضحاً أن المبادرة الخليجية التي صيغت بعناية سعودية وأمريكية كانت تقرر بشأن اليمن بعيدا عن اليمنيين، لأن المكونات السياسية التي وقّعت على المبادرة الخليجية أرادت الهروب من التغيير الحقيقي أو من الثورة الكاملة إلى نصف الثورة، وبالتالي وضعوا كل ما لديهم ومستقبل البلاد برمته بيد “السعودية” والولايات المتحدة الامريكية والدول الراعية لها، وهي عشر دول .

لقد دأبت “السعودية” بعد سقوط صالح على ضمان وجود نموذج يوازي النظام السابق في هوانه وتبعيته يتولاه نائب صالح، عبد ربه منصور هادي، ووفق المبادرة الخليجية  تم تعطيل الدستور، تم تجميد البرلمان، وتجميد الأحزاب السياسية، وتقسيم السلطة للنظام نفسه ومعه المعارضة ( الإخوان المسلمين)، واستبعاد كل القوى الأخرى بما فيها حركة أنصار الله، بل وافتعال حروب لإعادة توصيف الحركة  بالـ”متمردة”.

إن دور آل سعود حينها لا يمكن تفسيره إلّا في إطار سعيهم للإبقاء على النظام ضعيفا في اليمن، بغض النظر عن المطالب الشعبية التي أسقطت صالح ، حيث رأت في عبد ربه منصور هادي الذي كان يحتل منصبا دون صلاحيات، ولم يكن يحلم أبداً أن يتمّ اختياره. عملت “السعودية” على هيكلة الجيش، واختارت بعض الأشخاص من نظام علي عبد الله صالح، ورشحوها لنظام عبد ربه منصور هادي، ثم اختاروا قوى سلفية جديدة، بعضهم من حزب الرشاد، وبعضهم من المتطرفين في حزب الإصلاح وحزب الإخوان المسلمين، ليتمخض عنها تركيبة هشّة وغير مؤهلة على إدارة البلاد في مرحلة شديدة الحساسية.

وبينما تقتضي الخطة السرية التي أضمرتها السعودية بإبعاد الاخوان المسلمين تدريجيا وتقوية جناح عبد ربه منصور هادي عبر شراء نفوذ سياسي وقبلي وعسكري على حساب الرئيس الاسبق على عبد الله صالح، ثم تمديد الفترة الانتقالية وتحويل عبد ربه منصور هادي إلى رئيس لفترة طويلة، وتشكيل نظام جديد كانت قد بدأت معالمه بالتمظهر أكثر عقب الحوار الوطني الذي استمر عاما، خلال هذه الفترة تم مناقشة العديد من العناوين التي تتطلبها المرحلة ولكن رست الخيارات السعودية والامريكية على الترويج لعنوان واحد ألا وهو  “التقسيم” عبر نظام الدولة الاتحادية اليمنية المكونة من ستة أقاليم.

شكل قرار التقسيم بداية لمستقبل مجهول أبرزه عدم الاستقرار إلى عشرات السنين، الأمر الذي وضع البلاد  بمواجهة متغيرات كثيرة، أبرزها التحول إلى دولة مقسمة وغير مستقلة ومتحاربة إذ أن خارطة بناء الأقاليم كانت مبنية على أساس أن يكون هناك ميول لتمسك السكان كل باقليمه، ومع مرور الوقت كانت ستترسخ فكرة التمايز بين كل إقليم عن الآخر وما ينتج عن الأمر من تباين وترسيخ للتقسيم، بما يعنيه من فرص حقيقية قابلة لتحقق الانفصال.

لقد عملت “السعودية” والولايات المتحدة الامريكية على فكرة تحويل اليمن إلى دولة اتحادية من أقاليم وذلك منعا من تكوين دولة مركزية قوية تمسك بزمام السلطة والقوة وتقف بوجه أي رغبة انفصال، لكن “السعودية” ووفقا لما ترتضيه مصالها عملت على إيجاد الأقاليم قبل الدولة المركزية.

الثورة كانت السبيل الوحيد لإبعاد شبح التقسيم الذي كان قد بدأ عملياً وليس نظرياً.

ثانياً، مستقبل استقلال اليمن قبل الثورة

” لن ترى الدنيا على أرضي وصيّا”، ما ورد مقتطف من النشيد الوطني اليمني. منذ 10 سنوات شكل اليمن مرتعا لـ15 وصيّاً مباشراً. وعلى الرغم من أن هذا النص كتب في السبعينات قبل اغتيال الرئيس الحمدي، وحيث أن مفهوم الوصاية ظلّ غريبا على أدبياتنا السياسية حتى منتصف القرن الماضي، ولم يكن موجودا على الإطلاق قبل 1962م، فقد جاء بعد الوصاية المصرية مرورا بالوصاية السعودية.

إن واحدة من أعقد مشاكل اليمن منذ نصف قرن، تمثلت بظهور لاعبين جدد متدخلين في الميحط وباتوا  فيما بعد أوصياء على أهل اليمن، يمارسون الوصاية بالنيابة عن الدولة فيما يتعلق بسياستها الخارجية وعلاقاتها وشكل الجيش وقوته وسلاحه، وهذا ما كان يجري طوال 50 سنة خصوصا في العقود الثلاثة الماضية حين أصبحت “السعودية” بمثابة الراعي الرسمي لنظام صالح وتحتل مركز الأب الروحي والمحرض والداعم للمعارضة، حيث كانت إلى جانب النظام وإلى جانب المعارضة في الوقت نفسه، ما شكل حينها أحد أوجه الغرابة في مقاربتها. أسقطت الثورة هذا النوع من الوصاية القاتلة والمسيئة للغاية.

ثالثاً، تمايز محددات ثورة 2011 و 2014

 إستدعت ثورة 2011 الخارج بصورة مطلقة، كما المجتمع الدولي والولايات المتحدة الأمريكية ودول الخليج،  حتى أن أبرز المشايخ التابعين للإصلاح (الاخوان المسلمين) عبّر صراحة بقوله إنه لا يجب أن تؤذى الولايات المتحدة الأمريكية على منصة ساحة الثورة وساحة التغيير.

وعلى اعتبار أني كنت جزءا من ثورة 2011، وتواجدت في الساحات على مدى عامين، وعرفت كل التفاصيل حتى أجهضت بالمبادرة الخليجية، وانتقلت إلى ثورة 2014. إذ أن الأخيرة أتت نتاج لما خلفته الثورة الأولى وكان هدفها الأساسي يتمحور حول وضع حدّ للتدخل الأجنبي لما كان يمثله من أزمة اليمن الحقيقية.

ساهمت الثورة الثانية بطابعها الرأسي من الأعلى إلى الأدنى، بإسقاط الوجود الأمريكي والوجود الخليجي والوصاية بشكلها التقليدي والجديد، إلى أن انتهت بسقوط الأدوات بمجرّد أن رحلت الولايات المتحدة الأمريكية.

أشير إلى أنه لولا فضل الله سبحانه وتعالى أولاً، ولولا وجود القائد السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي كان سيصعب قيام ثورة جامعة وإيجاد قيادة ثورة جامعة، باعتبار أن ما جرى في عام 2011  ” أن نصف النظام الذي كنّا نريد أن نسقطه كان يقود الثورة الجديدة التي من المفترض أن تحكم إلى ما لا نهاية، وهذا الخطأ هو الذي أضاع التغيير في 2011 وبالتالي كان وجود السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي أحد الضمانات المهمة لنجاح التغيير والثورة في العام 2014″.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى