ــالمشهد الفلسطينيالنشرةانتفاضة فلسطين

انتفاضة فلسطين| الإعلام السعودي.. ناطق باسم العدو!

مرآة الجزيرة – زينب فرحات 

سجّل الإعلام السعودي، فضيحةً مدويّة في تغطيته للحرب التي اندلعت بين الفلسطينيين والكيان الصهيوني. تماهي وتطابق غير مسبوق أبدته وسائل الإعلام السعودية مع رواية العدو، في تغطيتها للأحداث أثناء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في فلسطين المحتلة. الحملة الممنهجة ضد القضية الفلسطينية لم تنته هنا، بل استمرت حتى ما بعد انتهاء الحرب، إذ عمل الإعلام السعودي على التشكيك بفعالية الإنتصار الذي حققته المقاومة الفلسطينة والتركيز على حجم الخسائر البشرية والمادية التي تكبّدتها غزة، في المقابل تعزيز صورة العدو وتبرير جرائمه. 

صوّرت قناة “العربية” السعودية، انتفاضة سكان القدس بوجه الإحتلال الذي حاول منعهم من الصلاة في المسجد الأقصى منذ بداية شهر رمضان المبارك، وقام بالإعتداء عليهم، على أنها “اشتباكات بين الفلسطينيين والشرطة الاسرائيلية بسبب خلاف على تجمع وقت الإفطار”. وفي تماهي تام مع الرواية الصهيونية، أبرزت”العربية”، خبر “دعوات اسرائيلية لإتخاذ إجراءات عنيفة بعد انتشار فيديو لفلسطيني يصفع متشدّداً يهودياً”، وذلك في محاولة سافرة لتبرير جرائم الكيان الصهيوني بحق الفلسطينيين، والتي ترتقي لجرائم حرب بحسب القوانين والمواثيق الدولية. 

لم تخجل القنوات السعودية أمثال قناة “الحدث” من استضافة شخصيات صهيونية في برامجها وإعطائها حيّز من الوقت للتعبير عن آرائها وتبرير جرائم الكيان الصهيوني. “الحدث” استضافت أدرعي خلال احتدام المعارك بين الكيان الصهيوني وفصائل المقاومة الفلسطينية، فأخذ يتحدث متفاخراً عن “الإنجازات” التي يقوم بها الإحتلال في ضرب واستهداف “حماس” و”الجهاد الإسلامي”. أكثر من ذلك اتخذ من القناة منصّة لإطلاق التهديدات إلى المقاومة الفلسطينية وتوجيه الإتهامات والإهانات لها. سمحت له أيضاً بالحديث عن أعداد الشهداء الذين ارتقوا بالعدوان الإسرائيلي على غزة، والتسويق لها على أنها واحدة من جملة “الإنجازات” التي حققها العدو في الحرب.

الإعلام السعودي عمل كذلك على التقليل من شأن الإنتصار الذي حققته غزة وذلك عبر توجيه الذباب الإلكتروني لشن حملة ممنهجة ضد هذا الإنتصار. تحت وسم #فلسطين_ليست_قضيتي، دعا نشطاء وكتاب سعوديون إلى التخاذل الصريح في نصرة القضية الفلسطينية والمجاهرة بالعداء لها، فقد غرّد الناشط فهد الحربي قائلاً: “ماذا يريد هنيه و ‎#حماس من العرب طالما إيران هي من تدعمهم بالمال؟ 250 قتيل والآف الجرحي ضحية لهذا التاجر الفاجر وضحايا الخونة تجار القضية الفلسطينية، هل هم فعلاً متخلفون عقلياً؟ هل وصلت بهم الخيانة والعمالة الى هذه الدرجة؟”

أما تركي الحمد فنشر تغريدة قال فيها: “خداعاً للنفس وتضليلاً لشعوبنا، فعن أي نصر نتحدث؟ تحوّلت غزة إلى أطلال ببرقة ثهمد، ولم يبقى بيت غزاوي إلا وفيه أم ثكلى، أو أرملة غير طروب، وطفل يتيم، ومستقبل سرابي، وكل ذلك من أجل أن إسرائيل جرحت: لا قدس عادت، ولا ضفة استقلت، وكل ذلك من أجل علامة نصر فارغة المضمون، يرفعها مرفهون في فنادقهم”.

في موازاة ذلك، حاول بعض الإعلاميين والكتاب السعوديين، الترويج لفكرة المقاومة السلمية، باعتبارها الحل الوحيد للإحتلال الإسرائيلي الذي يستخدم أعنف الأسلحة ضد شعب فلسطين. ملخص هذه الفكرة البعيدة عن الواقع هو: “المقاومة أو الإنتفاضة السلمية هي الحل الوحيد لمواجهة احتلال العدو الصهيوني”، وبالطبع يصاحب هذه العبارة، فكرة أخرى وهي تحميل حركات المقاومة الفلسطينية وفي مقدمتها حماس، مسؤولية استشهاد آلاف الأطفال والمواطنين في غزة وفي كل فلسطين. وللمفارقة أن النظام السعودي نفسه يخوض عدوان وحشي منذ أكثر من ست سنوات ضد الشعب اليمني، راح ضحيته مئات آلاف المدنيين، وتسبب بتدمير كافة القطاعات الإقتصادية والمرافق الإجتماعية، يصاحبه حصاراً مطلقاً تسبّب في أسوأ أزمة إنسانية منذ عقود. كل ذلك بذريعة حجج واهية تارةً لإعادة الشرعية إلى اليمن، وتارةً أخرى للتصدي للمد الفارسي المتمثل بإيران، أما حقيقة الأمر فإن اليمن لم يشكل أي خطر يذكر على “السعودية”، وليس ثمة أي مبرر لهذه الحرب. 

صحيفة “عكاظ” السعودية شنّت هجوماً واسعاً على حركة المقاومة “حماس” مقللةً من شأن الإنجاز الذي حققته في الحرب، فيما شككت بدوافعها للدفاع عن المسجد الأقصى وأهالي حي الشيخ جراح بالقدس المحتلة، وفي المقابل أشاد كتاب في صحف أخرى بالمقاومة وبصمود أهالي غزة. على سبيل المثال، تحت عنوان “الاستيلاء على منبر الأقصى كان سبب الحرب!” حاول الكاتب محمد الساعد التشكيك بنوايا “حماس” في الحرب، قائلاً: “كان يعرف عباس أن طريق الآلام الذي بنته حماس من غزة إلى حي الشيخ جراح هدفه النهائي ليس إنقاذ الشيخ جراح، ولا كشف جبروت إسرائيل، ولا إقامة توازي الردع، بل كان هدفاً سياسياً حركياً بحتاً، لاستبدال السلطة الشرعية في رام الله بتنظيم حماس”. أما الكاتب خالد العضاض، انتقد في مقال نشرته صحيفة الوطن، نداءات المساعدة لإعمار غزة، وقال إن تلك المساعدات تستخدم لـ”ترميم ما شوهته الغزوات غير المباركة وغير المخلصة”. بالإضافة إلى ذلك، دأبت المواقع والصحف السعودية، على تبني سياسة تحريرة معادية للشعب الفلسطيني، ففي خضم جرائم الحرب التي كان يرتكبها الكيان الصهيوني بحق المدنيين العزّل في غزة سيما الأطفال والنساء، تجرّأت الصحف السعودية على وصف الشهداء “بالقتلى”، أمثال موقع “العربية” وصحيفتي عكاظ والرياض.  

ليست المرة الأولى التي يغطي فيها الإعلام السعودي مع فلسطين بهذه الطريقة، فلطالما كانت القضية الفلسطينية من آخر اهتمامات القنوات العربية عامةً، التي تتبنى بشكل مبطّن سردية الكيان الصهيوني. المتابع لوسائل الإعلام السعودية، يلاحظ أنه عند إعلان الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب الإعتراف بالقدس كعاصمة لدولة الكيان الصهيوني، لم يكن بالنسبة لوسائل الإعلام السعودية والإماراتية بمثابة حدثٍ تاريخيٍّ وحربٍ على القضيّة الفلسطينيّة، إذ لم تجد “العربية” أنّ حدثاً بهذا الحجم يستحقّ تخصيص الهواء للقضية الفلسطينيّة فقط، كحال الصحف الإماراتيّة التي جاء خبر القدس فيها في المرتبة الثانية، فصدرت الصحف بعناوين ثانوية عن إعلان ترامب اعترافه بها كعاصمة للكيان الصهيوني ونقل سفارة بلاده إليها، فيما تصدّر الصحفي مانشيت عن إطلاق محمد بن راشد برنامج رواد الفضاء، وتعزية محمد بن زايد لأحمد علي صالح “بوفاة والده”.

الإعلام الإماراتي أيضاً توغّل بشكل واضح في تبني وجهة نظر العدو، فقد سبق وكشف موقع “إمارات ليكس” أن قناة “أي 24 نيوز” الإسرائيلية، وقعت مع مجموعة “أبوظبي للإعلام”، على مذكرة تفاهم “لتطوير المحتوى” و”توفير تغطية إخبارية متبادلة ” لطواقم المؤسستين الإعلاميتين، و”تبادل التغطية في مجال الأخبار والقضايا الراهنة والتقارير وإنتاج المحتوى”. حينها حاول الإعلام الإماراتي والذباب الإلكتروني التابع له إلى جانب السعودي، التشكيك بمضمون مذكرة التفاهم هذه، لكن أحداث الأيام العشرة الأولى من شهر رمضان المبارك، والتي أظهرت وحشية الصهاينة ضد الشعب الفلسطيني، والإنحياز الواضح للرواية الصهيونية في الإعلام السعودي والإماراتي، بيّنت أن المذكرة واقع لا يمكن إخفاءه، وليس من المستبعد أن تكون السياسات الإعلامية في الرياض تعمل أيضاً وفقاً لمذكرة تفاهم مماثلة.  

هذا التماهي الفاضح إلى حد التطابق بين الإعلامين الإماراتي والسعودي وبين الإعلام الصهيوني، يؤكد حقيقة أن تطبيع الأنظمة الرجعية يعكس تحالفاً عربياً مطلقاً مع الكيان الصهيوني بإشراف أميركي، وهو ما يظهر جلياً في تأييد الرواية الصهيونية والتجاهل المتعمد لمعاناة الشعب الفلسطيني والجرائم التي يتعرعلى مواقع التواصل الإجتماعي ومقدمي برامج تلفزيونية وغيرهم.  

وفي سياقٍ متصل، كشف الكاتب والصحفي الأردني أسامة فوزي عن سياسة القنوات السعودية والإماراتية في تعاطيها مع القضية الفلسطينية قائلاً : “تبدل الأمر في السياسة التحريرية لدى قناة العربية بعد تسلم دائرة الأخبار الفلسطيني نبيل الخطيب مدير قناة العربية حالياً، فتبدلت منذ تسلمه دائرة الأخبار كل القواميس والألفاظ وأصبح يصف الشهداء بالقتلى وكان ذلك واضحاً وجلياً في تغطيتهم لحرب الفسفور وغيرها وكيف كانوا يحددوا من أين تطلق الصواريخ”. ينبه الكاتب الفلسطيني الأصل “أبونضال” على شخصية نبيل الخطيب، ويقول إن “الخطيب كان مدير للأخبار في العربية لمدة 15 سنة شقيقه وزير في السلطة الفلسطينة وتعلم على نفقة الحزب الشيوعي الإسرائيلي وبعدها عمل في (جامعة بيرزيت). وأشار إلى أن أغلب الذين يديرون ويعملون في مؤسسات إعلامية تسيء للشعب الفلسطيني سبق وأن عملوا في جامعة بيرزيت كعائلة (نسيبة)، جميعهم فلسطينيون حصلوا على الجنسية الإماراتية ويعملون ويديرون مؤسسات إعلامية تسيء لشعب فلسطين، وقضيتهم”.

استدلّ فوزي على تماهي قناة “العربية” مع القنوات العبرية بفيلم وثائقي بثته قناة العربية عن النكبة الفلسطينية من إعداد مؤسسات إسرائيلية، إذ قامت العربية بترجمته وبثته وأظهرت أن الشعب الفلسطيني وكأنه هو الذي يعتدي على الصهاينة الذين أخدوا فلسطين. يعود أسامة فوزي للحديث عن الفلسطيني الإماراتي نبيل الخطيب الذي سلمته السعودية إدراة قنوات “العربية” و”الحدث” و”الشرق”، ويقول إن “السعودية لم تضع الفلسطيني الخطيب وتسلمه إدارة القنوات السعودية في الإمارات عبثاً إذ يوجد هناك إعلاميين سعوديين أكثر كفاءةً من الخطيب ولكن السعودية أرادت من الخطيب أن يكون في وجه المدفع لتمرير الأجندة الإعلامية المسيئه لشعب الفلسطيني، فيقال إن المتسلم لتلك القنوات السعودية فلسطيني وليس سعودي”.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى