ــآية الله الشيخ الراضيالنشرة

مُحَدَّث |الشيخ جاسم المحمد علي يسرد لـ”مرآة الجزيرة” محطات من حياة وسيرة الشيخ المعتقل حسين الراضي وركائز فكره الوحدوي (1/2)

؛؛منعطفات، تحديات، ومخاضات كثيرة، تملأ حياة الفقيه آية الله الشيخ حسين الراضي، الذي آثر أداء مسؤولياته الرسالية والقيام بدوره في بناء المجتمع والنهضة به وتوعيته وفق مسار اسلامي رباني، لتصحيح ما ترسيه الأنظمة الاستبدادية من ثقافات وممارسات لتدمير الشعوب. العالم الفقيه المجاهد الشيخ الراضي قدم عبر بحوثه الفكرية والسياسية والتربوية قواعد ومناهج الوعي ورفد النهضة العلمية والفكرية والاجتماعية بالكثير بهدف التأسيس المجتمعي والديني والثقافي وتأكيد المواقف المناصرة للمستضعفين في الأرض، والرازحين تحت سياط الإرهاب والانتقام المتمدد لنظام آل سعود في الداخل والخارج، إرهاب قيّد سماحته وجعل حريته مكبّلة بالاستبداد والانتقام السلماني خلف السجون، إلا أن اعتقاله لم يقف حجر عثرة أمام انتشار فكره وعلومه واستلهام الوعي بالمنهج الرسالي من منابع علمه وتعاليمه ودروه الاجتماعي. عن العلاقة مع الشيخ الراضي وأدواره الرسالية المحورية في المجتمع وغيرها من التفاصيل، نضيء عليها في حوار خاص لـ”مرآة الجزيرة” مع سماحة الشيخ جاسم المحمدعلي أحد أبرز تلامذة الشيخ الفقيه الراضي والمقربين منه…،،

خاص مرآة الجزيرة ـ سناء إبراهيم

بشيء من الأسف يبدأ الشيخ جاسم المحمد علي حديثه، للتعبير عن فقدانه لايجابيات  المعايشة المباشرة لسماحة الشيخ حسين الراضي، بسبب فوارق المكان والزمان والمجتمع نفسه، من أجل الاستفادة من “معين علمه ومرئياته وأفكاره بصورة شخصية لصيقة”، لكنه، يستدرك الحديث بالإضاءة على نهل العلوم الدينية التي تبلورت عبر مفاعيله العلمية ومناشطه الاجتماعية التي شكلت آثارها وتجلياتها الوسيلة الأساسية لرسم معالم شخصيته الدينية في طبقات العقل الفكري، خاصة “لمن هم بعيدون عن الشيخ الراضي، ويعيشون في جيله الزمني والثقافي”.

في حوار خاص مع “مرآة الجزيرة”، يضيء الشيخ المحمد علي على حياة سماحة الشيخ الراضي التي كانت حافلة بالمنعطفات والتحديات والمخاضات؛ من أجل تعميق مستوى حضوره الرسالي ومسؤوليته الدينية في توعية المجتمع وتطويره والرقي به إلى مستوى مشروع الخلافة الإلهية، وهنا، يقول “إن هذا الهم الرسالي والحركي لدى سماحة الشيخ الراضي لم يكن بدعا من الواقع، بل بدأ منذ انتمائه إلى المدرسة النضالية والحركية في فهم الدين والإنسان والحياة، حيث روحه العلمية التي انطلقت من رحم مدرسة الشهيد الصدر في النجف الأشرف، وكانت ترتبط بها في وشيجة خاصة ووثيقة، ومرورا من نموها وتطورها التي حلّقت مع وهج انتصار الثورة الإسلامية في إيران وإشعاعاتها المنيرة التي غمرت العالم الإسلامي بأسره وغيرت بنية خارطته الفكرية والسياسية والمجتمعية، فكان الشيخ الراضي من الشخصيات الحجازية الأولى التي التحمت بخط الإمام الخميني، وتفاعلت مع طروحاته ونظرياته حول منظومة الإسلام ودوره في الحياة، وعاشت تجربته الروحية والحركية في ساحة الصراع مع الاستكبار والاستعباد في كل ساحات الحياة من الفكر والسياسة والاجتماع”. ويتابع أنه “وصولا إلى الصعوبات التي واجهتها الراضي حينما نزل إلى البلاد في أواخر الثمانينات الميلادية، حيث كانت السياقات الجيوسياسية التي تلف المنطقة في غاية التعقيد والتوتر والتركيب، بفعل الحرب الخليجية الأولى، خصوصا ساحة الجزيرة العربية التي ترزح تحت وطأة السلطة السعودية الميقتة، التي تحكم وفق العقل الطائفي البغيض، وتضع كل السياسات والعلاقات والمقاربات على مذبح التطرف المذهبي الخانق”.

الوحدة عنوان فكر الراضي

 من هنا، يشير الشيخ المحمد علي إلى أنه انطلاقا من واقع التطرف والمنهج الطائفي المستبد لآل سعود بما يحمل من تأطير صعب وخطر، بزغ فجر الشيخ الراضي الذي ينتمي إلى الطليعة النهضوية في فهم الإسلام والحياة، ويحمل هموم رسالية كبرى في أنماط العمل الديني والحركي والاجتماعي؛ نتيجة تجربته الثرية، ويضيف “جاء الشيخ الراضي ليبدأ مسيرته التثقيفية والتعليمية وهي تواجه معيقات صعبة، تحتاج إلى الكثير من الظروف والعوامل لتحويلها من معيقات معقدة إلى فرص انطلاق وتغيير”. وعن المعيقات المجتمعية، يعيدها سماحته إلى “معادلة الواقع الاجتماعي القائم واستئناس الناس بالأنماط التقليدية المتداولة في العمل الديني على صعيد الأداء والإطار والمضمون، وهذا ما تختلف معه منطلقات الشيخ الراضي وأدبياته الفكرية والحركية التي استلهمها من تجربته الحية والزاخرة بمفاهيم النهضة والحركة والتغيير”، من جهة ومن أخرى، يلفت سماحة الشيخ المحمد علي إلى أن من المعيقات هي “طبيعة النظام السعودي الذي سقط في أتون الصراع مع الجبهات المختلفة، ليس آخرها – في ذلك الوقت – حرب الخليج الأولى، لذلك كان النظام السعودي يحذر من أي نشاط ديني يمكن أن يبعث في المجتمع ولو في المستقبل البعيد وعيا عميقا بذاته وقضيته وأهدافه، ويجعله ينطلق بجدية وثورية بحثا عن دوره الحقيقي في ساحة الاجتماع والفكر والسياسة”.

 وانطلاقاً من انغماس الرياض في الصراعات، يلفت الشيخ المحمد علي، إلى أن “النظام السعودي مارس التأطير والتضييق على الشيخ الراضي منذ بداية قدومه إلى أرض الوطن؛ خوفا من أن ينطلق في تجلية حمولاته الفكرية والثقافية والحركية التي يحتضنها بين جنبات أبعاد شخصيته الإسلامية على أرض الواقع، فينقل مجتمعه من مرحلة التجهيل والتسطيح إلى مرحلة الوعي والنقد والتنور، وما تؤديه هذه الخصاص من صياغة جديدة للمجتمع في جوانبه السياسية والمجتمعية”. ويستدرك باللفت إلى أن “الشيخ الراضي، لما يحمله من إيمان بدوره الرسالي، وشعور بوظيفته العقائدية، ووعيه بمشروعه الديني الكبير الذي يتجاوز القضايا الفردية والذاتية، صارت هذه العناصر الروحية والفكري التي تحيا في شخصيته دافعة له بشكل عفوي في أن يستلهم قيم العمل والصمود والنشاط من خط الأنبياء على مستوى بناء الإنسان والمجتمع وفق الإرادة الإلهية الخالصة”. وهنا، يجمع الشيخ المحمد علي رأيه حول الشيخ الراضي، في أن الخصوصيات المتنوعة لدى سماحته، ألحّت عليه بعدم الاستسلام للضغوطات السياسية التي تمارسها الدولة، وأصرت عليه بعدم الانسحاب من ساحة النشاط الاجتماعي الذي يريد النظام أن يفرغه من محتواه النهضوي والتوعوي والحركي، وينوّه ببقاء “الشيخ الراضي جبلا شامخا صلبا، يسعى بقدر طاقته وجهده أن يمارس وظيفته الشرعية والأخلاقية بالمستوى الذي يؤمن به في دور الإسلام في بناء هوية المجتمع الإسلامي، وتطويره إلى مستوى الرسالة المحمدية الأصيلة”.

العمّة البيضاء رمز الثورة والنهضة

سماحة الشيخ الراضي لم يستجب لضغط الجهات الرسمية في قضية صغيرة في شكلها، لكنها في معناها ودلالاتها السياقية والمرحلية تشكل ساحة من ساحات التحدي والامتحان، وهنا، يستذكر سماحة الشيخ المحمد علي ما طلبه النظام من سماحة الشيخ الراضي حين عودته للبلاد فيما يتعلق بخلع عمامته، لكن هذا الطلب قوبل بالرفض الشديد بموقف صلب وقوي من سماحته، قائلاً: ” هذه القضية كانت في مرئيات السلطة تعبر عن حالة طقسية تعطي لرجل الدين هالة روحية، تتدخل في صورته الأخلاقية وأدائه الاجتماعي، لكن الشيخ فرج الله عنه بحسب وعيه لتلك المرحلة وسياقاتها رأى أن هذه العمامة في تلك المرحلة تعبر عن هويته وانتمائه ومستوى تمسكه بدوره الإسلامي العام، فتحولت لديه بفعل المعادلات والظروف من قطعة قماش بسيطة إلى ساحة من ساحات الامتحان والتحدي مع سياسيات الدولة الجائرة والضاغطة”.

 يواصل الشيخ جاسم المحمد علي حديثه عن سماحة الشيخ الراضي المعتقل في زنازين السجون السعودية، وينبه إلى عدم اعتقاده بأن ينسى الدور الرسالي للشيخ الراضي بما يحمل من شجاعة وقوة ورباطة جأش، وهو الدور الذي صدر منه قبل اعتقاله الأخير، “وهو يعبر بملء وعيه وإرادته وإيمانه ومعرفته بعواقب فعله على ذاته، وهو يعبر عن رفضه لجرائم الدولة وانتهاكاتها الإنسانية في إعدام الشيخ نمر باقر النمر، وقتل أبناء اليمن المظلوم، وتصنيف “حزب الله” في لبنان -الذي دافع عن قضية الأمة وشرفها- في لوائح الإرهاب”. ويرى أن “هذه المواقف الثورية الصادقة التي نهض بها الشيخ الراضي، لا يمكن تفسيرها بصورة براغماتية وعملانية في خضم الظروف الأمنية القائمة في السعودية، ولا يمكن أن نتوقع أنها تصدر من كل أحد ينتمي إلى الخط الديني، بل هي في حقيقتها نفحة من نفحات الإيمان العقائدي العميق الذي يحملة الشيخ الراضي، وتعطيه خصوصية فارقة عن غيره، ومن هنا، يتجلى لنا فهم الشيخ الواعي لنظرية التكليف الشرعي وأدائه في ساحات العمل الاجتماعي والسياسي مهما كانت الظروف والأوضاع والتعقيدات، وهذه النظرية هي أشد التصاقا بعبودية الإنسان لله وخضوعه لأوامره وتعاليمه، فنظرية التكليف الشرعي بصيغتها الثورية والقرآنية قد نظّر لها الإمام الخميني في رؤيته الدينية بوصفها تعني: أن الإنسان الرسالي  في عمله الاجتماعي والنضالي لا يخضع لعوامل المادة، وتوازنات القوى، ومعادلات الأرض، بل يعتمد على مدد السماء وعطاءات الغيب((والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا))”.

ولأن النضال والخط الثوري يسلكان المسار عينه، فإن سماحة الشيخ جاسم المحمد علي يوضح أن “منعطفات التجربة النضالية والاجتماعية للشيخ الراضي كانت مصداقا لامعا لهذه النظرية الرسالية ومفهومها القرآني، حيث استطاع بمواقفه النضالية أن يبرز نفسه بوصفه عالما خارجا عن قوقعة همومه العلمية الصرفة، لينزل إلى معاناة المجتمع الإسلامي، ويجعل ذلك من أولى همومه واهتماماته”، ويلفت إلى أن “المواقف رسمت من الشيخ الراضي في العقل المجتمعي العام روحا متسامية على  القضايا الجزئية، ونفسا متعالية عن الاهتمامات المحدودة، وقيمة رفيعة تجعل كل المناصب والحيثيات وسيلة لبلوغ الأهداف الكبرى، لا غاية تقف عندها الجهود والطاقات والانجازات في خضم معركة الكرامة والتوحيد والحرية؛ وهذا الموقف منه سيبقيه حاضرا في تاريخ الأبناء والأحفاد والأجيال، ومنارة من منارات الأمة العظيمة التي ضحت في سبيل وحدتها وعزتها وسيادتها.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى