ــالمشهد اليمنيالنشرة

المبادرات السعودية في اليمن: هروبٌ من الهزيمة

مرآة الجزيرة – زينب فرحات

لا يتوانى التحالف السعودي عن إعلان مبادرات إنهاء إطلاق النار في اليمن، فقد دأبت قيادات التحالف على إطلاق خطابات السلام في مناسبات عدة. لكن اللافت أن مضامين هذه المبادرات لم تكن تحمل نوايا جدية لإنهاء الحرب، بل إن التحالف السعودي نفسه كان يعمد إلى خرق المبادرة خلال الساعات الأولى لإعلانها. 

المآخذ التي تحملها حكومة صنعاء على المبادرات السعودية عديدة، ولكن أبرزها يتمحور حول شقين. الأول هو الخلل الموجود في تركيبة المبادرة نفسها، أي أسس إعلانها وخلفياتها وأهداف التحالف السعودي منها، والثاني يرتبط بالخروقات التي يرتكبها التحالف السعودي بعد إعلانه عن تلك المبادرات. 

آخر المبادرات السعودية لإنهاء الحرب في اليمن، أعلنها وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان آل سعود، وهي الثالثة بعد اثنتين باء مصيرهما بالفشل. الوزير السعودي قال إن هذه المبادرة تنص على وقف إطلاق النار في جميع أنحاء البلاد تحت إشراف الأمم المتحدة. وأشار إلى أن المبادرة تتضمن إعادة إطلاق المحادثات السياسية لإنهاء أزمة اليمن، وتستند إلى المرجعيات الدولية ومخرجات الحوار اليمني الشامل والمبادرة الخليجية. فيما اعتبر “السفير السعودي” لدى اليمن محمد بن سعيد آل جابر أن “مبادرة السعودية هي استكمال لمبادرات وجهود دول مجلس التعاون والمجتمع الدولي لإيجاد حل سياسي في اليمن”.

في المقابل، اعتبرت صنعاء أن المبادرة السعودية لم تقدم أي جديد، ولا تزال كسابقاتها تتجاهل الجانب الإنساني من الأزمة. ففي كلمة له قال محمد عبدالسلام، رئيس وفد صنعاء المفاوض، إن “المبادرة السعودية لم تأتِ بجديد، وأنه يجب الفصل بين ما هو حق إنساني كإعادة فتح مطار صنعاء وميناء الحديدة بما لا يكون ذلك خاضعًا للابتزاز السياسي والعسكري”.

وبالتالي، رأى عبدالسلام أن أي مبادرة لا تلتفت إلى الجانب الإنساني المتمثل برفع الحصار ووقفه فهي غير جادة مشيراً إلى أن “تحالف العدوان يعمد إلى لي ذراع الشعب اليمني من خلال تشديد الحصار في محاولة للضغط على اليمن للقبول بمطالب لم يتمكنوا من إنجازها عسكرياً وسياسياً”، مؤكدًا أن العدوان لو “توقف ورفع الحصار من هذه اللحظة لتوقفنا، لكن مقايضة الملف الإنساني بالملف العسكرية والسياسي مرفوض وتعد جريمة أخلاقية”.

يوم الخميس 9 نيسان/أبريل 2020، الساعة 12.00 مساءً، أطلقت قيادة التحالف السعودي، مبادرة لإيقاف الحرب في اليمن. المبادرة قضت بوقف إطلاق النار بشكل شامل في البلاد لمدة أسبوعين قابلة للتمديد. جاءت استجابةً لدعوة المبعوث الأممي إلى اليمن، مارتن غريفيث، بهدف “اتخاذ خطوات عملية لبناء الثقة بين الطرفين في الجانب الإنساني والاقتصادي”. لكن ما حصل حينها أنه لم يمضِ أكثر من ٢٤ ساعة على إعلان المبادرة حتى واصلت قوى العدوان السعودية تصعيدها في مختلف الجبهات اليمنية وخصوصاً في جبهات الحدود حيث شنت أكثر من خمسة زحوفات على كل من حرض ورشاحة عسير والبقع بنجران مسندةً بغطاء جوي مكثف بالطائرات الحربية والأباتشي. أما المبادرة الأولى، فكانت في 19 نيسان 2018. هذه المبادرة جاءت بعد مطالبة مارتن غريفيث بوقف إطلاق الصواريخ واستخدام الطائرات بدون طيار “دعماً لجهوده وتعزيز السلام”. إلا أن التحالف السعودي لم يلتزم بها، وواصل غاراته على مدينة الحديدة ومختلف المناطق اليمنية.

في تصريحٍ خاص لـ”مرآة الجزيرة”، رفض الإعلامي اليمني طالب الحسني مسمى “المبادرات”، وهو ما يعارضه أيضاً أنصار الله والقوى الوطنية في الداخل بحسب قوله، معتمداً تسمية “المقترحات السعودية”. وعن أسباب رفض حكومة أنصار الله للمقترح السعودي الأخير، لخّصها الحسني بثلاثة، وهي: أن “(السعودية) تقدم نفسها وسيط بينما هي طرف رئيس في العدوان، تستخدم الرياض الملف الإنساني  للمساومة بملفات سياسية وعسكرية، الشق الثاني من المقترح السعودي يتعلق بالقانون الدولي 2216 والمبادرة الخليجية وهذه مراجع لا أحد يقبل بها من الأساس”.

تطرّق الإعلامي اليمني إلى مضامين المبادرات التي تعلنها “السعودية” وغاياتها الحقيقية، معتبراً أن المقترحات التي تطلقها الرياض لليمن، تنطلق من مقترح رئيس وهو المبادرة الخليجية (2011 -2012). مشكلة هذه المبادرة، وفق الحسني، أنها تمثل إحدى محطات التدخل الخليجي الأكثر ضرراً باليمن. فقد جمّدت الدستور اليمني، وعطّلت البرلمان، ليكون ذلك سابقة في تاريخ البلاد. يتصل ذلك بأن المبادرة شكّلت خارطة سياسية معينة تتوافق مع “السعودية” فقط. فهي وزّعت السلطة بين مكونين، السلطة حينذاك ممثلةً بحزب المؤتمر والمعارضة الممثلة بحزب “الإصلاح” فيما جرى إقصاء كل الأطراف والمكونات الوطنية الأخرى وإجهاض مطالب التغيير. حالياً، يورد الحسني، تضع “(السعودية) هذه المبادرة كمرجع للحوار على الرغم من أن هذه المبادرة تتعلق فقط بفترة انتقالية محددة من عام 2012 حتى 2014.

بالنسبة للمقترح السعودي الأخير أي مقترح مارس 2021، كما يصفه الإعلامي اليمني، “نجد فيه الكثير من النقاط التي تجعله غير مقبول”، يقسّمها إلى أربعة ويقول: “الأول هو أن “(السعودية) تضع نفسها في هذه المبادرة كطرف وسيط، وتملي على القوى الوطنية الجلوس مع مرتزقتها الذين لا يمتلكون قرارهم، إذ إن تحركاتهم جميعها تدار من (السعودية)”. ثانياً، إن” المبادرة تصور بأن الحرب في اليمن حرب أهلية ونزاع داخلي لذا هي ليست معنية بالمفاوضات كطرف، وبدعم من الأمم المتحدة، وهذا مرفوض وطنياً، فالحرب إقليمية وليست محلية، اليمن يتم استهدافه من (السعودية) وجيبوتي وإريتريا، ومن القواعد السعودية والإماراتية والأمريكية، وبالتالي لا يمكن أن يكون الحوار داخلي بل إقليمي”. ثالثاً: إن “المبادرة تعتبر قرار مجلس الأمن الدولي 2216 مرجعاً للمفاوضات، بينما تدعو أول مادة في هذا القرار إلى تسليم السلاح والانسحاب من المدن، وتم رفض هذا القرار جملة وتفصيلاً منذ الحوار الأول في جنيف 2015”. والسبب الرابع والأخير، “لا تنص المبادرة على وقف شامل لإطلاق النار ورفع كامل ودائم للحصار، بل تنظيم ذلك (فالسعودية)  تحدد من الدول التي يمكن لها أن تفتح مطاراتها لاستقبال الرحلات اليمنية، وكذلك هي من تحدد للعاصمة صنعاء من هي الدول التي يمكن أن تستقبل رحلاتها. وهذا أمر لا يمكن القبول به. من ناحية ثانية، إن التحالف السعودي بهذه الطريقة يذبح القانون الدولي الإنساني أمام الأمم المتحدة فالموانئ والمطارات مدنية يحميها القانون الدولي الإنساني”، ينهي الحسني كلامه. 

يبدو أن الحكام السعوديين يريدون تحرير أنفسهم من الحرب المفروضة على اليمن من خلال مبادرة السلام الأخيرة، وخصوصاً بعد أن أحكم أنصار الله سيطرتهم على العاصمة صنعاء وأجزاء كبيرة من شمال غرب اليمن. كما للتطورات الأخيرة التي تشهدها مدينة مأرب والتقدم الذي يحرزه أنصار الله على هذه الجبهة عامل بارز في محاصرة التحالف السعودي وإحباط مخططاته. في المقابل لم تتمكن “السعودية” من تحقيق أي إنجاز يذكر في اليمن، منذ بدء العدوان، باستثناء فرض الحصار وتجويع المدنيين وقتلهم وتشريدهم. 

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى