ــالنشرةتحليلات

إيغال “سعودي” في تعميق الأزمة اللبنانية

خاص مرآة الجزيرة ـ حسن الطاهر

بات التعطيل “السعودي” للمسار الحكومي في لبنان، واضح بشكل لا لبس فيه. مع مسار التأجيل المنتهج بلا مبررات، من قبل من كان سابقا “الإبن المدلل الرياض” الرئيس المكلف بالتشكيل سعد الحريري، الذي يمرر الوقت كمن يلعب على وتر هادئ لا يتناسب وأوضاع البلد الرازح تحت وطأة الأزمات الاقتصادية والسياسية ويتهدده انفجار أزمة مشتعلة نيرانها، مع الانهيار الذي يجر البلد داخل نفق مظلم غير معلومة نهايته، فالأزمات من الكهرباء إلى الماء والدواء والاستشفاء والعملة الوطنية (الليرة) وكل الميادين، تنذر بما هو أسوأ، إنذار يستخف به المعنيون، فيما يطوّع الخارج له كل أدوات الاستغلال، فتترأى مشهدية التدخل “السعودي” المضمر من أجل العودة لبيروت من بوابات عدة ليس أسهلها تصفية حسابات ومد وجزر بين الأفرقاء والأدوات المطوّعة للمحور السعودي الأميركي الذي يلعب على وتر الانقسامات في بلاد ما رأت يوماً سلاما.

منذ أكتوبر 2019، تشتعل أزمة سياسية واقتصادية حادة في لبنان، أزمة تهدد وجود البلد بأسره وسط مناكفات سياسية حادة، تغيب الحكومة وتغيب فرص الحل، ويغيب وجود أية رؤية واضحة من شأنها إيقاف مسار التدهور على أقل تقدير، وفي حين تشتعل بين المسؤولين نيران الاتهامات المتبادلة حول المسؤولية ويرزح الشعب تحت وطأة الانهيار، فإن عرقلة المسارات تتجاذبها أطراف خارجية، تتصدر مشهدها بقالب محكم السلطة السعودية.

مؤخراً، وعلى شكل الخطوات المتكررة للرياض، حاول وبعلانية السفير السعودي في لبنان وليد البخاري إظهار مزاعم بلاده بشأن استقرار لبنان، فجال على المسؤولين بالتزامن مع التأجيل والتأخير المتواصل من قبل الرئيس المكلف بالتشكيل سعد الحريري، وأدلى البخاري بدلوه بشأن “الدعم الذي تقدمه بلاده للبنان، والوقوف إلى جانب الاستقارا” تصريح علني لا يمت للواقع بصلة، البلاد التي تقف على حافة الهاوية إن لم تكن أصبحت في قعرها تعاني التدخلات السعودية المباشرة.

جولة البخاري الأخيرة كانت اللقاء الأول مع الحريري منذ عام 2019، وحاول اللعب على وتر المشاحنات المتزايدة بين رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون والمكلّف تشكيل الحكومة سعد الحريري، الأخير الذي يعمل وفق الأهواء والمزاجية السياسية المتحكم بها أدوات خارجية في قالبها الأساس تتصدر المشهد الرياض، ومن خلفها الإمارات أيضا. فالأيادي العابثة بلبنان والهادفة للضغط على محور المقاومة بحصار اقتصادي يخدم المحور الصهيوأميركي، يبدو أن الأيادي السعودية الإماراتية تتكفل بتنفيذه، فارضة حال من التعطيل والتمييع في ملف تشكيل الحكومة، مانعة الاتفاق وفارضة شروط مكثّفة مملية على الحريري تنفيذها.

ولأن وحدة الحال متقاربة بين الرياض وأبوظبي، فيبدو أن الحريري الذي لا يزور “السعودية” حاليا، يكثّف تحركاته مؤخرا نحو الإمارات، الذي تحدثت معلومات عدة عن محاولتها تحريك ملفات لبنان بما يتواءم ومصالحها، وأخذ موقع في قائمة الدول المحركة للملف اللبناني وتطوراته، في ظل رئيس مكلف ينتظر تحريك الخارج لملفاته الداخلية، يدخل إلى القصر الجمهوري بدعوة ويتأفأف من استكمال المسار كما تتطلب حاجة الناس، فالمماطلة والتأخير يجعلان من حقوق الناس وحياتهم في مهب العواصف الحياتية التي تبلور رياحها نيران الأزمات والانكسارات والانهيارات التي يعيشها البلد الرازح تحت وطأة الحصار والمناكفات السياسية التي لا تغني ولا تسمن المواطن عن جوع، بل تدفعه نحو قعر الهاوية  من دون أن يحرك ساكنا في الممارسات التدخلية السعودية الإماراتية. ولعل الجميع يعلم الدور الذي سبق أن رسمته الرياض في بيروت، وكيف عطلت البلد سنوات وحاولت شحن الوتر الطائفي وتبديد فرص التوافق وعملت على استخدام سياسة الابتزاز السياسي الذي لطالما جرف السيل السياسي من أجل تنفيذ أجندته، وهو لا يزال يفعل ما ينفعه على الرغم من الأزمات التي تطغى على السطح.

ورغم المشهدية العامة، لم يتوان وزير خارجية السعودية فيصل بن فرحان، عن إعلان التدخل المباشر وانتقاد الوضع في لبنان، وذلك في حوار مع شبكة “CNN” الأمريكية، إّ وجه انتقادات واضحة للطبقة السياسية، ووجه وكأنه مسؤول عن وضع لبنان، بوجوب إجراء “إصلاحات جوهرية” من مواصلة بلاده دعم هذا البلد، تبجّح بن فرحان وكأن لبلاده اليد الطولى في بيروت، وهدد بعدم الدعم لكنه لم يخبر المتلقيين لرسالته بشكل الدعم وحجمه، وبكلمات منمّقة قال إن “مستقبل لبنان بيد اللبنانيين”، وتابع: “لم يعد الوضع القائم في لبنان قابلا للتطبيق، ولا تشعر المملكة بأنه من المناسب الاستمرار في دعم الوضع الحالي الذي قدم لاعبا غير حكومي، أي “حزب الله”، يتمتع بحكم الأمر الواقع وحق الفيتو على كل ما يجري في البلد ويسيطر على بنيته التحتية الرئيسة.. فيما لا تفعل الطبقة السياسية سوى القليل للتعامل مع التحديات التي يواجهها الشعب اللبناني، سواء كان فسادا أو سوء الإدارة أو مشاكل أخرى”.

حديث فيصل بن فرحان يحمل دلالات واضحة وبارزة عن الدور الذي تلعبه الرياض في تعطيل التشكيل الحكومي الممسوك من قبل الحريري، الذي يرفض التنحي كما يرفض التشكيل في آن، وينتظر الأوامر الخارجية والمكاسب الخاصة على حساب شعب يتوزع على مساحة 10452كلم مربع، لكنه في الوقت عينه، يزعم بأنه “لا ينتظر رضا السعودية ولا غيرها من الأطراف الخارجية لتشكيل الحكومة”، خلال محاولاته الأخيرة لمهاجمة “حزب الله”، ولأن اللعب على وتر واحد متناسق بين الحرير والرياض، واضح ولا لبس فيه، جاء تصريح بن فرحان ليؤكد رواية الرئيس المكلف، وادعى بأن في رده على سؤال عما إذا كانت “السعودية مستعدة لدعم رئيس الوزراء اللبناني المكلف سعد الحريري، شدد بن فرحان على أن المملكة مستعدة لدعم أي شخص في لبنان سيتمكن من تبني أجندة إصلاحية”، وزعم بأن بلاده “لا نقف خلف أفراد في لبنان، وسنكون مستعدين للوقوف خلف لبنان ما دامت الطبقة السياسية هناك تتخذ خطوات حقيقية لمعالجة المشاكل التي يواجهها البلد”.

إذن، توغل السلطة السعودية في التدخل بالشأن اللبناني المتأرجح بين أنواع العواصف التي تُبرز الابتزاز السعودي المتواصل للبنان، وشعبه ومحور مقاومته، مقاومة رفضت المشروع الصهيوأميركي، فوجهت بعقوبات متواصلة ومشددة، تتمظهر أهدافها عبر الراعي السعودي الساعي لإتمام دوره، بورقة ضغط مباشرة يمثلها الحريري، ويسعى إلى تطبيقها عبر مراحل التأخير والتأجيل في إتمام التشكيلة الحكومية، غير معلومة الولادة في المقبل من الأيام.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى