ــالنشرةالنمر ثورة منتصرة

الانتهاكات السعودية ضد الشيخ النمر.. من أيام الجهاد حتى ما بعد الاستشهاد

لا أحد يعرف أو بإمكانه أن يتوقع ماهية انتقام السلطات السعودية بحق المعارضين السلميين، الذين ترى السلطة فيهم عائقاً أمام تغولها واستبدادها فتسل ضدهم سيف بطشها وانتقامها واضطهادها، ولعل مجريات الأحداث التي عاناها آية الله الشهيد الشيخ نمر باقر النمر منذ عودته من المنفى وممارسته للأنشطة الدينية والإنسانية والاجتماعية والفكرية والثقافية مروراً بالمعارضة السلمية لسياسات النظام السعودي ووقوفه بوجه منهجية الاستبداد والتمييز والقمع  والتهميش يحق فئات الشعب بمختلف تنوعاته وانتماءاته المناطقية والمذهبية، وصولاً إلى محاولات الانتقام العلنية من دوره وموقعه واعتقاله ومحاكمته غير العادلة، وصولاً إلى إعدامه وإخفاء جثمانه والإبقاء على اعتقاله الجسدي.. كلها مراحل متعددة شملتها الحملة السلطوية ضد الشيخ النمر، التي لم توفر السلطة أي وسيلة عسكرية أو سياسية أو قضائية إلا ومارستها ضده للانتقام منه ومن دوره الفاعل في حفظ كرامة الإنسان، ولم تتوقف الحملات المسعورة ضده حتى بعد استشهاده إثر اعتقال جسده المتواصل حتى اليوم، وإصرارها على عدم الإفراج عن جثمانه رغم المطالبات المتواصلة..

خاص – مرآة الجزيرة

في دهليز من الانتقام شرعت سلطات آل سعود للنيل من الشيخ النمر على مدى سنوات عمله الجهادي الرسالي، ومذ عودته إلى العوامية تعمدت السلطة التضييق على سماحته وحرمانه العمل وفق ما تقتضيه مصلحة المجتمع والدور الديني والاجتماعي. فكانت المضايقات سيدة الموقف عند كل منعطف. ومع إحيائه للشعائر الدينية وإعادة تفعيل صلاة الجمعة والجماعة والحضور إلى المساجد وإلقاء الخطب والتأكيد على دور رجال الدين في رفع المظالم عن المجتمع بأسره، كان الأرق والتخوف ينتاب السلطة من اسم النمر ودوره في إحياء وعي المجتمع الذي لا بد أن يرفض الظلم والانتهاكات والتمييز الطائفي الواقع عليه، وهذا الموقف الذي أرساه سماحته في نفوس المجتمع في القطيف والأحساء وحرك فتيله، لم يروق لنظام استبد وبطش بكل ما أوتي من قدرة من أجل تنفيذ سياساته القمعية والانتقامية.

لم يتوان الشيخ النمر عن استكمال مسيرته رغم تنكيل النظام، واستمر بالدفاع عن الإنسان، شاهرا سلاح الكلمة لإعلائها والوصول بالبشر إلى شط الأمان، مستفيدا من “الربيع العربي” لتحريك فيتل التظاهرات السلمية والانتفاض على كل أشكال الظلم الممارس، فكسر الحظر السلطوي المفروض على ممارسته للخطابة والتدريس منذ أغسطس 2008م، وأعاد تفعيل دوره الديني العملي مستهلاً خطاباته بالحديث عن الحرية السياسية ومحوريتها في التغيير السياسي، فكان عام 2011م، انعطافة بارزة في مسيرة سماحته وما يحاك ضده من مؤامرات سلطوية، جميعها لم تمنعه من من التراجع أو الهوان أو المهادنة التي جهد من أجلها النظام، وحاول بأدوات الاضطهاد والتنكيل أن يقمع حراك شباب القطيف بقيادة سماحته، فاستخدم الرصاص الحي وأسقط الشهداء، وأشعل روح الثورة في نفوس الشباب أكثر الذين كانوا ينتهجون منهج الشيخ النمر وتعاليمه فكان سماحته خط الدفاع الأول عن الشباب الثائر، وهنا، انهال بطش النظام ضده، واعتبره الخصم اللدود لردعه عن البطش والتنكيل.

الرصاص والمدرعات والاستدعاءات الأمنية التي بدأتها السلطة بحق سماحته، لم تمنعه من أن يجاهر بمعارضته لجميع الأنظمة المستبدة وتمسك بمواقفه القائمة على إيمان بحق الشعب العيش بكرامة وحرية وعدالة والتخلص من براثن الظلم والاستبداد، بكل أشكالها. ومع انتشار الخطابات السياسية لسماحته داخل البلاد وخارجها بجرأة غير مسبوقة كان من شأنها مواجهة المحرمات السياسية التي ابتكرتها السلطة والتي لم يتجرأ أحد على المساس بها منذ عقوداً من الزمن، وهنا ومع إثبات موقعية سماحته ودوره، بدأت السلطة حملات الهجمة السلطوية لتقييد الشيخ النمر، فكانت الاعتقالات لمدد متفاوتة، والاستدعاء المتكرر والتناوب العسكري على مراقبة منزل سماحته، وفي عام 2003م، اعتقل لعدة أسابيع إثر إقامة صلاة الجمعة في ساحة كربلاء، وحينها طلب منه ترك إقامة صلاة الجمعة والبرامج المختلفة وإزالة البناء الذي تقام فيه الصلاة في ساحة كربلاء ليطلق سراحه، وعام 2004م، اُستدعي من أجل إلغاء مهرجان البقيع، وجرى تطويق منزله بسيارات رجال المباحث وبعد عام أيضاص استدعي من أجل إلغاء مهرجان “البقيع الخطوة الأولى لبنائه” وقد استمر بقاء الشيخ في المعتقل من الساعة التاسعة والنصف صباحاً حتى الواحدة ظهراً، وقد أخذ منهم وعوداً بأن يعطى حقه في المطالبة بالبناء وغيرها من المطالبات. لكن الغدر السمة المتغلغلة في النظام المستبد وخلال عودته من البحرين بعد مشاركته في “مؤتمر القرآن الكريم” كان جلاوزة النظام بانتظاره عند جسر فهد وجرى وتعرض للتعذيب جسدياً على مدى اسبوع، وإلى عام 2008م، استدعي سماحته إلى وجرى اعتقاله مرة أخرى انتقاما من دوره الديني الرسالي على الذي أرّق راحة السلطة المستبدة، وزج بزنزانة انفرادية.

الإعلام السلطوي ومحاولات الانتقام من الشهيد النمر

عمليات مد وجزر، كانت المقاومة والسعي لتحقيق الرسالة، وكان النظام بأدواته كافة يحرّك سبل الانتقام من سماحته، وكان الاعتقال عام في يوليو 2012 بعد عملية مطاردة استخدم فيها الرصاص الحي فأصيب بأربع رصاصات في فخذه الأيمن، وقامت العسكرة السلطوية باختطافه من موقع الجريمة وهو فاقداً لوعيه لتنقله إلى المستشفى العسكري في الظهران وبعد ذلك إلى مستشفى قوى الأمن بالرياض ثم إلى سجن الحائر، وبقي هناك بكل ما قاساه من معاناة حتى بدء محاكمته غير العادلة التي بدأت في مارس عام 2013م. وخلال تلك الفترة، تولت الداخلية إصدار بيانات “أرهبة” الشيخ النمر وحاولت تشويه صورته أمام المجتمع، إلا أنها فشلت على الرغم من تسخير إعلامها وبياناتها لإلصاق الاتهامات غير الصحيحة وغير المسندة ضد الرمز الذي طالب بالحقوق والحريات السياسية وإلغاء التمييز الطائفي والإفراج عن المعتقلين. ولم يقل المشهد سوءة من تعامل السلطة عند بدء المحاكمة، الذي ابتدأت بمطالبة المدعي العام بإقامة حد الحرابة على سماحته استنادا إلى جملة اتهامات مفبركة ضده. ومع المحاكمة التي حملت الكثير من الانتهاكات والحرمان والانتقام المتعمد لم تتوان السلطة عن تجييش أّذرعها الإعلامية للتحريض ضد سماحته حتى وهو خلف القضبان، وخلال محاكمته غير العادلة إلى ما بعد استشهاده.

الحملات الإعلامية التي رافقت ممارسات النظام في الهجوم ضد سماحة الشيخ النمر ودوره، تبرزها الكثير من المقالات زالأخبار والتغريدات لأذرع السلطة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، كان الكاتب جمال خاشقجي الذي اغتيل في قنصلية الرياض في اسطنبول، نموذجا بارزا من حملات النظام، إذ كان يشكك منذ عام 2011م، في العقيدة الدينية عند الشيعة وحاول خلط الأوراق بين الدين والسياسة وتوجيه الاتهامات للشيخ الشهيد النمر، وانتقد ولاية الفقيه، وحرض ضد الحراك السلمي المطلبي وضد الشيخ النمر والأهالي، جاء في نص إحدى التغريدات “أخبار وصلتني قبل قليل ، للأسف نمر النمر يصعد والقى خطبة نارية، حماقة يجب أن يُوقف عند حده من أجل الوطن ومن أجل الشيعة أيضاً”. ولأنه كان بوقاً للنظام، لم يتأخر عن الإعراب عن فرحته بإعدام الشيخ وقال “قضت الدولة بحزم على نمر النمر ومشروعه الطائفي التقسيمي للوطن ولكن بيننا من يحي مشروعه بحملة تخوين ضد أخواننا الشيعة ودعوات غبية لمقاطعتهم”، واستكمل بالتحريض ضد أبناء المنطقة. فصل التحريض هذا جاء ضمن فصول الانتقام الممارس ضد سماحته ونهجه، والذي استمر إلى ما بعد استشهاده وسعت بكل ما أوتيت من وسائل من أجل تطييف القضية السياسية وولبتها قضائيا وتنفيذ الحكم الجائر رغم ما برز فيه من انتهاكات.

أعدم سماحة الشيخ النمر في 2 يناير 2016م، ولم تتراجع السلطة عن استمرار حملاتها ولم تهدء من روع انتقامها وطائفيتها، فعملت على التجييش ضد سماحته عبر تنفيذ إعدامه مع مجموعة تابعة لتنظيم إرهابي، بغية خلط الأوراق والتلطي خلف مكافحة الإرهاب المزعومة، وأدخلت البلاد والمنطقة في دوامة من التوتر والشحن المذهبي والطائفي عبر الاستناد إلى سردية مذهبية في مقاربة الأحداث وتنفيذها، وسعى الإعلام لتبرير الإعدام الذي هزّ العالم، واتخذت قناة “العربية” سياقات تبرير الإعدام واستندت إلى المذهبية والطائفية، وادعت بأن “الشيخ النمر مداناً بجرائم عدة من التحريض وتشكيل خلايا “إرهابية والتستر على مطلوبين”، وباتت أحكام الإعدام الصادرة والمنفذة شرعية وقانونية لردع “العابثين بأمن المملكة”، بحسب تعبيرها في ذلك الوقت.

أبواق النظام تلاحق نهج النمر بعد استشهاده

بعد الجريمة التي حرّكت العالم بأسره، وقطعت علاقات السلطة السعودية بإيران، وجيّشت جنودا من أجل الدفاع عن ممارساتها وانتهاكاتها، استكملتها الرياض بالتشبّث بعدم الإفراج عن جثمان الشيخ الشهيد بعد إعدامه، والتحفظ عليه والبقاء على اعتقاله في خطوة تنتهك كافة الشرع والقوانين والمواثيق المحلية والدولية والإنسانية، وعلى الرغم من الدعوات والمطالبات المتواصلة تتمسك الرياض بهذه السياسة النكراء من دون أن تحسب حساب لأي عواقب من شأنها تشويه صورتها وتكبيد البشر معاناة تفوق بحجمها أضعاف حجم انتهاكاتها في كل مكان. وعلى مدى خمس سنوات من الجريمة لا يزال الجثمان مغيبا وغير معلوم مكان مدفنه، وتواصل اللسطة العمل على الانتقام من فكر آية الله النمر حتى عقب ارتقائه شهيدا، لتثبت أن فكره ونهجه مبعث على الأرق لها في حياته وعقب استشهاده.

وعلى مدار سنوات الشهادة لم تتراجع السلطة عن تنفيذ أشكال متعددة من الانتقام المباشر، بمنع تسليم الجثمان لذويه وعدم الإفصاح عن مكان دفنه فحسب، بل لاحقت إرثه الفكري والإنساني، وتعمّدت النيل من كل من يسير على نهج سماحته. فالشباب الذي خرج في القطيف وسار على نهج سماحته لمقارعة الظلم والطغيان بات بين شهيد ومعتقل ومطارد ومغيب وبات الانتقام من النشطاء وإعدامهم بحد السيف.

ولم يسلم العلماء ورجال الدين الذين يعدون طلبة وأتباع الشيخ النمر من سطوة القمع حتى بعد خمس سنوات من شهادته في دلالة واضحة من خوف السلطة وأرقها من نهج وسيرة وعمل سماحته وما أرساه من قيم ومفاهيم في الحق والنصرة والجهاد لإعلاء كلمة الحق في كل زمان ومكان، ومهما كان جور السلاطين. وما شهده عام 2020، من حملة ضد نهج سماحته وأتباعه وهدم مسجد الإمام الحسين ع في حي الزارة في العوامية بما يحمل من رمزية ودلالة على الإرث الثقافي والحضاري والفكري لسماحته ليس سوى استكمالا للبغي السلطوي من آل سعود لتدمير كل ما يرتبط بسماحته ماديا ومعنويا. ولكن، هذه الحملات المترجمة للنفس الطائفي والانتقامي والتمييزي، ليس من شأنها أن تنال من علوم سماحته وفكره وما أرساه في نفوس المريدين ليس فقط داخل القطيف والأحساء بل في كل أصقاع الأرض حيث أضحى سماحته أيقونة الكرامة الإنسانية والنهج الرسولي والفكر الإسلامي الرسالي المقارع الظلم والطغيان والاستبداد والمناصر لكل المستضعفين في الأرض.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى