ــالنشرةتحليلات

التحولات السياسية في “السعودية” خلال حكم ترامب

مرآة الجزيرة ـ حسن الطاهر

تحكم العلاقات الأمريكية السعودية مصالح إقتصادية وأمنية متشابكة. إذ يقوم عماد هذه العلاقات على تقديم واشنطن، ضمانات أمنية للرياض مقابل الحصول على النفط وعلى مبالغ مالية ضخمة عبر صفقات الأسلحة. هذا التفاهم الذي نشأ منذ عقود بين الرياض وواشنطن ينطبق أيضاً على جميع دول الخليج، وقد وجد كردّة فعل مباشرة على فقدان واشنطن أحد حلفائها الرئيسيين في المنطقة وهو شاه إيران، الذي أطاحت به الثورة الإسلامية في إيران عام 1997. 

مع انتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية، اتّسمت العلاقات الأمريكية السعودية بالمزيد من العمق، على خلاف البرودة التي شهدتها خلال حقبة الرئيس باراك أوباما. وقد وصفت أول زيارة لترامب إلى “السعودية”، للمشاركة في قمة الرياض بالزيارة التاريخية ونقطة التحوّل في الشرق الأوسط، فسرعان ما تعاملت الرياض مع ترامب كحليف رئيسي واستراتيجي لها. لكن وفي خضم ذلك كله، لم يمتنع ترامب عن المجاهرة بخلافاته المرحلية مع الرياض وتهزيئها وإذلالها على مرأى ومسمع من جميع دول العالم.

في موازاة ذلك، ظهرت توترات بين الديمقراطيين والجمهوريين في الكونغرس الأمريكي على خلفية التعاطي مع الرياض في العديد من الملفات الساخنة. مرد ذلك بالدرجة الأولى لأسباب سياسية داخلية في الكونغرس نفسه، فقد بدا أن الديمقراطيين يبحثون عن قضية في السياسة الخارجية للإدارة الأمريكية، وقد تركزت الإنتقادات بشكل خاص على العدوان العسكري الذي تقوده “السعودية” ضد اليمن خاصة في ظل تدهور الأوضاع الإنسانية، وقضية اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي، التي أثارت حفيظة عدد من الديمقراطيين الذين أدانوا تفسيرات “السعودية” المتغيرة وغير المقنعة لمقتل خاشقجي. وبالرغم من تدهور العلاقات بين الرياض والديمقراطيين حافظت الرياض على علاقات قوية مع البيت الأبيض، بالأخص مع الجمهوريين القوميين المتشددين.

كانت ثمة العديد من الأسباب التي عزّزت العلاقات بين الرياض والإدارة الأمريكية، وأبرزها شن ترامب حملة من العقوبات للضغوط القصوى على إيران. وبالتالي، إرغامها على تنفيذ إملاءات سياسية معينة تتماشى مع مصالح واشنطن في المنطقة كالتطبيع مع الكيان الصهيوني ودعم وتمويل عمليات تطبيع بقية الدول العربية، والإستفادة من عدائية الرياض لطهران لإبتزازها لا سيما من خلال تحصيل المزيد من الأموال بشكل مباشر أو عبر صفقات عسكرية. فبحسب أرقام معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام تعد مبيعات الأسلحة الأمريكية “للسعودية” بين عامي 2017 و2019، أعلى مبيعات لإدارة واحدة بعد إدارة بيل كلينتون بين عامي 1993 و2000، وذلك دون احتساب المبيعات في عام 2020. فيما تأتي صفقات بيع السلاح الأمريكي “للسعودية” في مقدمة المصالحالتي تربط الدولتين خاصة وأن الرياض تأتي كأكبر مستورد للسلاح في العالم بنسبة 12 بالمئة من إجمالي واردات الأسلحة العالمية.

ومن الجدير بالذكر، التغييرات الإجتماعية اللافتة التي طرأت على المجتمعات السعودية، بهدف تلميع صورة الرياض في وعي الرأي العام العربي وإظهاره على أنه مجتمع منفتح من خلال تعزيز اختلاط الرجال والنساء في المطاعم، وبروز النساء في الشركات أو المكاتب الحكومية، وافتتاح دور السينما وإقامة حفلات موسيقية وغنائية صاخبة كانت تعد من المحظورات أثناء هيمنة السلطات الدينية الوهابية على البلاد. وكانت هذه التغييرات تخدم المصالح الأمريكية بالدرجة الأولى لتبرير العلاقات بين واشنطن والرياض، وتخفيف حدة الإنتقادات للعلاقات الأمريكية السعودية.

ظلت الأمور تسير على منوال منتظم بين إدارة ترامب والرياض، إلى أن بدأت حرب أسعار النفط بين “السعودية” وروسيا عام 2019 المنصرم، إذ كان منتجو النفط الصخري الأمريكي من بين الأطراف الأكثر تضرراً، فالوقود الصخري كان له أهمية كبيرة لدى إدارة ترامب، وهي ملتزمة ببرنامج هيمنة الطاقة الأمريكية عالمي. أثار خروج روسيا من إجتماع “أوبك بلس” الذي كان يهدف إلى تحقيق استقرار السوق ورفضها الاستمرار في اتفاقية تقليص الإنتاج القائمة حالياً غضب الرياض، ما جعلها تتكبد خسائر كبيرة وتضغط لتقاسم الأعباء من أجل السيطرة على أسعار النفط. ولكنها دفعت ثمنًا باهظًا في علاقاتها مع الولايات المتحدة.

أما في ما يعني الخلاف مع قطر، فبالرغم من انصياع “السعودية” المطلق لكافة قرارات الإدارة الأمريكية في عهد ترامب، إلا أنها خالفتها في إنهاء نزاعها مع قطر. لكن الأمور تغيرت مع وصول الرئيس المنتخب جو بايدن إلى سدة الحكم، حيث سارع السعوديون إلى إنهاء الخلاف مع الدوحة في خطوة قرأها محللون على أنها محاولة من الرياض لإمتصاص أي مشاحنة أو تصادم مع الإدارة الأمريكية في المستقبل، وذلك في الوقت الذي يعلن فيه بايدن انتهاج سياسة جديدة مع إيران.

واليوم، بعد انتهاء رئاسة دونالد ترامب تدخل العلاقات السعودية الأمريكية مرحلة جديدة في عهد الرئيس المنتخب جو بايدن، ولا شك أن للأخير آليات سياسية حيال الشرق الأوسط مغايرة تماماً عن تلك التي اعتمدها ترامب، ما سيجبر الرياض بطبيعة الحال على كبح جماحها في خوض الصراعات و إثارة النزاعات، لكن وفق ما يخدم الإدارة الأمريكية ومصالحها في المنطقة.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى