ــالنشرةتحليلات

ترامب يذلّ الرياض لأربع سنوات ثم يخرج ذليلاً

مرآة الجزيرة – زينب فرحات

منذ ثلاثينات القرن الماضي، والعلاقات السعودية الأمريكية تشهد ارتباطاً وثيقاً لسد حاجة متبادلة بين الطرفين، بحيث تحصل الولايات المتحدة على النفط، مقابل حماية حكم آل سعود. اختلف مستوى توطيد العلاقات بين الرؤساء الأمريكيين وملوك “السعودية” خلال السنوات الماضية، وقد أخذت شكلاً من المد والجزر. لكن لم يسبق أن جاهرت إدارة أمريكية بإذلالها للرياض كما فعلت إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب.

عيّنت واشنطن محمد بن سلمان ولياً للعهد عام 2017، بعد إقصائه لمحمد بن نايف، وجميع منافسيه في القصر، وفي أول زيارة له إلى الرياض حصل ترامب على مبلغ مالي ضخم تبلغ قيمته 450 مليار دولار، فضلاً عن الهدايا التي قدمت له ولعائلته من قبل العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز. كانت تلك أول دفعة لترامب قبل أن يبذل أي جهد، ولاحقاً تواترت الدفعات مقابل كل خدمة ينفذها للرياض، حتى أصبح يتعامل مع “السعودية” بمنطق العصابات لا كرئيس دولة، ويعمد إلى ابتزازها بصورة علنية للحصول على المزيد من الأموال.

على مدى أربع سنوات واصل ترامب إهانته “للسعودية”، ليتمكن من تحصيل المزيد من الأموال. ففي 13 أكتوبر/ تشرين الأول 2018 قال ترامب أمام تجمُّع شعبي بولاية آيوا الأمريكية مخاطباً سلمان بن عبد العزيز: “إيران كانت ستسيطر على الشرق الأوسط في غضون 12 دقيقة قبل أن أتسلم الرئاسة، وإن كنا سنحميك يجب أن تدفع”. وفي 29 سبتمبر/أيلول من العام نفسه، قال ترامب: “ربما لن تكون قادرًا على الاحتفاظ بطائراتك؛ لأن السعودية ستتعرض للهجوم، لكن معنا أنتم في أمان تام، لكننا لا نحصل في المقابل على ما يجب أن نحصل عليه”.

في عام 2019، وفي خطاب ألقاه أمام جموع من مناصريه في ولاية فلوريدا، قال ترامب: “دولة مثل السعودية غنية جدًا وليس لديها سوى المال.. صحيح .. فأعتقد أن بإمكانهم دفع النقود مقابل الدفاع عنهم صحيح”.وأضاف: “سيقومون بالدفع.. فهم يشترون الكثير منا.. يشترون كمية كبيرة من المعدات مقابل 450 مليار دولار”. أَما في عام 2020، فقد نقلت وكالة “رويترز” عن مصادر مطلعة، تأكيدها أن ترامب قال لولي العهد السعودي في مكالمة هاتفية في الثاني من أبريل/ نيسان الماضي إنه “إذا لم تبدأ منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) خفض إنتاج النفط، فلن يكون بوسعه منع أعضاء مجلس الشيوخ من سن تشريع لسحب القوات الأمريكية من المملكة”.

اللافت في العلاقات السعودية الأمريكية خلال عهد محمد بن سلمان، مستوى الإبتذال الذي اتسم به خطاب الإدارة الأمريكية مع الرياض. ومرد ذلك يعود إلى جملة من الأسباب التي تحكم طبيعة العلاقات السعودية الأمريكية وأخرى تتعلق بمحمد بن سلمان نفسه. أولى هذه الأسباب هو أن بقاء آل سعود في السلطة مرهون بالحماية الأمريكي لعروشهم. وثانيها، أن “السعودية” غارقة في العديد من الملفات الساخنة في المنطقة بحماية ودعم أمريكي مطلق، لا سيما تورطها في حرب اليمن والحرب السورية وتدخلها الصارخ في شؤون العراق ولبنان وقطر ومختلف دول المنطقة. بالإضافة إلى ذلك، جنون محمد بن سلمان في العرش، جعله يسلم أمره وبلاده بالكامل للإدارة الأمريكية، إلى يحد يصعب بعده الإعتراض على أوامر واشنطن أو كبح جماح رئيسها آنذاك. لأن ابن سلمان يعلم جيداً أن أي محاولة لإظهار العداء في وجه واشنطن ستكلفه كرسي الحكم.

رغم أن العلاقة بين “السعودية” وأمريكا بنيت على معادلة تتمثّل بتوفير الحماية من الجانب الأمريكي مقابل توفير النفط من “السعودية” وشراء الأسلحة من الولايات المتحدة. لكن هذه المعادلة بدأت تتغير تدريجياً مع إنتاج واشنطن للنفط الصخري، إذ أصبحت ترغب في إخراج “السعودية” من بعض الأسواق العالمية لتحلّ مكانها، لذلك تحوّلت العلاقة مع الرياض إلى منافسة أكثر منها إلى علاقة منفعة متبادلة كما كانت عليه في السابق.

وعليه، بدلاً من أن تحصل سلطات الرياض على شرعيتها من الشعب، ذهبت لتحصل عنها من واشنطن، وقد دفعت مقابل ذلك أثمان باهظة على المستوى المادي والمعنوي لم تدفعه دولة قط للولايات المتحدة. لو أن الرياض قدمت العدالة لشعبها وأمنت له حقوقه وحرياته، لما خرج ترامب ووجه لها كل تلك الشتائم العلنية، دون أن تتجرأ على الرد والدفاع عن نفسها، لأنه يعلم كم هي ضعيفة بدون حماية أمريكية، حتى أصبحت أضحوكة أمام دول العالم. وليس للإدارة الآتية سبيل آخر للتعامل مع الرياض، حتى لو اختلفت الآليات، فقد بلغ خضوع الرياض لواشنطن مستوى متقدم يمنح أي إدارة أمريكية جرأة كبيرة في تعاطيها مع “السعودية”.

وللمفارقة، أن ترامب نفسه الذي كان يذل الرياض على الدوام، ترك منصبه ذليلاً، بعدما خسر الإنتخابات الرئاسية، وأقصي خارج البيت الأبيض بإرادة القانون الذي حاول التنصّل منه والتحايل عليه ليبقى رئيساً. لم يقتصر الأمر هنا بل حتى موقع “تويتر” حجب حسابه بشكل نهائي، بإعتبار أنه يحرّض على العنف. هكذا انتهت قصة الرئيس الذي أذلّ ملوك الرياض، وجعلهم أضحوكة أمام دول العالم. فلو كان لدى هؤلاء الملوك من كرامة لوضعوا حدّاً لهذا الرجل وألزموه بإحترام العلاقات الدبلوماسية القائمة بين البلدين، لكنها عقدة الرجل الأجنبي ربما، تجعل آل سعود كسواهم من ملوك وأمراء الخليج يهابون القادمين من بلاد الضباب.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى