ــالنشرةالنمر ثورة منتصرة

الشهيد الشيخ النمر يخطط مستقبل المنطقة عبر “عريضة الكرامة”

السلطة لم تعر اهتماماً لهذه العريضة المطلبية التي لا تزال سارية المفعول حتى اليوم، وسط الاضطهاد المتزايد والتمييز الطائفي ومخططات الانتقام والنهج التعسفي، وسياسات القمع الشامل التي تعيق الحياة وتنتقص من كرامة الإنسان. ولاشك أن العريضة التي تحافظ على كرامة الإنسان ونهجه وفكره وحقوقه

خاص مرآة الجزيرة ـ سناء إبراهيم

ليس ثمة لبس في النهج الذي اتبعه آية الله الفقيه الشيخ نمر باقر النمر طيلة مشوار حياته وما تركه من إرث فكري بعد استشهاده. وكيف عمل على مواجهة الطاغوت ومقارعة الظالمين ومقاومة الاستبداد بكل أشكاله. فحوى منهج النمر وكلماته أرساه سماحته على مدى سنواته النضالية، فكانت هنالك محطات  للنضال الفكري والعملي، ولعل ما جاء في وثيقة العزة والكرامة التي ضمت 25 مطلبا حياتيا وسياسيا وحقوقيا وإنسانيا واقتصاديا، وشملت على جميع جوانب الحياة التي يريدها الفرد بعز وكرامة، كان لها الأثر الدامغ عقب استشهاده.

عام 2007م، وضمن مدافعته عن خطى الحق والسير على النهج الإنساني والاجتهاد لنيل المطالب ورفع سقف المطاب، خط سماحة الشيخ النمر “عريضة الكرامة” وبعثها برسالة إلى أمير الشرقية آنذاك محمد بن فهد عام 2007، حوت مطالب العدالة والمساواة والحرية والحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية، إلا أن إمارة الشرقية واجتها بالوعود الكاذبة والمماطلة والتجاهل، رغم أن العريضة شكلت نموذجاً شجاعاً وصريحاً وأسلوباً يُحتذى فيه المطالبة بالحقوق.

بداية العريضة، قال سماحته إنه سيتحدث فيها “بصراحة ووضوح ومن دون تقية ولا مجاملات، لأن التقية موردها دفع الضرر البالغ والخوف من وقوع الجور والظلم والاضطهاد وأنا لا أتوقع حدوث شيء من ذلك عليَّ ولذلك أنا لستُ مضطَّراً ولا مجبراً على ممارسة التقية التي لم تشرّع إلا لدفع الضرر البالغ من الجور والظلم والاضطهاد”، وخط المطالب الـ25 كدستور للعمل من أجل الإنسان. وتمنى في مقدمتها أن تتقبل السلطة كلامه الصريح رغم ما يحمل من واقع قاس وحقيقة مرة، إلا أن المواطن يعيشها بكل تفاصيلها. ولم يغب عن خط سماحته لتعريف معنى “الشيعي الرافضي، الذي يرفض الظلم والجور والاضطهاد”، وأوضحها كون السلطة تتعامل والقطيف والأحساء على أساس الطائفية والتمييز والانتقام.

 خاطب سماحته السلطة بكل عزة وكرامة وبصرامة وقوة، وقال بصريح العبارة إن الكرامة أعلى مبدأ في الحياة ولا يجوز لسلطة أن تنتهك هذه الكرامة، وقاعدة {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} ، وبالتقوى والقسط والعدل تقوم البلاد بحكمة ودون جور وطغيان  {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}، وبين في مقدمته، أن الله شرع الأحكام القضائية التي تمنع الظلم وأنزل معهم ميزان العدل والقسط لكي يمارس الناس القسط ويقوموا به ولا يظلم أحدٌ أحدا، منتبها إلى حجم الظلم والطغيان الواقعين على أبناء المنطقة

لم يتوان سماحته عن تفصيل ما يجب أن يفعله الحاكم، وكيف يتعامل مع الرعية، وأبرز أنه “بإقامة حكم العدل وإقامة حكم القسط يستوفي الإنسان جميع حقوقه ويعيش حياة كريمة في جميع الأبعاد المعيشية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعقائدية والشخصية وغيرها”، ومن هنا، فإن أوجب الواجبات على الحاكم أمران: “الأول: أن يقيم حكم العدل فلا يجور، أما الثاني، فأن يقيم حكم القسط لكي لا يظلم أحدٌ من الرعية أحداً آخر”.

من هنا، انطلق آية الله النمر، ليبرز أن المطالب لأهالي المنطقة تتلخص بطلب “العدالة والقسط والحرية في اختيار العقيدة رورة وممارستها وتبني الأفكار والرؤى ومناقشتها، وكذلك في اختيار المهنة وترقي المسؤوليات في جميع وأعلى أجهزة الدولة ومؤسساتها، والعدل في  استثمار الثروات التي أغدقها الله على هذه البلاد المباركة والتنعم بها”، وكذلك، دعا إلى فرض العدل والقسط والحرية في الرؤى والنظريات والمواقف والمشاركة السياسية والحرية الاجتماعية والقضائية. وبلور هذه المطالب العامة، بتفرعات واضحة تناولت  “التدوين والإقرار دستورياً للمذهب الشيعي، والاعتراف به، والإعلان عنه رسمياً، والاحترام والإنصاف له عملياً في جميع أجهزة الدولة ومؤسساتها”، وهذا المطالب النابع من الاستهداف الممنهج للشيعة بشكل همجي وعشوائي وطائفي.

وأكد أنه “يحق لأي إنسان مسلمٍ وغيره أن يعتنق المذهب الذي يرتئيه، فلكلٍّ الحق في اختيار مذهب أهل البيت مذهباً له يعتقد بأصوله وفروعه ويتعبّد بها، ولا يحق لأحد إكراهه على تمذهبه أو إجباره على تركه أو ترهيبه لذلك أو منعه من ممارسة شعائره أو مضايقته”، داعيا إلى  إلغاء كافة القوانين والنظم والتعميمات والإجراءات التي تتعدى أو تنتهك أو تُقصي المذهب الشيعي أو أتباعه، ومن أوجب الأمور  استبدال جميع مناهج الدين في المدارس والجامعات  عبر منهج موحد يُقتصر فيه على المشتركات بين المذاهب ولا تدوّن فيه أي مسألة خلافية بين المذاهب، أو وضع مناهج لكل مذهب والمتعلم هو الذي يختار المنهج، ومن الخيارات التي وضعها أن توضع المناهج حسب الغالبية السكانية، وهذا يعني تدريس المنهج الشيعي في القطيف وما شابهها، ورغم كل الخيارات العملية وغير المناهضة لأي أحد، إلا أن السلطة واجهتها بالتهميش وعدم المبالاة.

الحق في بناء أضرحة الأئمة في البقيع، كان ضمن المطالب، لكن السياسات الواهبية كانت طاعغية ولا تزال، ودعا سماحته إلى السماح  ببناء الحوزات والكليات والمعاهد الدينية التي تُدرس العلوم والمعارف الإسلامية المستوحاة من القرآن وروايات الرسول وأهل بيته عليهم السلام، كما هو الحال في العراق وإيران وسوريا ولبنان وغيرها من دول العالم الإسلامي، و” الاستقلال الكامل للمحاكم الجعفرية عن المحاكم الشرعية الكبرى، ومنعها عن التدخل في أي شأن من شؤون القضاء الشيعي، وتوسيع صلاحية القضاة الشيعة في محاكمهم بقدر ما يتطلبه المنصب القضائي للحكم والفصل بين الناس، ومتطلباتهم وشؤونهم الشرعية”، إضافة إلى ” السماح بتشكيل مجلس للعلماء الشيعة”، وجميعها حقوق مشروعة تكلفها القوانين الدولية والشرعات العالمية.

 ووسط الاضطهاد الطائفي، طالب سماحته ببناء المساجد والحسينيات والمراكز والمؤسسات الدينية، والسماح للناس بممارسة جميع شعائرهم الدينية، إضافة إلى  إعطاء الشيعة حصة منصفة تتناسب ونسبتهم وكفاءتهم لبيان الأمور الدينية في الإعلام الرسمي بجميع أنواعه، وأيضا في إمامة الصلاة في الحرم المكي والمسجد النبوي، والسماح للكتاب الشيعي بالدخول من الخارج والطباعة في الداخل، والتقليل من نسبة البطالة، وإيجاد فرص العمل، وغيرها من المطالب السياسية والدينية والاجتماعية.

ولكن، ورغم التناسب ونظم الأحرف، إلا أن السلطة لم تعر اهتماماً لهذه العريضة المطلبية التي لا تزال سارية المفعول حتى اليوم، وسط الاضطهاد المتزايد والتمييز الطائفي ومخططات الانتقام والنهج التعسفي، وسياسات القمع الشامل التي تعيق الحياة وتنتقص من كرامة الإنسان. ولاشك أن العريضة التي تحافظ على كرامة الإنسان ونهجه وفكره وحقوقه. فقد ارتقى سماحة الشهيد النمر، وبقي إرثه دامغا ليس فقط لدى البيئة الداخلية بل لدى المجتمع بأسره، وبقيت عريضة الكرامة تحاكي مطالب المنطقة وأهلها وأبنائها الذين لا يزالون يقارعون الطغيان بكل ما أوتوا من قوة، مستندين على مبدأ النمر نهجا ومضموناً بأن “الكرامة” أغلى ما يملك الإنسان.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى