تحليلات

بين موسكو والرياض جليدٌ لم يُكسَر

الرياض وموسكو، اسمان لا يغيبان عن ملفات المنطقة ومستجداتها، فلا ملفٌ يخلو من برودة القطب الشمالي وحرارة أرض الحجاز، ولا حدثٌ يغيب عن ناظرهما، خطوط التَماس بين هاتين الدولتين كثيرة، ومواقف الاختلاف أكثر وأشد من مواطن الاتفاق، وهذا ما دفع البلدين إلى التحاور فعسى الملفات تُغلق والأزمات تُحل، وعسى الشمس ترسم فجراً جديداً من العلاقات، من هنا انطلقت قافلة الحوار بين الطرفين واضعةً إشارة استفهام كبيرة عن مدى إمكانية الوصول إلى توافق وخاصة في الآونة الأخيرة حيث تكثفت الزيارات بين البلدين.

في نظرةٍ سريعة إلى الملفات المهمة التي تجري في المنطقة نجد أن الملف السوري هو أشد الملفات سخونة وأكثرها إثارةً للجدل والخلاف، وفعلاً كان هذا الملف هو العنوان الرئيسي للقاءات بين المسؤولين السعوديين والروس والتي تصاعدت في الآونة الأخيرة على أمل الوصول إلى حلٍ للأزمة السورية المستمرة منذ أكثر من ٤ سنوات، ويمكن اعتبار زيارة لافروف إلى قطر هي نقطة البدء في تكثيف المحادثات، إذ زار وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف قطر في أوائل أغسطس/آب والتقى نظيره السعودي هناك، وبحث الطرفان سبل حل الأزمة السورية.

لم تنتهِ المباحثات في قطر فبعد أسبوع زار وزير الخارجية السعودي عادل الجبير موسكو، وتم خلال زيارة الجبير بحث الأزمة السورية مجدداً، السعودية كانت تطمح خلال المباحثات مع الروس إلى إقناعهم بتغيير موقفهم من الرئيس الأسد، وهذا ما أشار إليه الجبير عندما نوه إلى أن السعودية “تؤمن أن بشار الأسد انتهى”، في حين أن روسيا كانت تحاول إقناع الرياض بالكف عن ممارسة دورها التخريبي في سوريا وهذا ما أكده لافروف في قوله: “إننا متفقون على أن داعش يمثل شراً وخطراً يهدد الجميع… نحن متفقون أيضاً على ضرورة توحيد الجهود في مكافحة هذه الظاهرة، في أقرب وقت وبأقصى درجات الفعالية”.

لم يستطع الجبير في زيارته لموسكو تقريب وجهات النظر، فرغم إدعائه الموافقة على حل الأزمة وفقاً لجنيف إلا أنه بقي مصراً على تحييد الرئيس الأسد عن السلطة، وهذا ما رفضته روسيا بشكل قطعي، فالرئيس الأسد هو رئيس قانوني انتخبه الشعب السوري، كما أن جنيف الذي اتفق الطرفان عليه ترك تحديد من سيحكم سوريا للشعب السوري، أي أن إصرار السعودية على إبعاد الرئيس الأسد هو خروج عن اتفاق جنيف، وهذا ما اعترض عليه لافروف بتأكيده على أن موسكو لا تزال تصر على ضرورة أن يقرر السوريون أنفسهم ملامح التسوية في سوريا ومستقبل البلاد .

الموقف الروسي ليس جديداً، فموسكو ومنذ بداية الأزمة السورية لاتزال تؤكد أن الرئيس السوري بشار الأسد خطٌ أحمر لا يحدد مصيره إلا الشعب السوري، وأمام إصرار السعودية على إخراج الرئيس الأسد من المعادلات السياسية رد لافروف “لا أرى أن من اللائق أن يعوّل أحد الأطراف الفاعلة المشاركة في الأحداث حول الأزمة السورية بصورة أو بأخرى، على حل قضية الرئيس السوري بشار الأسد بطريقة عسكرية، وذلك لأن السبيل الوحيد لتحقيق هذا الحل العسكري يكمن في استيلاء داعش والإرهابيين الآخرين على السلطة”.

في كلام لافروف تنويه إلى أن السعودية غير جدية في محاربة الإرهاب طالما أنها مصرة على رحيل الأسد، والوزير الروسي بتصريحه هذا شكك بصدق النية الروسية في محاربة الإرهاب، وهذا ليس غريباً عن روسيا التي تدرك أن الرياض متحالفة مع واشنطن، أي أن موسكو تشم في المخططات السعودية الرائحة الأمريكية، ولهذا فهي ترى أن الرياض غير جديرة بثقتها، وللوصول إلى حلٍ جدي يجب خوض حوارٍ مع أمريكا صاحبة القرار وليس السعودية.

انتهت اللقاءات وعاد وزير الخارجية السعودي إلى بلاده دون أن يستطيع التغلب على برودة موسكو التي بدت أكثر تمسكاً بموقفها من ذي قبل، وهذا ما فشلت السعودية في تقديره، إذ كانت تتوقع مرونةً وتغيراً في الموقف الروسي، ولكنها اصطدمت بموقف أصلب مما كانت تتصوره، فانكسر طموح الرياض أمام إصرار موسكو التي لا ترى في السعودية دولةً تصلح لأن تكون موضع ثقة وخاصةً أن السعودية أصبحت مسؤولة عن هدر دماء عدة شعوبٍ عربية.

الوقت 

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى