النشرةمقالاتوما قتلوه

الشهيد النمر.. رأسي بكرامتكم!

مرآة الجزيرة – المحامي طه الحاجي

تمرُّ علينا الذكرى الثانية لاستشهاد الشيخ نمر النمر مليئة بأحداث كثيرة مفصلية ومهمة غاب فيها الرأي الآخر اتجاه المواقف الصعبة والأحداث الكبرى، فشخصيات المجتمع التزموا الصمت لأن السلطة باتت بالمرصاد للتنكيل بكل صاحب رأي مخالف، ولم يعد هناك مَنْ هو على استعداد لتقديم ثمن الجهر بكلمة الحق أمام السلطان الجائر, كما كان يفعل الشهيد النمر برباطة جأش وجرأة مواجهة واستعداد لتحمل التبعات والأثمان سجناً وتعذيباً بل وقتلاً تحت حدّ السيف!

في ظل هذه الأحداث المهمة لا يخطر على البال إلا شخص واحد كان قادراً أن يقف بالصوت والصورة ليُعلن رأيه دون خوف أو تقية.. هو الشيخ نمر النمر وليكرر موقفه ويثبت على رأيه مهما تعرّض لتهديد أو مهما عُرض عليه من عروض واغراءات، فمثله لا ترهبه تهديدات الديكتاتورية ولا تشتريه اغراءات الملوك والأمراء!

منذ اليوم الأول من عام ٢٠١٦ تغيرت الأوضاع في القطيف والأحساء وبدأت حقبة جديدة. فبإعدام رمز شيعي على مستوى العالم وإخفاء وصيته وموقع دفن جثمانه الطاهر، كان إعلان حرب مكشوفة على المجتمع الشيعي بأكمله.. إعلان بأن كل شيء بعد سفك دم النمر بات مباحاً ويمكن انتهاكه، وأن على الجميع الرضوخ لرغبات السلطة وسياساتها.

لقد كان واضحاً الاستهتار السعودي برأي المجتمع الشيعي ورموزه، وبالرأي الحقوقي كما بالرأي الدولي وعدم المبالاة بأي شي بعده.

الشيخ نمر النمر كان استثناءً في كل الاتجاهات إلا أن استثناءه الأكبر هو الشجاعة في قول الحق، فحتى مَنْ نصحه بتخفيف لهجته يُقرّ له بشجاعته في موقفه وأنه كان لا يخشى مما قد يقابله وأنه كان يتوقع إعدامه ولم يثنيه ذلك عن نصرة المظلومين في بقاع الأرض وفي داخل وطنه.

كان استثناؤه أنه ينصر المظلومين دون تفرقة طائفية، فرغم الاصطفاف المذهبي والطائفي الذي حدث في موجات “الربيع العربي” إلا أن الشيخ نمر النمر وقف موقفاً واحداً مع الجميع، نصر المظلومين من مختلف الفئات والطوائف والتوجهات.

وكان استثناءً في كرامته حتى بذل دونها حياته ودمه.

كان أحد أبرز الانتقادات الموجهة للشيخ النمر وحركته بأن حوله شباب يوصفون بالتهور والجهل, وكان هو يرى بأن الاحتواء قادر على الإصلاح، وأن الاصلاح السياسي وإعطاء المواطنين حقوقهم للعيش الكريم سيُصلح الشباب ليكونوا متعلمين صالحين وعناصر فاعلة ومنتجة في المجتمع، وفعلاً استطاع تحقيق ذلك فمريديه وأنصاره فضلاً عن طلابه وحوارييه هم الآن شعلة من النشاط في خدمة مجتمعهم، وكفاءات في مجال عملهم وتخصصاتهم، وبعد استشهاد الشيخ اتضح صواب رأيه أكثر، فبتغييبه لم يجد الشباب من يحتويهم وتكالبت عليهم الظروف فكثرت أخطاء بعضهم, وتشتت السبل ببعضهم الآخر, فيما لا تزال الفئات التي سهر الشيخ النمر على تربيتها وتنشئتها وصقل شخصياتها تتمسك بنهجه وتقتفي درب مسيرته  في العلم والعمل والحياة.

ورغم إعدام الشيخ النمر إلا أنه لا يزال منتصراً وما زالت السلطة السعودية تقاوم وجوده وتحاول مسح ومحو كلِّ آثاره،  فبعد استباحة العوامية اقتحمت القوات السعودية مدعومة بالمدرعات والعربات المصفحة وعشرات الجنود المدجيين بالسلاح الخفيف والمتوسط، اقتحموا جامع الإمام الحسين(ع) الذي احتضن نشاط الشيخ النمر وكان معقل حركته، وتم العبث به وتخريبه، ثم عمدت قوات المهمات الخاصة إلى إزالة كافة صور الشهيد النمر التي كانت تملأ الشوارع هيبة وعزة وكرامة، كما هدمت السلطات السعودية في وقت مبكر ساحة كربلاء التي كان يقيم فيها الشيخ بعض الفعاليات والأنشطة الجماهيرية، واليوم تتوارد الأخبار عن نية لهدم جزء من جامع الإمام الحسين(ع) بحي “الزارة” رغم كونه خارج نطاق المسوّرة ومخططات مشاريع الهدم والتطوير التي زعمتها السلطة.

فرغم مرور عامين على سفك دماء الشهيد الشيخ النمر وتغييب جثمانه ما زال حاضراً بفكره وروحه ومشاريعه وتوجيهاته يذكرنا ويذكر كافة محبيه ومخالفيه بكلمته الخالدة: “رأسي بكرامتكم”!

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى