الرئيسية + دراسات وبحوث + التنافس السعودي المصري لعبة الزعامة ومكر التاريخ!

التنافس السعودي المصري لعبة الزعامة ومكر التاريخ!

 

لم يكن تاريخاً مريحاً ذاك الذي يروي سيرة العلاقات السعودية المصرية.. ليس البحر وحده الذي يفصل الدولتين، إذ تمتلىء محفظة التاريخ بوقائع لا حصر لها على الخصومة بين نظامين متنافرين يعبّران عن رؤيتين، ومشروعين متناقضين.

بين جغرافية الجزيرة العربية، التي تتموقع عليها المملكة السعودية، وتاريخية مصر تكمن أسرار اللاتلاقي بين الموقع والموقف، وكذلك التوسعية السعودية ومحورية مصر حيث يستحضر الراهن روايات مقطوعة الصلة بالواقع التاريخي، ويتبرّع الرواة غير الرسميين وغير الشهود بحياكة وقائع لم تقع، وماض لا حقيقة له.

ولكن مكر التاريخ أشدّ وطئاً من السيرة المزوّرة..سوف نبدأ من حيث التقت البنادق افتتاحاً لعلاقة تأسست على قاعدة أزمة، لا تزال باقية وتتجدّد بتجدّد التناقض بين المواقع والأدوار.

واقعة المحمل المصري

في ذاكرة مصر والمصريين وقائع مؤلمة حول ماجرى على محمل الحج المصري في العام 1807. فقد كان المحمل يأتي كل عام ومعه كسوة الكعبة والهدايا مصحوباً بالأهازيج والأفراح التي تعبّر عن حب المصريين للديار المقدّسة..

محمد علي باشا

في العام 1221 للهجرة الموافق 1807 للميلاد، قرّر الحاكم الوهابي في نجد سعود بن عبد العزيز بن محمد آل سعود والمعروف بإسم سعود الكبير منع الحجيج من القدوم إلى مكة المكرمة. وأمر سعود بإحراق موكب الحج المصري فور وصوله (وأمر بعد الحج أن ينادى ألاّ يأتي إلى الحرمين بعد هذا العام من يكون حليق الذقن. وتلا المنادي في المناداة «يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربون المسجد الحرام بعد عامهم هذا»..).

وعلى إثر قرار التكفير السعودي: (إنقطع وصول قوافل الحج من مصر والشام والعراق واستانبول، لأن السعوديين كانوا يرون فيما يصاحب هذه القوافل من المظاهر، ما يخالف قواعد الدين، ولا يتّفق مع مبادىء الدعوة السلفية الوهابية، بالإضافة إلى أن هذه المحامل كان يصحبها قوة عسكرية خشي منها آل سعود، ولذلك لم يسمح السعوديون لهذه القوافل بأن تصل الى الأماكن المقدسة).

كان قرار منع الحجيج كفيلاً بإثارة غضب المسلمين في عموم الأرض. وصدرت الأوامر من الاستانة عاصمة الدولة العثمانية الى والي مصر محمد علي باشا بوضع حد للواقع الشاذ في الحجاز ووسط الجزيرة العربية.. وقد تمّ ذلك.

صدر قرار الدولة العثمانية العاجزة عن إدارة شؤون المناطق الخاضعة تحت سلطانها، إلى والي مصر محمد علي باشا بإنهاء الوضع الشاذ وسط الجزيرة العربية منذ منتصف القرن الثامن عشر، أي بعد تحالف الشيخ محمد بن عبد الوهاب والأمير محمد بن سعود في منتصف القرن الثامن عشر الميلادي.

جهّز محمد علي باشا حملة عسكرية بقيادة إبنه طوسون باشا، فعبرت البحر ووصلت إلى ينبع، ولكن نقص العتاد تسبّب في فشل الحملة، فاضطر طوسون الى إعادة تنظيم صفوف جنوده بعد أن أرسل في طلب إمدادات من مصر، في وقت كان يرسل موفدين عنه الى زعماء الحجاز لاستمالتهم، وقد نجح في ذلك إذ عانى أهل الحجاز طويلاً من تصرّفات الغزاة الوهابيين.

سهّلت استمالة زعماء الحجاز وقبائله مهمة طوسون باشا، فاستعاد المدينة المنورة ومكة والطائف، فلجأ الوهابيون الى الحملات المباغتة والدموية، كما فعلوا ذلك في تربة بالطائف والحناكية، وقطعوا طرق المواصلات بين مكة والمدينة.

كان تأخّر وصول الإمدادات من مصر الى جيش طوسون قد ترك آثاراً خطيرة على الجنود، حيث انتشرت الأمراض، الى جانب قلة الزاد والماء التي أضرّت كثيراً بالجيش المصري، فأوقف حملته ريثما تصل المساعدات العاجلة من الضفة الغربية من البحر الأحمر.

قرّر محمد علي باشا أن يتولى بنفسه قيادة الحملة العسكرية ضد الوهابيين، وفي 26 أغسطس سنة 1812 غادر محمد علي باشا مصر على رأس جيش غير الذي جاء به طوسون، ونزل في جدّة وبعد سيطرته عليها، تحرّك ناحية مكة وهاجم معاقل الوهابيين. وبسبب نقص الامدادات تأجلت حركة توسّع الجيش المصري. وفيما كانت المساعدات تصل الى جيش محمد علي باشا، توفي الحاكم السعودي الأمير سعود الكبير بن عبد العزيز بن محمد آل سعود في 27 إبريل سنة 1814.

كان سعود الكبير قد سبق بدء الحملة العسكرية بقيادة طوسون بشهرين ومحاصرته المدينة المنورة، إذ جاء بصورة عاجلة اليها وجهّز قوة قدّرت بثمانية آلاف رجل بقيادة ابراهيم بن عفيصان. وقبل سفر سعود الى المدينة المنورة، توقّف في مكة وأهدى الشريف مالاً كثيراً.. وكان غرض سعود بهذه الهدايا، والعهد الجديد مع الشريف غالب، استمالته إليه، وحتى لا ينقل ولاءه الى الأتراك، فالشريف قبل منه ذلك في الظاهر، ولكنّ مشروعه مستقل عن الأتراك وسعود معاً.

وحين وصل طوسون وسيطر على المدينة المنورة، هرب قائد القوات السعودية ابراهيم بن عفيصان، وتم إنزال الهزيمة بالوهابيين. ويرى ابن بشر أنه لولا تواطؤ أهالي المدينة ما سقطت بيد الغزاة:

«ثم إن العساكر المصرية كادوهم بكل كيد، وسدّوا عنهم المياه الداخلة في وسط المدينة، وحفروا سرداباَ تحت سور قلعة المدينة، وملؤوه بالبارود وأشعلوا فيها النار، فانهدم السور فقاتلهم من كان فيها من المرابطة قتالاً شديداً.. ثم أهل المدينة فتحوا للترك باب البلد، فلم يدر المرابطة الا والرمي عليهم من الترك داخل البلد».

وقبل أن تنطلق الحملة العسكرية نحو مكّة المكرمة، انحاز الشريف غالب للقوات المصرية وسلّمهم ميناء جدة للاستفادة منه، وتمكّنت القوات المصرية من الوصول الى البلد الحرام، وبمساعدة الشريف غالب وقبائل البدو المؤيدين لها، ودخلت مكة دون حدوث أدنى قتال، فيما انسحبت قوات عبد الله بن سعود الى قرية العبيلا.

وتكرّر السيناريو نفسه في الاستيلاء على مكة والطائف، حيث نجح طوسون في استمالة الشريف أولا، ثم تبعه من رعايا الدولة العثمانية. وكان استيلاء القوات المصرية على مكّة حدثاً احتفالياً في العالم الاسلامي، وكما يذكر الجبرتي في تاريخه: «ولم تكن فرحة الاستيلاء على مكة في مصر والآستانة بأقل من فرحة الاستيلاء على المدينة»، ويصف المظاهر الاحتفالية في مصر «أن القاهرة زُيّنت على أثر وصول نبأ فتح مكة اليها خمسة أيام متواليات، بخلاف ما ساد نجد من حزن نتيجة لهذه الهزائم».

تفادت القوات المصرية التصادم مع السكان المحليين ولا سيما مع القبائل، وأبقت على سياسة الاحتواء واستمالتهم بالمال والهدايا، في المقابل شن سعود حملات ضارية على القبائل والبوادي من حرب وجهينة فسبى نساءهم، وهدم بيوتهم وقطع نخيلهم، وفعل الأفاعيل بهم، فما زاد ذلك هذه القبائل الا تمسكاً بالحملة المصرية، او ما يسميها ابن بشر (بالتركية)، ويسميها مؤرخون نجديون آخرون بحملة (الروم) المشركين طبعاً.

بيّت الحكام السعوديون نيّة الانتقام من القبائل النجدية التي خرجت عن طاعتهم، فقد هرب كثير من القبائل بإبلهم وأملاكهم المنقولة، فداهم الوهابيون منازلهم، وأخذوا ما وجدوا فيها من الإناث ـ أي النساء ـ والامتاع. وقام سعود بحملات تأديبية ضد القبائل. ويذكر مؤرخ الوهابية المعاصر حينها وهو عثمان بن بشر في حوادث عام 1229هـ وفاة الامير سعود الكبير، وقد أثر موته على ضعف القوات السعودية، كما أن عقدة القبائل التي خلقها الرعب تلاشت بموته، وبقي خليفته الأمير عبدالله الذي بدا هزيلاً في قيادته وبلا هيبة كسلفه، والتي حصل عليها عبر حروبه الدائمة والمتواصلة خلال ما يزيد عن عشرين عاماً. وفي النتائج، لم تبال القبائل بعبدالله، رغم إظهاره القوة والعنف بين فترة واخرى، وانضمت بسرعة الى قادة الحملة المصرية.

كان عبد الله ضعيفاً ولم تكن لديه خبرة عسكرية تُمكنه من مواجهة الجيش المصري، فانهارت الجبهة النجدية الوهابية، وتساقطت المناطق الواقعة تحت سيطرة الوهابيين في الحجاز بيد محمد علي باشا، فيما نجح طوسون باشا في بسط سيطرته الكاملة على القسم الشمالي من نجد.

بقيت القوات المصرية في الحجاز وأجزاء من نجد بضع سنوات تحت إشراف الدولة العثمانية، وفي الخامس من سبتمبر سنة 1816 أرسل محمد علي باشا حملة عسكرية أخرى بقيادة ابنه إبراهيم باشا وتمكّن من الوصول إلى الدرعية وحصارها بعد مواجهات حامية مع الوهابيين، ما اضطر الأمير عبد الله بن سعود إلى طلب التفاهم مع الجيش المصري، وقبل تسليم الدرعية إلى الجيش المصري، ثم قام ابراهيم باشا بهدم الدرعية، وأسر عبد الله بن سعود ومن معه من الأمراء وشيوخ الوهابية وأرسلهم الى والده محمد علي باشا في مصر.

طوسون باشا، قائد حملة مصر ضد الحكم الوهابي

وفي مطلع ديسمبر سنة 1816 أرسل محمد علي باشا عبد الله بن سعود ومعاونيه الى الآستانة، حيث تمّ إعدامهم وطيف بأجسادهم في الشوارع. ونقل تقرير خاص للسفارة الروسية بالآستانة، نشره المؤرخ اليكسي فاسييليف، ما يلي:

«في الأسبوع الماضي قطعت رؤوس زعيم الوهابيين ووزيره وإمامه الذين أسروا في الدرعية ونقلوا إلى العاصمة مؤخراً. وبغية إضفاء المزيد من الفخفخة على الإنتصار على ألد أعداء المدينتين اللتين تعتبران مهد الإسلام.. أمر السلطان في هذا اليوم بعقد المجلس في القصر القديم في العاصمة. وأحضروا إلى القصر الأسرى الثلاثة مقيّدين بسلاسل ثقيلة ومحاطين بجمهور من المتفرجين. وبعد المراسيم أمر السلطان بإعدامهم. قطعت رقبة الزعيم أمام البوابة الرئيسية للقديسة صوفيا، وقطعت رقبة الوزير أمام مدخل السراي، وقطعت رقبة الثالث في أحد الأسواق الرئيسية في العاصمة. وعرضت جثثهم ورؤوسها تحت آباطهم وبعد ثلاثة أيام ألقوا بها إلى البحر. وأمر صاحب الجلالة بأداء صلاة عمومية شكراً لله على انتصار سلاح السلطان، وعلى إبادة الطائفة التي خرّبت مكة والمدينة ونشرت الذعر في قلوب الحجاج المسلمين وعرضتهم للخطر».

كان انهاء الوضع الشاذ في الجزيرة العربية منذ ظهور الوهابية في نجد مطلب جمهور كبير من المسلمين وليس الدولة العثمانية فحسب، فقد آلم المسلمين منعهم من أداء فريضة الحج، يؤيدهم في ذلك أهالي الحجاز الذين ذاقوا مرارة السيف والمعاملة القاسية من الوهابيين.

واجه محمد علي باشا الوهابية بالعقيدة كما واجهها بالسلاح، كما يظهر ذلك في اصطحابه ثلّة من شيوخ الأزهر الذين أوكل إليهم مهمة الرد على معتقدات الوهابية، وتفنيد مزاعمها التكفيرية، ومحاربتها للطرق الصوفية الرائجة.

بعد طرد الوهابيين من الحجاز ـ من مكة المكرمة والمدينة المنورة على وجه الخصوص ـ نشطت قوافل الحج التي انقطعت لسنوات بسبب هيمنة الوهابيين على شؤون الحج. وفي هذه المرة كانت القوافل تأتي بالاحتفال بعودة مكة والمدينة الى سابق عهدها، وكان الحجيج يحتفون بالنصر.

ارتفع نجم محمد علي باشا في أرجاء الدولة العثمانية، كونه القائد العسكري الذي أخرج الوهابيين من الديار المقدّسة، فيما منح إبنه طوسون باشويّة جدّة، وأما في الآستانة فقد أقيمت الاحتفالات بمناسبة تسلّم السلطان العثماني مفاتيح الحرمين.

وفي النتائج، إنهارت الدولة السعودية الأولى على أيدي المصريين، وبمعاونة أهالي الحجاز وكثير من قبائل نجد التي وجدت مصلحتها في التخلي عن مبايعة آل سعود. إكتشف الحكام السعوديون أن استعمال القوة والقسوة ضد الرعايا ليس ضمانة لاستقرار وبقاء الحكم، ففي لحظة ما مناسبة ومع تخلخل أركان السلطة قرّر كثير من القبائل التنكّب من جبهة الوهابيين الى جبهة محمد علي باشا الذي أرسل الهدايا والمال لزعماء القبائل لاستمالتهم الى جانبه، الذي أثار استياء الوهابيين لاعتقادهم بأنهم بالدين يمكنهم اختطاف إرادة أتباعهم.

فحين كان محمد علي باشا يسير بعساكره ويسيطر على منطقة تلو أخرى من شهران وبلاد مشيط ثم عسير، وفيما كان أحمد طوسون يجهّز العساكر لاجتياح نجد وكان في المدينة المنورة، راسله أهل الرس وأهل الخبراء القريتان المعروفتان في القصيم وكاتبوه، فأرسل طوسون الى العسكر الذي في الحناكية وأمر أن يسيروا إليهما، فساروا الى القصيم وأطاع أهل الخبراء والرس، فدخلتها القوات المصرية واستوطنت فيها.

وهنا ينقشع سحر المزاعم الوهابية، في سياق معادلة جديدة، لا صلة لها بالمجتمع الديني الذي أراد ابن عبد الوهاب إقامته، فقد تبيّن حين تميل كفة الحرب لصالح القوي يكون للناس موقف آخر، طلباً للسلامة أولاً، وللمصلحة تالياً. وهذا ما تحدّث عنه المؤرخ الوهابي ابن بشر في روايته عن موقعة الغبيراء، إذ كتب في كتابه: (عنوان المجد في تاريخ أهل نجد) صفحة 321 في أحداث سنة 1233هـ:

«وكانت وقعة سمحة، وانهزم أهل الدرعية وذلك أن الباشا بعد وقعة الغبيراء خرج إليه أناس من البلد وأخبروه بعوراتهم ومعاديهم، وكان أكثر ما شدّ ظهور الترك في نجد والبلدان، وأسكن جأشهم وقواهم على أهلها، أناس تبعوه من أهل نجد ومن رؤساء البوادي، ممن كانت نبتت لحومهم وجلودهم، هم وأبناؤوهم وأقاربهم، على جزيل عطايا آل سعود وفضائلهم، ولا نالوا الرئاسة إلا بسببهم، فظنوا أنهم إذا سابقوا إلى الترك وساعدوهم يفعلون بهم كفعل آل سعود معهم..».

وتمكّنت القوات المصرية بمساعدة القبائل التي انضمت إليها من انزال هزيمة قاسية بأول فرقة سعودية تلتقي بها تحت قيادة (جابر جبارة ومسعود ابن مضيان).. وأخذ طوسون بعد ذلك يضع الخطط، ويقوم بعمليات التجهيز اللازمة للزحف نحو المناطق، وكانت خطة طوسون أساساً تقوم على استمالة أكبر عدد من القبائل العربية في الحجاز ونجد. على سبيل المثال، وجد طوسون في (نصر الشديد) رئيس قبائل الحويطات وعربه، أداة سهلة في القيام بمهمة السيطرة على المدينة المنورة بتقديم الهدايا والخلع لمشايخ العربان عن طريقهم، بالاضافة الى قيامهم بعمليات الاستكشاف له في هذه المرحلة، وقد ذكر محمد علي ان القبائل التي استطاع ابنه طوسون أن يستميلها عن طريق (نصر الشديد) وعربانه هي: الحويطات، العبابدة، بلي، الطربيني، الخمايسة، الصوالحة، العليقات، مزينة، تبه، الكواملة، لحون، عمران، علوين، عميرات، الدقيقات، بني عقبة، بني واحل، جهينة. وكلها من القبائل القاطنة بالقرب من المدينة أو على الطريق اليها. وعن طريق مساعدة هذه القبائل، لم تلق قوات طوسون صعوبة كبيرة في زحفها نحو المدينة في بادىء الأمر، وتمكنت بسهولة من الاستيلاء على قريتي (السويقة، وبدر) بعد اشتباك بسيط مع الفرق السعودية التي كانت في كل منهما.

ويذكر صاحب كتاب لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبد الوهاب، أن قبائل حرب صالحت طوسون في أواخر سنة 1228 للهجرة وتعهّدت أن تقاتل معه: «وكان في آخر سنة الثامنة والعشرين من هذا القرن مصالحة بعض الطوائف من حرب مع (طوسون) باشا، حيث جاء كبارهم اليه بالهدايا من الخيل النجاب والإبل، فأعطاهم مالاً كثيراً، وكساهم بأفخر كسوة. وقد تعهّدوا له أن يسيّروا كل غزو من غزواته الى أي موضع يشاء من أطراف الحجاز التي تحت طاعة سعود.

وحين وضعت قبائل نجد أمام خياراتها، تنبّهت الى ما فعله الوهابيون بأملاكها ورجالها، وكان ذلك سبباً للتنصل من أي بيعة فرضت تحت تهديد السيف. فقد هال القبائل ما وقع على أفرادها وأموالها وبساتينها إبان الحملات الوهابية على قرى نجد، ولمّا وصلت الحملة المصرية انتصرت لمصلحتها على المزاعم الوهابية التي خضعت هي الأخرى لتحدي من مزاعم مضادة جاء بها محمد علي باشا، حين وصفت جنوده بالمسلمين على طريقة المؤرخ الوهابي ابن بشر ووصف الوهابيين بالخوارج.

الوهابية تهاجم المحمل المصري مجدداً
ابراهيم باشا، هزم السعوديين ودمّر معقل الوهابية وعاصمتهم الدرعية

بدا الوضع هادئاً في الجزيرة العربية، وكانت قوافل الحجاج تسير بهدوء وسلام لسنوات طويلة، في غياب مصادر تهديد من نجد، لا سيما من جانب المتشدّدين الوهابيين. لكن في العام 1902 تحرّك عبد العزيز آل سعود من الكويت بدعم من بريطانيا من أجل السيطرة على الرياض وإنهاء حكم ال الرشيد. وما لبث أن تمدّد شرقاً الى الاحساء والقطيف وسيطر على المنطقة في العام 1913.. وفي كل مرة كان يستثمر اختلال موازين القوى المحلية والإقليمية والدولية فيتمدّد في أرجاء الجزيرة العربية.

في مؤتمر القاهرة في الفترة ما بين 12 ـ 23 مارس سنة 1921 بهدف إرساء سياسية بريطانية موحدة في الشرق الأوسط، إستدعى وزير المستعمرات الجديد حينذاك وينستون تشرشل القادة العسكريين والمدراء المدنيين في الشرق الأوسط لحضور المؤتمر واجتمع بهم في القاهرة، وتمّ الاتفاق على بقاء لبنان وسوريا تحت الإدارة الفرنسية، فيما تحافظ بريطانيا على الانتداب في فلسطين وصولاً الى تأسيس الوطني القومي لليهود. وتقرّر انهاء الحماية البريطانية في العراق وأن يصبح فيصل الأول ملكاً عليه، والإبقاء على الدعم المالي لكل من الشريف حسين في مكة، والملك عبد العزيز في نجد.

وبعد نهاية المؤتمر أرسل تشرشل الكولونيل لورانس للقاء الشريف حسين وعرض هديّة سخيّة عليه للقبول بالمشروع البريطاني في فلسطين. وكان أول عرض مالي قدّمه لورانس للشريف هو 80 ألف روربية، ولكن الشريف رفض. ثم زاد لورانس في العرض المالي وكان عبارة عن 100 ألف جنيه استرليني سنوياً، ولكن الشريف رفض المساومة وبيع فلسطين لليهود.

تسبّب قرار الشريف في خسارته مملكته، وهدّده لورانس بإطلاق العنان لجيش ابن سعود لاحتلال الحجاز، فيما بدأت بريطانيا بتخفيض المعونة المالية السنوية الى أن تمّ إيقافها بصورة كاملة فيما بعد. وفي مارس سنة 1924 قدّمت بريطانيا معونة مقطوعة لابن سعود مهّدت لحملة عسكرية واسعة على الحجاز، انتهت بالإطاحة بحكم الشريف حسين وسيطرة عبد العزيز، الذي نال اعتراف بريطانيا في فبراير 1926، أي بعد شهر من استكماله السيطرة على الحجاز.

في الثاني والعشرين من يونيو سنة 1925 الموافق أول أيام عيد الأضحى لسنة 1340 للهجرة، وبينما كان محمل الحج المصري المؤلّف من مجموعة من الجمال التي تحمل كسوة الكعبة برفقة قوة عسكرية للحراسة وآلاف الحجاج المصريين، وإذ تعترضهم بصورة مباغتة قوة من جيش ابن سعود من الإخوان.

وفي رد فعل عاجل، بادر أمير الحج المصري اللواء محمود عزمي باشا إلى طلب وساطة عبد العزيز فأرسل ولديه سعود وفيصل واحداً تلو الآخر لمنع تحرّش الإخوان الوهابية وصدامهم مع بعثة الحج المصرية، لكن باءت المحاولات بالفشل، فواصل الاخوان رمي الحجاج المصريين بالحجارة وأطلق بعضهم البنادق على جنود الحراسة المصريين المصاحبين للمحمل وهم يكبّرون ويهلّلون. وبعد إصابة أربعة من الجنود المصريين، أصدر أمير الحج أوامره بالرد بالمدافع على قوة الإخوان المهاجمة فسقط 25 رجلاً من الإخوان و40 جملاً، وعندئذ اضطروا للتراجع لإعادة تنظيم صفوفهم.

وقرّر أمير الحج اللواء محمود عزمي باشا عدم إكمال رحلة الحج، وأبلغ الحكومة المصرية بعودة بعثة الحج بمن فيها من حجاج تحت حراسة مشددة خوفاً من ثأر اخوان ابن سعود (جيشه). وغيّر اللواء عزمي باشا مسار المحمل من الطريق البري حتى ينبع إلى طريق ميناء جدة، لكن قوة من الاخوان كانت قد ترصّدت المحمل عند مضيق جبلي قبل جدة، وهم مسلحون بالبنادق وعاودوا الهجوم على الحجاج المصريين لكن القوة العسكرية المصرية بادرتهم بنيران مدافعها التي حصدت منهم 250 بين قتيل وجريح وأجبرتهم على الفرار، وركب الحجاج المصريون المراكب من جدّة عائدين إلى مصر. وفي القاهرة تم استقبال المحمل استقبالاً رسمياً وشعبياً حافلاً.

عرفت الحادثة بحادثة المحمل.. وقصة المحمل المصري ترتبط بشعائر الحج إلى بيت الله الحرام وما يرتبط بالحج من كسوة الكعبة سنوياً.

فقد انفردت مصر منذ العصر المملوكي، أي حوالي منتصف القرن الثالث عشر الميلادي وعلى مدى سبعة قرون وحتى نهاية الربع الأول من القرن العشرين، بإرسال الكسوة السنوية إلى الكعبة والأماكن المقدسة الإسلامية الأخرى في الحجاز.

وتتكوّن كسوة الكعبة من القماش الفاخر والمطرّز بآيات القرآن الكريم والزخارف الإسلامية، وكانت توضع فوق هيكل خشبي يحمل على جمل وأصبح يطلق عليه إسم المحمل ثم ترسل إلى مكة المكرمة حيث يتم كسوة الكعبة بها في احتفال مهيب. واكتسب المحمل صفة رمزية، فهو رمز رحلة الحج السنوية، ويكون في مقدمة الحجيج، وقوافلهم؛ وهو رمز قدسية الحج نفسه، كونه يحمل الكسوة ـ ثوب الكعبة، وكونه ايضاً يرمز الى مسيرة الحج وقدسيته من قبل الحجاج مكة، لهذا كان المحمل يحمل معنى قدسياً وتشهد انطلاقته ـ كما عودته بالحجاج ـ احتفاليه كبرى، سواء جرت في مصر او دمشق او غيرها.

كان المصريون يبدون اهتماماً كبيراً بهذا المحمل، حيث يقام عند إرسال المحمل سنوياً إحتفال رسمي وشعبي وتعطّل فيه المصالح الحكومية ويحضره كبار رجال الدولة وتشارك فيه فرق من الجيش وكبار رجال الدين والطرق الصوفية.

ويأخذ الاحتفال طابعاً شعبياً حيث تشارك قطاعات واسعة من الشعب وتصاحبه الفرق الموسيقية وتتخلّله عروضٌ شعبية لها مسحة صوفية، وكانت الشوارع والميادين تتلألأ بالزينات وبمظاهر الاحتفالات الشعبية والاستعراضات العسكرية، حيث يتولى أمير الحج المصري قيادة المحمل والقوات العسكرية المصاحبة للحراسة وآلاف الحجاج المصريين. وكان يرافقه أيضاً بعض الفرق الطبية لتوفير العلاج، إلى جانب قافلة محمّلة بالصدقات والمعونات والهبات المرصودة لأهالي الحجاز، وتحمل الأغذية والأموال والأقمشة لتوزيعها على الفقراء في مكة والمدينة، من خلال التكية المصرية التي تتولّى إطعام الفقراء وكسائهم وعلاجهم على مدار العام.

وفي ختام الاحتفال، ينطلق المحمل إلى الأراضي المقدسة بالحجاز حيث يُستقبَل من أهالي الحجاز إستقبالاً حافلاً وتقام له الاحتفالات الرسمية في جدّة ومكة والمدينة.. وفي غمرة الاحتفالات والاستعراضات العسكرية والمهرجانات الدينية والشعبية، تجري مراسم كسوة الكعبة وأداء شعائر الحج وتوزيع الصدقات على الفقراء. فكان أهالي الحجاز يشاركون في هذه الاحتفالات، التي يتم فيها توزيع القمح والملابس. وبعد إتمام مناسك الحج يعود المحمل المصري وتجري مراسم احتفال آخر شعبي بعودة الحجاج الى ديارهم.

(الخليفة) في القاهرة أم في الرياض؟
الدرعية عاصمة ال سعود الأولى

وبالرغم من الأسباب العقدية المباشرة لحادثة المحمل، حيث يعتبر الوهابيون رمزية المحمل شرك بالله، إلا أن ثمة أسباباً سياسية واقتصادية كانت وراء وقوعها. فبعد إلغاء الخلافة العثمانية في مارس سنة 1924 بدأ التنافس بين الملك فؤاد والملك عبد العزيز على منصب الخلافة. وفي الثالث عشر من مايو سنة 1926 عقد المؤتمر الإسلامي العام للخلافة بمصر في دار المعاهد الدينية التابعة للجامع الأزهر في الحلمية بمدينة القاهرة برئاسة الشيخ محمد أبي الفضل شيخ الأزهر ورئيس المؤتمر، وحضور عدد من المشايخ والرموز الدينية والسياسية في مصر وبلدان عربية واسلامية من بينهم:

الشيخ محمد مصطفى المراغي رئيس المحكمة الشرعية العليا من مصر، والشيخ عبد الرحمن قراعة مفتي الديار المصرية من مصر، والسيد الإدريسي السنوسي أمير برقة وطرابلس من طرابلس الغرب، ومحمد الصالحي التونسي العضو في مجلس الأمة الكبير في تونس، والسيد محمد الصديق من كبار العلماء والأشراف من مراكش، وأحمد بهار الدين أفندي مندوب جمعية الخلافة بجنوب إفريقيا، وأبو بكر جمال الدين أفندي مندوب الجمعية الإسلامية بجنوب إفريقيا، والدكتور عبد الله أحمد مندوب جزر الهند الشرقية، وعناية الله خان المشرقي رئيس دار العلوم بالهند، والميرغني الإدريسي من أمراء تهامة اليمن، والشيخ عبد الرحمن بن علي من قضاة اليمن سابقاً وأعيانها، والشريف يحيى عدنان باشا أحد رموز أشراف الحجاز، والشيخ خليل الخالدي رئيس محكمة الاستئناف الشرعية من فلسطين، وأسعد الشقيري مجلس التدقيقات الشرعية بالآستانة سابقًا، وإسماعيل الخطيب المحامي الشرعي بفلسطين، وعطا الله الخطيب أفندي مدير أوقاف بغداد من العراق، وعبد العزيز الثعالبي أفندي الأستاذ في كلية آل البيت ببغداد، ويعقوب شنكوفيتش أفندي المفتى الأكبر لجمهورية بولونيا من أعضاء المؤتمر بأوربا.

وفي خطبة الافتتاح التي ألقاها سكرتير شيخ الأزهر جاء:

«كان لزوال الخلافة ما تعلمون من الوقع الشديد في أنفس الشعوب الإسلامية، ولقد تجاوبت أصواتهم من الأرجاء البعيدة والنواحي المختلفة يتلمسون سبيلاً إلى الرشاد، ويتطلبون عقد مؤتمر إسلامي عام ينظر في الأمر من ناحية الدين، فنظر العلماء في ذلك نظرة خالصة لله تعالى، واجتمعوا اجتماعاً تاريخيًّا، وقرروا عقد المؤتمر على ما علمتم قيامًا بواجبهم الديني».

«وقد أشير في أسباب هذا القرار إلى أن مركز الخلافة في نظر الدين الإسلامي ونظر جميع المسلمين له من الأهمية ما لا يعدله شيء آخر. لما يترتب عليه من إعلاء شأن الدين وأهله، ومن توحيد كلمة المسلمين وربطهم برباط قوي متين». فوجب على المسلمين أن يفكروا في نظام الخلافة على قواعد توافق أحكام الدين الإسلامي، ولا تجافي النظم الإسلامية التي رضيها المسلمون نظمًا لحكمهم».

وألقى الشيخ فراج المنياوي كلمة شدّد فيها على أن أمر المسلمين بين أيديهم دون سواهم، حاثًّا على الوحدة الإسلامية.

وفي الخامس عشر من مايو من العام نفسه 1926 عقدت الجلسة الثانية من المؤتمر شاركت فيها شخصيات مصرية وعربية وإسلامية أخرى. فمن مصر شارك محمد الببلاوي نقيب السادة الأشراف بالديار المصرية، وعبد الحميد البكري شيخ مشايخ الطرق الصوفية بالديار المصرية، والشيخ محمد عبد اللطيف الطعام شيخ معهد الإسكندرية بمصر، والشيخ عبد الغني محمود شيخ معهد طنطا بمصر، الشيخ محمد الأحمدي الظواهري شيخ معهد أسيوط بمصر (الذي أصبح شيخ الأزهر لاحقاً)، والشيخ إبراهيم الجبالي شيخ معهد الزقازيق بمصر، والشيخ عبد المجيد اللبان المفتش بالمعاهد الدينية بمصر.

وقدّم المجتمعون مقترح تشكيل لجنة مؤلفة من تسعة أعضاء: ثلاثة من كل مذهب، والعاشر يكون شيخ السادة الحنابلة، فيما اقترح عبد العزيز الثعالبي أن يكون شيخ السادة الحنابلة مستشاراً، فوافق المؤتمر على ذلك.

ثم أخذت الآراء بطريق الانتخاب السرّي لتأليف اللجنة التي تبحث المسائل الثلاث الأولى من برنامج المؤتمر وهي:

1 ـ بيان حقيقة الخلافة وشروط الخليفة في الإسلام.

2 ـ الخلافة واجبة في الإسلام.

3 ـ بم تنعقد الخلافة؟

ثم أعلن شيخ الأزهر، وهو في الوقت نفسه رئيس المؤتمر، النتيجة فكان الذين نالوا أغلبية الأصوات:

  • حنفية:

الشيخ عبد الرحمن قراعة من مصر.

الشيخ خليل الخالدي من فلسطين.

الشيخ أحمد هارون من مصر.

  • مالكية:

الشيخ عبد العزيز محمود من مصر.

السيد محمد الببلاوي من مصر.

الأستاذ عبد العزيز الثعالبي أفندي من العراق.

  • شافعية:

الشيخ محمد الأحمدي الظواهري من مصر.

الشيخ حسين والي من مصر.

الشيخ حسن أبي السعود من فلسطين.

ووافق المؤتمر على أن يضم إلى هذه اللجنة الشيخ محمد سبيع الذهبي، شيخ السادة الحنابلة بالديار المصرية، بصفة مستشار.

ثم أخذت الآراء بطريق الانتخاب السري أيضاً لتأليف اللجنة التي تبحث المسائل الثلاث الأخيرة من برنامج المؤتمر، وهي:

1ـ هل يمكن الآن إيجاد الخلافة المستجمعة للشروط الشرعية؟

2ـ إذا لم يكن من الميسور إيجاد هذه الخلافة فما الذي يجب أن يعمل؟

3ـ إذا قرر المؤتمر وجوب نصب خليفة فما الذي يتخذ لتنفيذ ذلك على أن يراعى في انتخاب هذه اللجنة أن يكون لكل شعب عضو واحد فيها لم يسبق انتخابه في لجنة بحث الخطب والاقتراحات إذا لم يوجد غيره من شعبه في المؤتمر.

المحمل المصري حيث كسوة الكعبة تنقل الى الحجاز بمعية قافلة الحجاج

وأعلن رئيس المؤتمر النتيجة، بأن تتألف اللجنة من كل من:

1 ـ الشيخ محمد مصطفى المراغي من مصر

2 ـ الشيخ عطا الله الخطيب أفندي من العراق

3 ـ أبو بكر جمال الدين أفندي من جنوب أفريقي

4 ـ الشيخ محمد الصالحي التونسي من تونس

5 ـ السيد محد الصديق من مراكش

6 ـ يعقوب شنكوفتش أفندي من بولوني

7 ـ عناية الله خان المشرقي من الهند

8 ـ الشريف يحيى عدنان باشا من الحجاز

9 ـ السيد الميرغني الإدريسي من اليمن

10 ـ محمد مراد أفندي من فلسطين

11 ـ الدكتور الحاج عبد الله أحمد من جزر الهند الشرقية

12 ـ السيد الأدريسي السنوسي أمير برقة وطرابلس

واعتذر الشيخ محمد مصطفى المراغي من العمل في اللجنة بعذر قَبِله المؤتمر، فانتخب عبد الحميد البكري بدله.

وفي الثامن عشر من مايو 1926، عقدت الجلسة الثالثة من المؤتمر برئاسة شيخ الأزهر وزاد على المشاركين محمد بخيت مفتي الديار المصرية سابقًا، وأحمد تيمور باشا عضو مجلس الشيوخ، ووحيد الأيوبي بك من الأعيان، والشيخ محمد حبيب العبيدي مفتي الموصل، والشيخ عبد الله سراج قاضي قضاة الحجاز سابقًا.

واتفق المجتمعون على اعتماد آلية التصويت في اختيار أعضاء اللجان أيضاً في انتخاب الخليفة، وقال الشيخ إبراهيم الجبالي: رأى المؤتمر في تشكيل اللجان أن تمثّل جميع الشعوب، ورأى في اجتماعه من أول الأمر أن تؤخذ الأصوات باعتبار عدد الحاضرين.

وقال الشيخ محمد مصطفى المراغي: (الأمر واضح، فإذا قلنا: إننا نريد أن نعيّن خليفة من فلسطين أو العراق فليكن بعدد أصوات الأمم، وإذا قلنا: إنه يشترط في الخليفة أن يكون عادلاً حرًّا إلى آخر شرائطه، فلم أر معنى لأخذ الأصوات بحسب الأمم).

وطالب عبد العزيز الثعالبي أفندي بالاكتفاء بالنقاش العلمي في نظرية الخلافة قبل الانتقال الى مجالات تطبيقها، وقال:

«لا أرى داعيًا لهذا التشاد. نحن الآن معروض علينا مسألة علمية، فلنبتّ فيها، ثم بعد ذلك إذا عرضت علينا مسائل أخرى، فعندئذ نعطي فيها رأينا، فلماذا نستعجل الشيء قبل أوانه؟».

ثم تلا الشيخ محمد الأحمدي الظواهري ـ مقرر اللجنة العلمية المؤلّفة لبحث المسائل الثلاث الأولى من برنامج المؤتمر ـ تقرير اللجنة التي ألّفها المؤتمر الإسلامي العام للخلافة بمصر في جلسته المنعقدة يوم السبت 3 ذي القعدة الحرام سنة1344هـ (15 مايو سنة 1926م) لبحث المسائل الثلاث الأولى من برنامج المؤتمر وهي:

1 ـ بيان حقيقة الخلافة وشروط الخليفة في الإسلام.

2 ـ الخلافة واجبة في الإسلام.

3 ـ بم تنعقد الخلافة.

وبعد المباحثة ومراجعة الكتب المعول عليها قررت ما يأتي بيانه.

المسألة الأولى: بيان حقيقة الخلافة وشروط الخليفة في الإسلام

حقيقة الخلافة: هي رياسة عامة للدين والدنيا وحفظ حوزة الملة نيابة عن صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم. فلابد في تحقيقها من الجمع بين الرياستين: الرياسة الدينية والرياسة الدنيوية، وفصل إحداهما عن الأخرى أو تقييد الخلافة بإحداهما دون الأخرى مخرج للخلافة عن معناها الحقيقي ونقض لأصل عقد الخلافة بين الأمة والخليفة، ولا يتصوّر وجودها بدون إحداهما.

المسألة الثانية: الخلافة واجبة في الإسلام

وجاء فيها أن: الإمامة أو (الخلافة) واجبة في الإسلام، وقد استدل لهذا في شرح العقائد بقوله صلى الله عليه وسلم (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية). وفي الشرح: «ولأن الأمة قد جعلت أهم المهمات بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم نصب الإمام، على ما في الصحيحين من حديث سقيفة بني ساعدة، وكذا بعد موت كل إمام، ولأن كثيراً من الواجبات الشرعية يتوقف عليه كتنفيذ الأحكام وإقامة الحدود، وسد الثغور، وتجهيز الجيوش، وقسمة الغنائم، وقهر المتغلبة والمتلصصة، وقطاع الطرق، وقطع المنازعات الواقعة بين العباد، وقبول الشهادات القائمة على الحقوق، ونحو ذلك من الأمور التي لا يتولاها آحاد الأمة».

وفي المسألة الثالثة: بم تنعقد الخلافة؟

جاء: اتفق العلماء على أن لانعقاد الخلافة ثلاث طرائق:

الطريقة الأولى: النص من الإمام السابق.

الطريقة الثانية: بيعة أهل الحل والعقد من المسلمين.

الطريقة الثالثة: (التغلب والقهر من شخص مسلم، وإن لم تتحقق فيه الشروط الأخرى).

وحدّد أعضاء اللجنة شروط الإمام وهي: أن يكون عدلاً شجاعاً. ومن الشروط أيضًا القرشية وقد اختلفوا في المراد منها.

وفي الجلسة الرابعة من المؤتمر في السابع من ذي القعدة سنة 1344هـ الموافق للتاسع عشر من مايو سنة 1926 بحضور من حضروا الجلسة الثالثة، وزاد عليهم الشيخ إسماعيل الخطيب المحامي الشرعي بفلسطين، والشيخ عيسى منون مندوب بالمجلس الإسلامي الأعلى بفلسطين، والشيخ عبد القادر الخطيب، مفتش الأوقاف بسوريا ولبنان.

وتمّ تقديم تقرير اللجنة، وعيّن عبد الحميد البكري شيخ مشايخ الطرق الصوفية رئيسا للجنة، والشيخ عطاء الله الخطيب أفندي مندوب العراق مقررًا للجنة.

محمد رشيد رضا يقترح: ابن سعود خليفة المسلمين!

وتذاكرت في المسائل الأخيرة من برنامج المؤتمر وقرّرت:

أولاً: المسألة الرابعة (هل يمكن الآن إيجاد الخلافة المستجمعة للشروط الشرعية؟).

وقرّرت اللجنة: «إن الخلافة الشرعية المستجمعة لشروطها المبينة في تقرير اللجنة العلمية (الذي أقرّه المؤتمر في الجلسة الرابعة) والتي من أهمها الدفاع عن حوزة الدين في جميع بلاد المسلمين، وتنفيذ أحكام الشريعة الغراء فيها، لا يمكن تحققها بالنسبة للحالة التي عليها المسلمون الآن».

ثانياً: المسألة الخامسة (إذا لم يكن من الميسور إيجاد هذه الخلافة فما الذي يجب أن يعمل).

وقررت اللجنة الآتي: «إن مركز الخلافة العظمى في نظر المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وفي نظر أمم العالم جميعًا (له) من الأهمية الكبرى ما يجعله من المسائل التي لا يمكن البت فيها الآن للأسباب المذكورة. لما يجب أن يراعى في حل مسألتها الحل الذي يتفق مع مصلحة المسلمين في الحاضر والمستقبل».

من أجل هذا تقرر ما يأتي: «تبقى هيئة المجلس الإداري لمؤتمر الخلافة الإسلامية بمصر، على أن ينشئ له شُعَباً في البلاد الإسلامية المختلفة يكون على اتصال بها لعقد مؤتمرات متوالية فيها حسب الحاجة، للنظر في تقرير أمر الخلافة الإسلامية النظر الذي يتفق مع مركزها السامي».

ثالثاً: المسألة السادسة: (إذا قرّر المؤتمر وجوب نصب خليفة فما الذي يتخذ لتنفيذ ذلك) وقرّرت اللجنة فيها: (حيث إن المادة المذكورة معلّقة على قرار المؤتمر، فلم تر اللجنة ضرورة للبحث فيها للأسباب المذكورة في قرار اللجنة بالمادة السابقة).

وفي يوم الاثنين الخامس من ذي القعدة سنة 1344هـ، الموافق السابع عشر من مايو سنة 1926م، انعقدت اللجنة المؤلّفة لبحث المسائل الثلاث الأخيرة من برنامج المؤتمر الإسلامي العام للخلافة بمصر في دار المؤتمر برئاسة عبد الحميد البكري، وتوصّلت اللجنة الى:

«إن للخلافة شأنًا عظيمًا بين المسلمين، وكان ذلك الشأن بارزاً بكل ما يتصور من مجد وعظمة أيام الخلفاء الراشدين، وأيام كانت كلمة المسلمين متحدة، وآمالهم متجهة نحو جهة واحدة من إعلاء كلمة الله تعالى ونصرة دينه، ورفع شأن الإسلام والمسلمين؛ إلى أن ظهر الضعف فيهم، وتضاءل نفوذ الخلافة، فأصبحت عبئاً ثقيلاً على من يتحملها، حتى إن الأتراك نبذوها بدلاً من أن يروها عماداً عظيماً يبنون عليها مجدهم، ومسنداً هامّاً يسندون إليه ظهورهم، وعلى أثر ذلك اجتمعت هيئة كبار علماء مصر، وأصدرت قرارها المعروف بشأن الخلافة، فأثارت بذلك مسألة البحث فيها من جميع نواحيها».

«ولقد اشتمل قرار العلماء على أن الإمام يحوط الدين وينفّذ أحكامه، ويدير شؤون الخلق على مقتضى النظر الشرعي، وعلى أنه صاحب التصرّف التام في شؤون الرعية، وأن جميع الولايات تستمد منه، فعلم من ذلك أن أهم الشروط في الخليفة: أن يكون له من النفوذ ما يستطيع معه تنفيذ أحكامه وأوامره، وأن يدافع عن بيضة الإسلام وحوزة المسلمين طبق أحكام الدين».

وتساءلت اللجنة: وهل من الممكن الآن قيام الخلافة الإسلامية على هذا النحو؟ فأجابت: «إن الخلافة الشرعية بمعناها الحقيقي إنما قامت على ما كان للمسلمين في الصدر الأول من وحدة الكلمة واجتماع الممالك مما جعل الإسلام كتلة واحدة يأتمر بأمر واحد، ويخضع لنظام واحد كما ذكرنا آنفاً». واستدركت: «أما وقد تناثر عقد هذا الاجتماع، وأصبحت ممالكه وأممه متفرقة بعضها عن بعض في حكوماتها وإدارتها وسياستها، وكثير من بنيها تملكته نزعة قومية تأبى على أحدهم أن يكون تابعاً للآخر، فضلاً عن أن يرضخ لحكم غيره ويدخله في شؤونه العامة.. فمن الصعب تحققها الآن».

وبذلك، توصل المجتمعون الى استحالة إقامة الخلافة وفق المواصفات التي كانت عليه في صدر الاسلام، وعليه فإن المؤتمر طابق فكرياً قرار الأتراك بإلغاء الخلافة، ناظرين الى الواقع حيث: «إن أكثر هذه الشعوب تابع لحكومات غير أهلية، وهنا يزداد أمر الخلافة الشرعية تعقيداً لما يوجد بطبيعة هذه الحال من العلاقات والروابط الدقيقة من الأمم المستقلة فيها وغير المستقلة».

ولذلك فإن إقامة خليفة عام للمسلمين لا يكون له «النفوذ المطلوب شرعاً، ولا تكون الخلافة التي يتّصف بها خلافة شرعية بمعناها الحقيقي، بل تصبح وهمية، ليس لها من النفوذ قليل ولا كثير».

وعليه تقرّر: «إن الخلافة الشرعية المستجمعة لشروطها المبينة في تقرير اللجنة العلمية (الذي أقرّه المؤتمر في هذه الجلسة) والتي من أهمها الدفاع عن حوزة الدين في جميع بلاد المسلمين، وتنفيذ أحكام الشريعة الغراء فيها لا يمكن تحققها بالنسبة للحالة التي عليها المسلمون الآن». أما الحل البديل عن الخلافة فكان: «أن تتضافر الشعوب الإسلامية على تنظيم عقد مؤتمرات بالتوالي في البلاد الإسلامية المختلفة، لتبادل الآراء بين أعضائها، من وقت إلى آخر، حتى يتيسر لهم مع الزمن تقرير أمر الخلافة على وجه يتفق مع مصلحة المسلمين».

وهنا استدراك: «أما إذا لم تساعد الأحوال والظروف على استمرار عقد المؤتمرات، وتعذّر انعقادها للنظر في أمر الخلافة، فتفادياً من أن يبقى مسندها شاغراً زمناً طويلاً، وما يتبع ذلك من بقاء المسلمين دون مركز يرجعون إليه في أمور دينهم العامة، ينبغي إيجاد هيئة مكونة من زعماء المسلمين، وأهل المكانة والرأي، تنعقد في كل سنة للنظر في شؤون المسلمين، وتؤلّف في كل أمة إسلامية لجنة تنفيذية ذات صبغة قومية تكون ذات اتصال بالهيئة العامة، وهذه اللجان يقوم كل منها بتنفيذ قرارات الهيئة العامة في بلادها».

في محصلة اللقاءات أن مشروع الخلافة لم يمكن بالامكان إحياؤه بعد إلغاء الخلافة في تركيا. وبرغم من محاولات عدد من علماء الدين والزعامات السياسية إقناع إمام اليمن يحيى حميد الدين لتسنم منصب الخليفة، إلا انه رفض ذلك، فيما كان التجاذب بين الملك فؤاد والملك عبد العزيز يحتدم طمعاً في مشروعية دينية كانت صعبة المنال.

أما الملك فؤاد الذي كان يطمح الى تسنّم قيادة العالم الاسلامي بعد سقوط الخلافة، فقد نجح في تقويض محاولة خصمه في نجد من أن ينال دمغة الخليفة التي وهبها إياه ذات مقال الشيخ رشيد رضا.

 

الحجاز

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك