مقالات

المتعقلنون والمتمردون على الدين في جُبة ابن تيمية

يقول إنشتاين “الثقافة هي ما يبقى بعد أن تنسى كل ما تعلمته في المدرسة” و هذه المقولة تنطبق بدقة على “المتعصبين” المثقفين الذين يمتلكون المعرفة إلا أنها لم تحررهم من قبضة العصبية، بل إنهم جعلوا من المعرفة التي يمتلكون أداة في خدمة العصبية، و في هذا السياق كان لنا موضوعان.. الأول: عن د. عبد الرحمن بدوي بعنوان “ألموقف النفسي و تضخم الأنا”، و الثاني: عن د. محمد عابد الجابري بعنوان “ألعصبية و توظيف العلم في ترسيخها ونشرها”، و إستكمالاً للموضوعين سأتحدث اليوم عن شخصيتين ، ألأولى لا تقل عنهما أهمية و أثراً على مِن أتى بعده من الباحثين ؛ في حقل التراث الثقافي ؛ للتوفيق بينه و بين المعاصرة ، و بحثاً عن أسباب للنهضة ، تلك الشخصية هي “أحمد أمين” صاحب سلسلة كتب “فجر الإسلام” و “ضحى الإسلام” و “ظهر الإسلام” و “يوم الإسلام”، و سأتحدث عن شخصية أخرى بدأت حياتها وهابية متطرفة، و أنتهت متمردة عن الدين و ألفت في كلتا المرحلتين كتباً تدل على إغراقها في التطرف الديني و وإغراقها في التمرد بهد الإنقلاب على الدين ، ذلك هو الكاتب السعودي “عبد الله القصيمي” .

و سأتوقف عند أحمد أمين باعتباره يمثل ما عُرف بالعقلانية العربية ، و عبد الله القصيمي باعتباره يمثل التمرد على الدين في الثقافة العربية ، لنرى مفارقة عجيبة أن النزعة العقلانية و التمرد عندهما إذا وصلا عند التشيع كانتا قشرة بسيطة تخفي وراءها عصبية بغيضة لم نعهدها إلا عند ابن تيمية ، و ممَن خرج من جُبتِه ، و لست هنا في وارد نقد أفكارهما عن “التشيع” و خياراتهما الفكرية، و لكني بصدد الإشارة إلى التناقض بين الفكر و السلوك ، فبينما نراهما في نقدهما للتشيع و موقفهما منه كأنهما سلفيان متطرفان إلا أننا بالإطلاع على سلوكهما نعرف أنهما بعيدان عن الدين و التدين و هذا ما سأشير إليه، و لأبدأ بـ”أحمد أمين” و سأستشهد من هجومه العنيف على التشيع بهذه القبسة اليسيرة من قوله التالي :

((والحق أن التشيع كان مأوى يلجأ إليه كل من أراد هدم الإسلام لعداوة أو حقد، ومن كان يريد إدخال تعاليم آبائه من يهودية ونصرانية وزردشتية وهندية، ومن كان يُريد استقلال بلاده والخروج على مملكته، كل هؤلاء كانوا يتخذون حب أهل البيت ستاًرايضعون وراءه كلما شاءت أهواؤهم)) ⑴.

ولا شك أنه في قوله السابق يكشف عن عدوانية عظيمة و تطرف خطير يوحي أن سببه الإلتزام بالبحث العلمي ، و سأستشهد باقتباس يكشف أنه أبعد ما يكون عن التدين من كتاب لإبنه د. جلال أحمد أمين يقول فيه :

(( فأبي على الرغم من نشأته (الدينية كما وصفها قبل هذا الإقتباس) هذه، و شدة تدين أبيه و أمه، و نوع التعليم الذي تلقاه في صباه و شبابه، و رغم أن كتاباته كانت تدور حول الإسلام، لم يكن متديناً بمعظم المعاني الشائعة اليوم. إني لا أتذكّر مثلاً أني رأيتُ أبي يصلي ، و لا أذكر أني رأيته يقرأ في المصحف..)) ⑵

وبعد هذا أقف مع “عبد الله القصيمي” تلك الشخصية المثيرة التي كانت محل رفض و تنديد حتى لم يستطع دخول بلاده عاش مصر قرابة نصف إلى توفي و دُفن فيها، و من كتبه في التطرف الديني الذي ألفه انتصاراً للوهابية كتاب “الصراع بين الإسلام والوثنية” الذي شحنه بالإقتراءات و الإضاليل على التشيع بعدما عرضه كما يراه و كما يحلو له ، و كتاب “شيوخ الأزهر والزيادة في الإسلام” في الهجوم على الأزهر و علماءه أيضا ألفه انتصاراً للوهابية ، و مما كتب بعد الإنقلاب على “الدين” و “التمرد” عليه .. كتاب “العالم ليس عقلاً” و كتاب “الكون يحاكم الإله” و كتاب “أيها العقل من رآك” و في عناوينها ما يكشف عن تمرده و توجهه الجديد، و سأشير إلى ما قيل فيه بعد كتابه “الصراع بين الإسلام والوثنية” (( و هو يعني بالإسلام “أهل السنة ، و بالوثنية “أهل الشيعة” )) ⑶ .. لنرى مبلغ ما وصل له عند الوهابية، فقد قال فيه أمام الحرم المكي حينها:

لقد كنا نعدُ الرفضُ جرماً                         فبيّنَ كفرَهُ هذا الصراعُ

من قصيدة كتبها ليقدم بها الكتاب و مثبة فيه، ومما قيل فيه.. ((إن مؤلف هذا الكتاب قد دفع مهر الجنة و أنه لا يضيره ما يعمل بعد هذا)) ⑷

ولتكتمل الصورة عنه ـ خلال المرحلتين ـ سأشير أيصاً إلى بعض ما كُتب عنه بعد تمرده على الدين بعد صدور كتابه “العالم ليس عقلاً” من خارج الدائرة الإسلامية لنعرف حجم تمرده و خطورة كتاباته على المبادئ والقيم عموما.. يقول الأديب اللبناني المعروف مخائيل نعيمة ناقدا لكتابه الآنف في كلام موجه للقصيمي عن:

((إنه كتاب هدم و نفي من الطراز الأول _ هدم الآلهة، و الأخلاق و الفضائل، و الثورات، و المثل العليا، و الغايات الشريفة، ولا عجب، فأنت في أول فصل تنفي أن يكون لوجود الإنسان أي معنى . ثم تسأل . “فماذا تعني إذن عبقريته ؟” … و الذي لا يعرف لوجود الإنسان و عبقريته أي معنى كيف يكون لكلامه أي معنى ؟ و الذي ليس لكلامه معنى لماذا يكتب و لمن يكتب)) ⑸ .

ومما يستلفت النظر من القصيمي بعد حربه لما يسميه بالرجعية الثقافية و السياسية العربية ، و تمرده على الدين و ما يمت له أن يتحالف مع تلك الرجعية ـ كما يسميها ـ في تسعير الحرب المذهبية / السنية الشيعية .. على إثر حرب صدام للثورة الإسلامية في إيران ، بإعادة طباعة كتابه “الصراع بين الأسلام و الوثنية” سنـ 1982ـة م، بعد قرابة 50 عاماً من طبعته الأولى و الوحيدة .

و لا شك أن في موقفي أحمد أمين و عبد الله القصيمي المتناقضين على مستوى الفكر و السلوك تعبيراً عن الإزدواجية النفسية و العصبية البغيضة التي تتنافى مع العقلانية التي يتبناها أحمد أمين ، و تكشف التطرف السلفي التطرف السلفي عند عبد الله القصيمي، و مع الأسف أن بين المتعقلنيين و المتمردين على الدين تيارات و توجهات متفاوتة من حيث الدرجة و مختلف من حيث النوع ما زالت موبوءةً بهذا الداء العضال ، و مؤثرة في الساحة الثقافة العربية.

السيد رضوان النمر


⑴ فجر الإسلام / أحمد أمين.
⑵ ماذا علمتني الحياة / د. جلال أمين.
⑶ خمسون عام مع عبد الله القصيمي / ابراهيم عبد الرحمن.
⑷ كما أوردأورد ابراهيم عبد الرحمن في كتابه الآنف.
⑸ في الغربال الجديد/ مخائيل نعيمة
لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى