الرئيسية + تحليلات + ما وراء (دعشنة القطيف).. نظام متهالك، وسياسيّون انتهازيّون!

ما وراء (دعشنة القطيف).. نظام متهالك، وسياسيّون انتهازيّون!

 

الدكتور حمزة الحسن ـ مرآة الجزيرة

بدأ الأمر بإطلاق تسمية (دواعش العوامية) على الحراك السلمي الذي انطلق في ٢٠١١، حينما كانت الحكومة تقتل مواطنينا في الشوارع.

لم تأت التسمية من الحكومة ابتداءً، بل من جهة أو جهات وجدت نفسها خاسرة سياسياً في حضور حراك سلمي أثبت فشل أطروحاتها، ووجدت نفسها تبعاً لذلك وقد تمّ سحب البساط الشعبي من تحت أقدامها، ويومها تمنى (بعضهم) علناً أن يُقبر الحراك وشبابه وقياداته الى الأبد.

ثم بدأ استخدام المصطلح بتوسع من قبل الحكومة في صحافتها؛ وصار الإعلام الرسمي السعودي يستخدم مصطلحاً آخر هو (دواعش الشيعة) مقابل دواعشها هي؛ لتقول للعالم بأن الإرهاب ليس نسخة من أيديولوجيتها الوهابية، أو ليس محصوراً فيها، وهذا ما يؤكده العالم يوماً بعد يوم.

حين يوجه الإتهام لآل سعود، يكون جوابهم بأن (الغرب وغيره) يتهمون السنّة. والحقيقة فإن المتهم هو الوهابية وهي جزء لا يصل الى خمسة بالمائة من أهل السنة والجماعة.

أراد آل سعود وإعلامهم ولازالوا، القول ـ وهم لا يخفون ذلك: (كما للسنّة دواعشهم، فللشيعة دواعشهم)، وهناك ارهاب سني وإرهاب شيعي، وكل ذلك بغية تخفيف الضغط العالمي الذي يتوجه بالاتهام مباشرة الى الأيديولوجية الوهابية التي تنطلق من السعودية نفسها، فكراً وترويجاً وشباباً وتمويلاً وتحريضاً واستخداماً.

وشيئاً فشيئاً، دخل مصطلح جديد، او تسمية جديدة، أخرى، وهي (دواعش القطيف)، وقد صدر من ذات الإتجاه السياسي الشيعي الخاسر نفسه، الذي كان ولازال يحاول ان يحقق منجزاً لنفسه ولبعض قيادته، فيما كانت الحكومة لا تلتفت اليه، لفشله بزعمها في تكسير الحراك الداخلي، وكذلك فشله في توليد ثقافة دينية/ سياسية تدجّن المواطن الشيعي، وتحرّم عليه الدفاع عن نفسه حتى بالكلمة وبالتغريدة وبالتعليق فضلاً عن التظاهر وغيره.

وفي الأسابيع الأخيرة، بدأنا نسمع في خطب الجمعة، وفي مقالات تُنشر في الصحافة المحلية، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، إدانات للإرهاب الشيعي، وتتكرر على مسامعنا (دواعش القطيف) و (دواعش الشيعة) وغيرها، وأنه لا بدّ من مواجهتهم، والتخلّص منهم.

وصحافة النظام وإعلامه بالعربي والإنجليزي، أخذ بالترويج لما يقوله هؤلاء: أولاً لتأكيد وجود إرهاب شيعي في القطيف، لا يختلف بزعمهم شكلاً ومضموناً عما تقوم به داعش الوهابية، لا من حيث جوهر الفعل، ولا من حيث صفات من يقوم بالعنف. وأيضاً لتقول الحكومة السعودية للعالم بأنه نسي هذا الإرهاب (الشيعي الداخلي/ كما الخارجي)، فلمَ التركيز علينا نحنُ فحسب. وأيضاً، لتبرر الحكومة السعودية عنفها ودمويتها وأحكامها القراقوشية ضد مئات ممن اعتقلتهم على خلفية الحراك السياسي السلمي طيلة السنوات الماضية. أي لتبرّر عنفها ضد مجتمعنا وأهلينا وشبابنا، ولتقول بأن ما تقوم به حقّ وصحيح في مواجهة داعش بنسختيها الشيعية والوهابية، وأن الحكومة الظالمة تفعل خيراً حين تقتل شبابنا وتعدمهم، لأنها تكون قد خلّصتنا منهم ومن أذاهم. هي حملةٌ منسّقة إذن.

لم يتخفّ مَنْ هم وراؤها كما هي العادة، بل كشفوا عن أنفسهم، وهم يعتقدون بأنه آن الأوان للمواجهة، وهذه العبارة الأخيرة جاءت واضحة وبتعبيرات مختلفة في الخطابات والكتابات والتعليقات.

حول مصطلح الدواعش

لقد قرأت معظم ما نُشر وما قيل من هذا الطرف السياسي الذي ينكبنا بين الحين والآخر بمواقف لا يستفيد منها إلا آل سعود، ولا يتضرر منها إلا مواطنينا. كما استمعتُ الى خطب جمعة متكررة، تعزف على ذات القضية بصورة واضحة:

فهي تؤكد اولاً وجود ارهاب شيعي؛

وتؤكد ثانياً وجوب مكافحته من قبل المجتمع؛

وتؤكد ثالثاً بأن هذا الإرهاب بزعمهم حرام ضد ولاة الأمر؛

وتؤكد رابعاً ضرورة التنسيق بين الحكومة والمجتمع في اقتلاع آفة الدواعش الشيعة في القطيف!

الطرف السياسي المعروف، يزعم انه يفهم المجتمع، ويزعم أنه علمي في تعاطيه مع القضايا والشؤون العامة؛ خاصة وأن بعض من اخذ بترويج مصطلحات الدعشنة واسقاطها على مجتمعنا الشيعي في القطيف، يحملون شهادات علمية، تؤهلهم للخوض فيه.

لكن من خلال سماعي لخطب الجمعة، وقراءاتي، لم أرَ أية علمية في الطرح، ولا حتى التغطية الدينية والشرعية مستوفاة، ولا يوجد أدنى قراءة بصيرة لظاهرة العنف عامة في جذورها، وكيفية مواجهتها، على صعيد البلاد عامة. ولم أرَ استنارة برؤية فكرية او تاريخية، تبرر إطلاق الأوصاف الداعشية على مجتمعنا وشبابنا، مانحة النظام مبررات تبييض صفحته أمام العالم، وزيادة قمعه وقسوته على المجتمع، وعلى المعتقلين بخلفيات سياسية معارضة.

حين تُذكر (داعش)، او يستخدم مصلطح (الدعشنة)، فإن البحث يتجه إلى ثلاث قضايا أساسية:

الأولى ـ (الدعشنة) فكر وايديولوجيا ذات مواصفات خاصة، هي ذاتها مواصفات الوهابية، وهذا أمرٌ اكتشفه العالم بعد تضليل طويل، بمن فيهم الغربيون. هذه الأيديولوجيا لها ثلاث سمات معلومة لمن قرأ وبحث تاريخ الوهابية، وشاهد تطبيقاتها الحيّة في سلوك تنظيمي القاعدة وداعش: (التكفير للمخالف/ الهجرة من منطقة أو بلد الكفر، وهي كل بلد لا يقبل عقائد الوهابية/ الجهاد والقتال للمخالف). هناك سمات أخرى لها علاقة بتفاصيل التكفير من حيث اتساع اطلاقها على عموم المسلمين، وطبيعة مبررات التكفير التي ذكرها ابن عبدالوهاب والتي رأى انها تخرج من الملّة. وهناك ايضاً مسائل مستحدثة في التكفير والتوسع فيه.

الثانية ـ الدعشنةُ سلوك. هناك بصمة خاصة للدواعش في سلوكهم وتعاملهم مع غيرهم، بل حتى في طريقة قتالهم، وذبحهم لخصومهم، وتفجير مفخخاتهم. وهذا السلوك العنفي والدموي، حين يؤخذ كحزمة واحدة، لا تجده عند غيرهم. ولهذا ما إن تقوم داعش او القاعدة بعمل عنفي إلا وله بصمته الخاصة بها، المتساوقة مع فكر افرادها، وأيضاً المستمدة في معظم الأحيان من سلوك الوهابيين القدامى، بما في ذلك الذبح للخصم، وبما في ذلك إلقاء البشر من شاهق، وبما في ذلك تعميم الذبح للصغار والكبار وحتى النساء، ومثله أفعال اخرى كتدمير الآثار، وقطع الأشجار.

ومن يقرأ تاريخ الوهابية ومذابحها داخل الجزيرة العربية يدرك بسهولة الصلة بين سلوك الدواعش في الوقت المعاصر والوهابيين القدامى، فما هؤلاء الا امتداد لأولئك. بل ان المعاصرين من الدواعش والقواعد، لا يشكّ أبداً، أنهم أكثر أمانة على النص الوهابي وتطبيق الأيديولوجيا من غيرهم الرسميين.

الدعشنة ليست فكراً وأيديولوجيا فقط، وإنما سلوك له امتداد تاريخي أيضاً. ومن يقرأ مجازر الوهابيين القدماء، خاصة في الطائف ومناطق الجنوب، وأيضاً ما فعلوه في منطقة القطيف نفسها.. يدرك حقيقة هذا التوارث والتواصل في السلوك والمنهج والفكر (حتى أن صاحب كتاب لمع الشهاب وهو معاصر للوهابيين الأوائل، تحدث عن قتل الوهابيين للأطفال في المهد في سيهات).

الثالثة ـ الدعشنة لها غاية محددة، فأيديولوجيتها وسلوكها الدموي، يتجه نحو تحقيق دولة وهابية مكتملة الأركان، تشبه الدولة الوهابية/ السعودية الأولى (المثال والنموذج)؛ تكون لهم فيها السيطرة الفكرية والسياسية والعسكرية والإقتصادية والعلمية على المجتمع الذي هو تحت قبضتهم. وهذه الدولة بنظرهم لا حدود لها، فحيثما تقف جيادهم هو حدود دولتهم. وهذه الحدود ليست ثابتة، ولا جهاد الدواعش بزعمهم له وقت محدود فيتوقف. فكلما تحققت غاية، جراء التوسع، تولّدت غاية أخرى للتوسع أيضاً.

ومن قرأ عن ثورة جيش ابن سعود، يفهم لماذا كان (تعطيل الجهاد) سبباً اساسياً في الثورة عليه.

ومن قرأ تراث جهيمان العتيبي، يفهم كيف ان لا حدود لجهاد الوهابية بنظرها.

وكذلك فإن من ينظر لمركزي داعش في الموصل والرقة، ونظام الولايات، يفهم ان غاية الفكر الداعشي (دولة كونية).

السؤال لمن أطلق تسميات (دواعش العوامية)؛ و(دواعش القطيف)، و(دواعش الشيعة) او حورها بالقول (الإرهاب الداعشي في القطيف) ونحو ذلك.. كيف جاز لهم، وهم المدّعون للعلم والثقافة والفهم العميق للمجتمع، أن يسقطوا المفهوم الداعشي على خصومهم المحليين؟

فلا فكر هؤلاء مثل الدواعش يكفرون الناس، او يكفرون حتى من يتهمهم بالدعشنة، ولا نظامهم الفكري والعقدي الشيعي يسمح ببروز حالات تكفير ذات مصداقية او ذات قيمة في الأساس. ولا سلوك هؤلاء الخصوم مثل سلوك الدواعش، ولا غاياتهم مثل الدواعش. فما هو الرابط إذن؟

سيقولون ان هناك رابطاً وهو: استخدام العنف.

حسنٌ، لنفترض أن هناك أفراداً ما يمارسون العنف ضد الحكومة السعودية، ويقابلون عنفها بعنف مواز.

السؤال العلمي: هل كل من يمارس العنف في هذا الكون داعشي، ويمثل حالة داعشية؟ لا أظن ان احداً يقبل بهذا المنطق والتوصيف.

هل المقصود بالعنف، هو (العنف السياسي)، أم (العنف الديني) الذي يتغيّا أهدافاً سياسية كما هو الحالة الداعشية؟ وكيف يمكن اسقاط هذا على الأفراد عديمي الملامح في القطيف؟ وضمن أية خانة يمكن توصيف هذا العنف، هل هو ديني أم سياسي؟

بمعنى هل العنف المزعوم الذي يقول آل سعود وهؤلاء الخصوم السياسيين، انه موجود، قائم على تكفير ضحاياه، بحيث ان من يسمون (دواعش القطيف) يقومون بقتل خصومهم لاختلافهم الديني، ام لخلافهم السياسي؟

أليس اطلاق صفة الدعشنة على خصوم سياسيين، وإسقاطها تالياً على القطيف وسكانها، ظلمٌ للمدينة او المحافظة ولأهلها فضلاً عن الأفراد المتهمين بعينهم، ان كان المُتَّهِمُون الظالمون يعرفونهم حق المعرفة، او حتى يميزونهم بين أفراد المجتمع، طالما لا توجد مظلّة بين الشيعة تتبنّى العنف او تدعو اليه او تؤمن به؟

توجيه الإتهام للمجتمع دون السلطة

نحن هنا بإزاء خلط متعمّد للمفاهيم، ولهذا اتخذت الاتهامات صفات محددة:

مثلاً، كان يجب على أيّ مصلح يكافح العنف، بغض النظر عن مشروعيته من عدمه، ان يتفهم جذوره. ولا يمكن اليوم القول بأن العنف الديني، او العنف السياسي، لا تتحمل الحكومة مبرراته.

مَن يقول هذا جاهل علماً وفهماً، اذا لم نقل انه مغرض.

ولنضرب مثالاً: حينما يزيد مستوى عدد الجرائم (التي لا تُعرّف بأنها سياسية) في المجتمع، أي مجتمع، فهناك أسباب لها، ولا يمكن التخفيف من مستواها، بوضع المجرمين في السجون، طالما ان مولّدات الجريمة قائمة: مثل شياع الفقر، او فساد الأجهزة الأمنية وقمعها، أو البطالة، أو انتشار الفساد عامة.

البحث في الأسباب الاجتماعية والسياسية التي تقف وراء الظواهر الاجتماعية مهم لحلّها.

وهؤلاء القوم المنحازون الى جانب السلطة، ومع افتراض وجود عنف سياسي من قبل السلطة وبعض افراد المجتمع كرد فعل عليه، كان يجب ان يدفعهم لفهم أسبابه وجذوره، وبالتالي يمكنهم الوقوف على أرض صلبة في اقتراحات العلاج.

لقد كتبت مقالات عديدة حول هذه المسألة، كما كتب غيري ايضاً، واحدة منها كانت قراءة قبل نحو ١٥عاماً عنوانها مصادر العنف السياسي في المملكة

تحدثت فيها عن محفزات هذا العنف، ثقافياً وسياسياً واجتماعياً واقتصادياً.

أما هؤلاء الخصوم، فجاؤونا بوعظ شبيه بالوعظ الحكومي: (ترى ياجماعة عندنا ارهاب داعشي، ويجب ان نعترف بوجوده، ونتعاون مع الحكومة في القضاء عليه). هذا ليس فقط اختزالاً لقضية كبيرة، بل هو اتهام للذات، وللغير، وتبرئة للحكومة، ولا يمثل علاجاً لأي شيء، بل هو يزيد من وتيرة العنف الرسمي ليس إلا.

كيف تتوجه لمكافحة العنف في مجتمع محلّي، يواجه عنف سلطة مجرمة تطلق النار عليه في وضح النهار، دون ان تقول لهذه السلطة كفّوا، او خففوا قبضتكم العنفية الأمنية؟

كيف يمكن للعنف السياسي، سواء عندنا او عند غيرنا، في بلدنا أو في أي مكان في العالم، ان يتم القضاء عليه، في حين ان الحكومة متغوّلة عنفياً وسياسياً؟

كيف توجّه النصح لضحايا العنف الرسمي باتهامهم بالدعشنة، وأنت ترى مجتمعاً بأكمله يُعاقَب، وطلاب الإصلاح السياسي السلمي فيه داخل السجون، وترى الأفراد يحاكمون بسبب تغريدة او مقالة او تعليق او خطاب او جملة وردت في سياق النقد والنصح لآل سعود؟

ما هكذا تورد الإبل، هذا إن كان هؤلاء من الناصحين، ولا أظنّهم كذلك.

هم يعرفون هذا جيداً، وأنا أعرف عن قرب أنهم يعرفون هذا.

لكنهم اختاروا نصح الضحية، بعد اتهامها بالدعشنة، وتجنّبوا الحديث عن دور السلطة في استجلاب ردود أفعال عنفية من المجتمع.

إن أي باحث، لو جاء من شرق الدنيا ام غربها، ولا علاقة له بهذا المجتمع المسعود من قريب او بعيد، لا يمكنه إلا أن يتنبّأ بقيام عنف سياسي مقابل حكم متغول وعنيف.

هذا علم، وليس تحريضاً على العنف.

إذ حتى لو صرخنا ليلاً نهاراً، بأن العنف في مواجهة سلطة العنف الرسمي، خطأ (لا من حيث شرعيته الدينية، لان من وصف خصومه بالدعشنة ليس في مقام تقديم الفتوى، بل من حيث مؤدياته التي قد تجلب المزيد من الضرر) فإن هذا لن يلغيه، ولن يلغي توقع حدوثه، وقد لا يؤثر الكلام في أحد، خاصة ان جاء من أمثال هؤلاء الذين سبق لهم أن أيّدوا استخدام العنف فيما مضى. والسبب أن جذور العنف لم يتم معالجتها، وهذه هي الحقيقة العلمية دون سواها.

نحن في عالم ليس فقط يتنبأ بحدوث براكين ووقوع زلازل، بل لديه من المؤسسات البحثية، وما تراكم من الخبرات والتجارب البشرية، ما يجعله يتنبأ بوقوع الحروب والأزمات السياسية والعنف وغيرها.

وهذا النظام السعودي ليس فقط يمارس العنف بأقصى وحشية ضد خصومه، خصوصاً مواطنينا الشيعة في المنطقة، بل والأهم، هو مولّد للعنف المضاد بأفعاله. فهل هناك من يجادل في هذا القول؟

وعليه لمَ توجه هؤلاء الخصوم السياسيين بالإتهام لمواطنيهم واعتمدوا لغة التعميم والتوصيف بالدعشنة لتشمل كل من يتحرك سياسيا خارج اطار تفكيرهم؟

ولم غاب في كل اتهاماتهم أية اشارة الى حكومة آل سعود كمولد للعنف، او مشارك فيه، او حاض عليه، او طرف في نشوئه؟

ولماذا تنطّع البعض ونصح المطلوبين ظلماً بتسليم أنفسهم، للسفّاحين، الذين يعرف القاصي والداني، أن قضاءهم فاسد، وأن لا وعد ولا عهد ولا ذمة لهم؟

خلط العنف السياسي والجريمة

من جهة ثانية، استمعت وقرأت ما صدر من هؤلاء، فوجدت أنهم اولاً يهوّلون من تزايد الجريمة المسلحة والمنظمة. ووجدتهم لا يتحدثون، بفاصلة الباحث ولا المنصف، بين من يقوم بجريمة المخدرات، وبين من يتظاهر في الشارع ويحرق اطار سيارات.

احتوى ما نُشر وقيل الكثير من التحذير من تزايد الجريمة.

وفعلاً الجريمة متزايدة، ليس في القطيف وحدها، بل في كل المناطق، ولها أسبابها، ليس هنا موقع شرحها، وفي مقدمتها الاسباب الإقتصادية.

لكن الخلط المتعمد بين النشاط السياسي (المتهم ظلماً بالتدعشن)، وبين تصاعد الجريمة، من اختطاف وقتل ومخدرات وغيره، عمل مغرض، لا يستهدف استنهاض المصطفين الى جابن النظام انفسهم لتوعية المجتمع وتثقيفه في مكافحة الجريمة، وان يكون لهم الدور الأبرز في ذلك، بعد ان تركوا هذا الشأن التوعوي سنين طويلة.

كما لا يستهدف تعميمهم المغرض، تحفيز السلطة للقيام بدور اكبر لمكافحة الجريمة، كما يفعل كثيرون من كتاب ونشطاء في مناطق أخرى.

كلا.. بل هدفهم تحريض المجتمع على الناشطين السياسيين، الذين قُتّلوا في الشوارع، وأُعدموا، وحكم على الكثير منهم بسنين طويلة سجناً، باعتبارهم هم سبب البلاء هذا كله. في حين أن كل ما فعله الضحايا من الناشطين، هو السعي لخدمة مجتمعهم والدفاع عن حقوقه امام تغول السلطة الجائرة، بالكلمة، وبالعمل السلمي، مقابل رصاص الطغاة وجلاوزتهم.

هدف هؤلاء المغرضين: إيهام المجتمع بان ما يرونه من جرائم متصاعدة، سببه اولئك الذين وصموهم بالدعشنة، الذين قتلهم النظام ظلماً، بالرصاص تارة وبالسيف تارة أخرى.

وعليه، فرسالة هؤلاء المغرضين سياسياً، تقول: تعالوا نتعاون مع السلطة لإخماد ما تبقى من حراك سياسي، فهو سبب بلائكم.

والحقيقة فأنا لا أتجنّى على هؤلاء، وقد كتب صراحة أحدهم بأن الدعشنة بدأت منذ بداية الحراك عام ٢٠١١. كتب ما نصه: (ما حصل في القطيف منذ عام ٢٠١١ الى يومنا هذا شيء مخيف جداً.. الإجرام في توسع مستمر، ومخاطره تزداد وصورة المجتمع القطيفي تحولت اعلاميا من مجتمع يناضل سلمياً الى مجتمع أصبح لديه قابلية للعنف وقتل رجال الأمن).

واضح ان المستهدف من اطلاق عبارات اتهامية مثل (دواعش القطيف/ او/ دواعش الشيعة/ او/ دواعش العوامية) ليس مكافحة جرائم مخدرات وعصابات سرقة وقتل. بل المطلوب رأس من يتحرك.

وكأن كل الشهداء الذين تساقطوا في الشوارع كانوا دواعش.

وكأن شيخ الشهداء النمر، رضوان الله عليه، كان قائداً داعشياً، يحمل بارودته على كتفه، وليس هو من قال: صوت الكلمة أقوى من أزيز الرصاص.

هؤلاء الفاشلون سياسياً يقدمون للحكومة السعودية المحاصرة اليوم داخليا وخارجياً أسلحة، تبرئ بها نفسها وايديولوجيتها الوهابية، من خلال تعويم الاتهامات بإشراك آخرين ضحايا لعنفها.

هؤلاء المغرضون والفاشلون سياسياً، والذين ليس فقط لم يشاركوا في حراك سياسي، وليس فقط صمتوا ولم يترحّموا على شهيد.

وليس فقط عملوا ضد الحراك وشوهوه مراراً واتهموه بما ليس فيه، وربطوه بأصحاب المخدرات، وارباب الجرائم..

وليس فقط، اصدروا البيانات الملتبسة التي تضرب تحت الحزام..

وليس فقط تمنوا قتل القيادات الميدانية، وحتى تمنوا قتل الشهيد النمر، وعبروا وألمحوا الى ذلك..

ليس فقط قاموا بكل هذا..

هاهم الآن، يبرؤون السلطة، ولا يحملونها أية مسؤولية عن ردات الفعل التي قد تحدث على عنفها.

هاهم الآن، ليس فقط لا يفتخرون بحراك هو من صلب المجتمع ويقوم به تضحويون بأنفسهم ومالهم وراحتهم، ويتحملون العنت والرصاص والسجن واحكام قراقوش.. بل هم يريدون أن يؤرخوا تاريخ الجريمة، بتاريخ بداية الحراك.

فهل هناك ناشط سياسي عاقل يفعل هذا؟

لقد فهمنا ـ ولم نقبل ـ سبب تناسيهم او تغافلهم عن احياء انتفاضة المحرم ١٤٠٠هـ، ولا يريدون أن يُذكّروا بها وبشهدائها.

لكننا لا نفهم ولا نقبل ان يجعلوا من النقطة المضيئة في تاريخ هذه المنطقة، نقطة سوداء، كهذا الحراك السلمي الذي انطلق في 2011. وبدل ان نفخر به ويفخر به شبابنا وأجيالنا القادمة، نحمّله مسؤولية كل طغيان وفشل السلطة، وفشلهم هم كجهة تزعم التصدي والحفاظ على حقوق المواطنين الشيعة.

وهل تريد الحكومة السعودية المجرمة أكثر من هذا؟

أن يأتي أحدهم فيشتم مجتمعه، ويتهمه بما ليس فيه، ويبرر له عنفه الماضي، ويمهد الطريق لعنف أكبر آتٍ، ويفك الحصار عن نظام يشعر بالإختناق في كل الإتجاهات؟

لماذا هذه الحملة الآن؟

حين ظهرت بوادر وصم المواطنين وحراكهم بالدعشنة. قلت لنفسي: لعلها من مفرقعات أحدهم الذي عوّدنا عليها. نصمت، والصمت خير أحياناً.

ثم تكرر الموضوع في خطبة الجمعة حول ضرورة مكافحة الإرهاب القطيفي!

قلنا: نسكت أيضاً، فلعلّها من باب (مغازلة السلطة)، وبداية لنشاط بعد سُبات!

لكن تكرر الأمر في خطبة الجمعة التالية، وظهرت مقالات في اليوم، وانبرى الإعلام المحلي في العربية نت (بالإنجليزية والعربية) يبشّر العالم بأن هناك من اعترف بوجود دواعش شيعة في القطيف، يجب سحقهم اسوة بالدواعش الآخرين (الوهابيين).

ترافق هذا مع جدل ونقاش على مواقع التواصل الاجتماعي، واحتوى شطحات وتحريض صريح على المواطنين وعلى الناشطين.

ولازالت الماكنة تعمل حتى كتابة هذه السطور.

هذا يعني اننا بإزاء هجمة، لا يسعنا الا التصدي لها، وتبيان ما وراءها.

في محاولة لفهم مبررات هذه الحملة الجديدة، قال أحدهم: انها استجابة لضغوط السلطة (الجماعة مجبورين، اعذروهم!).

ولكن: لماذا لا يُجبر إلاّ هم؟! لماذا لا يستجيب غيرهم لضغوط السلطة وعصاها، على افتراض ان لا وجود لـ (الجزرة)؟! مع ملاحظة ان هناك من هم أقرب الى السلطة الظالمة، ولم تظهر منهم هذه التوصيفات بالدعشنة. وهناك سؤال آخر يسبق هذا كله: اذا صحّ أن هناك (ضغطاً) حكومياً على هؤلاء لينتقدوا مجتمعهم ويصموا نشاطه بالدعشنة، فلماذا تقوم الحكومة بهذا الضغط الآن؟ وهل كانت تضغط فيما مضى؟ اي ما هو المستجدّ في الأمر الذي دفع بالحكومة كي تستأنف من جديد الضغط على هؤلاء بعد ان تجاهلت خدماتهم لسنوات؟ ويليه سؤال آخر: ما هي وسائل الضغط التي لدى الحكومة على هؤلاء أو غيرهم؟ هل هددتهم بالإعتقال مثلاً او المنع من السفر او المنع من الخطابة والكتابة؟ لا أظن ذلك، وحتى لو حدث، فهذه الضغوط يتحملها من لديه رسالة الدفاع عن مجتمعه وعدّ نفسه (قيادياً طليعياً)!

نحن نعلم بضغوط حكومية على آخرين هم أقرب الى أبواب السجن من هؤلاء القوم، ومع هذا لم يتفلّتوا هكذا، وقاوموا، وعوقبوا وتحمّلوا، فلمَ لا يكون هؤلاء في مستوى تحمّل وشجاعة اولئك، إن لم يكونوا أفضل منهم؟!

وسؤال أخير في هذا الإتجاه أيضاً، فما نعلمه أن الحكومة تطلب أحياناً موقفاً، ولكنها في معظم الأحوال لا تُملي النصّ، ولا تفرض عبارات بعينها، بل حتى المواضيع التفصيلية لا تتطرق اليها، اللهم إلا اذا كتب أحدهم بياناً يعرضه على المباحث او الإمارة مسبقاً!

بمعنى آخر، وحتى لو جارينا هؤلاء، وقلنا انهم تعرضوا لضغوط، فإن من المستبعد أن تقول لهم الحكومة: اطلقوا وصف الدواعش على بلدكم وشعبكم ونشطائكم. ستقول ـ كما يتوقع: أدينوا هذا الموقف أو ذاك.

فلماذا ذهبتم الى هذه التعبيرات والتوصيفات غير العلمية وغير الصحيحة؟ لماذا أخرجتم زبدكم من أول خضّة، كما تقول العرب؟ هل هي ضغوط أم إغراءات؟! ذلك هو السؤال؟!

إن كانت المسألة إغراءات حكومية ـ وهو المرجّح ـ فما هو الثمن الذي ستقبضونه؟

نحن نعرف أن من بينكم من ليس لديه خطاب لمجتمعه سوى التنفير بالنقد والتهزيء، حيث خطابه موجّه للآخر، وليس للمواطن الشيعي، وغرض نقده (الذاتي) فكريا وغيره، الظهور بمظهر الشجاع الذي يواجه مجتمعه، وعينه على الثمن: الوصول الى منصب ما، قد تمّ استجداؤه ذات مرة بشكل مفضوح، ولم يحصل عليه.

البحث عن منصب، عبر الإنسلاخ ومهاجمة المجتمع، حالة انتقدنا صاحبها، مباشرة، ومنذ سنوات، مراراً وتكراراً.

لكن، أمن العقل والحكمة، أن يكون الوصول الى منصب تافه (كعضو معيّن في مجلس الشورى) عن طريق شتم المجتمع، والطعن في معتقداته، ومتبنياته الفكرية؟

أمن العدل والدين ان يكون وصولكم للمنصب، او وصول بعضكم، عن طريق شتم الناشطين، واتهامهم بما ليس فيهم، وكأن ذلك إعلان براءة وانسلاخ من حالة المعارضة او من المجتمع كلية كثمن للوصول الى ذلك المنصب التافه، مثلما حدث مع آخرين؟

بيد أن هناك من يقول بأن هذه الهجمة بعد طول سبات، جاءت تجاوباً مع واقع مرير، حيث زيادة العنف والجريمة، فقام وجوه القوم بمسؤوليتهم الشرعية؟

حسنٌ.. لنتحاكم الى الشرع والعقل!

سنفترض أنكم لا تقصدون بالدعشنة مهربي المخدرات والسراق وأصحاب الجرائم؛ لأن مقاربتكم ستكون حينها مختلفة، وخطابكم سيتوجه باتجاه آخر، ولكنتم ستستخدمون عبارات غير الدعشنة في التوصيف، ولكنتم حمّلتم المواطنين في ختام كتابتكم وخطبكم مسؤولية مختلفة عن التي ذكرتموها.

ومع انكم عوّمتم القضايا وخلطتموها، لكن الخيط الأبيض يمكن تمييزه بسهولة من الخيط الأسود.

وسنفترض ابتداء، ونبرئكم انكم لا تقصدون الحراك السياسي القائم بتوصيفات الدعشنة، فهذا الجسد في غالبيته الساحقة يمارس عملاً سلمياً، حتى وإن كنتم لا تؤمنون به ولا بإطروحاته ولا حتى بوسائله السلمية، وهو ما قلتموه مرارا وتكراراً في مجالسكم.

وسنفترض ابتداءً أيضاً، ان المقصود ـ كل المقصود ـ هو أفراد يمارسون العنف ضد الشرطة على خلفية سياسية (لا بغرض السرقة كسرقة سيارات نقل الأموال ولا في مواجهة تهريب مخدرات).

اذا كان هؤلاء هم المقصودين، فغيّروا خطابكم من أساسه، وتوجهوا لهم بالنقد، ولكن حتى توصيف الدعشنة بحقهم ليس صحيحاً، كما هو واضح. وان يأتي أحدهم ويقول ان (افراداً مجهولين هددوني بسبب كتاباتي، وهذا يثبت أنهم دواعش شيعة)، فهذا سُخف.

قبل أن ندين أحداً، او نتهمه بالدعشنة علينا تأكيد التالي:

١ ـ ان العنف في الأساس يمارسه النظام بحق مخالفيه، ويشمل الاعتقال والتعذيب (هذا غير المنع من السفر والطرد من الوظيفة والتهديد اللفظي بالاعتداء على العائلة، وملاحقة المرء بالسيارات، وايصال التهديدات المباشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك التهديد بالاعتداء على العائلة وغيرها من العقوبات).

٢ ـ ان العنف السياسي في المجتمعات عامة له جذوره التي شرحناها، وهي أغلبها تنحصر في ممارسات النظام السياسي. لهذا تقوم الثورات عليه، وبعض الثورات تكون مسلحة. ولهذا تنشأ الإنقلابات او محاولات الإنقلاب العسكري، وهو يتضمن عنفاً أيضاً. وقد اهتدت الشعوب مؤخراً الى العمل السياسي السلمي الذي يشمل المظاهرات والإضرابات، وحتى لو صاحبها حرق اطارات او مواجهة بالحجارة، او تكسير ممتلكات، فهذا لا يعتبر من العنف، وإنما (الشَّغَب)، وهو لا يمنح الحكومات حق الرد العنيف بالرصاص، بل ان مواجهة الشغب لأسباب سياسية وغير سياسية، له أصوله ومناهجه، ويتم تعليمه في الكليات الأمنية وغيرها.

ولذا لا ينبغي الخلط بين الشغب، والعنف الذي يشمل الكفاح المسلح، او الثورة المسلحة. كما لا ينبغي اعتبار التظاهر عنفاً بحيث يجيز البعض للنظام استخدام الرصاص في مواجهة المتظاهرين، كما حدث ويحدث لدينا. ولا عقاب المتظاهرين او المضربين سلمياً مع ما يصحبه من شغب، يشبه عقاب المتلبسين بالسلاح، هذا في ظل الحكومات الفاسدة والديكتاتورية، فما بالك بالأنظمة التي يسود فيها القانون.

٣ ـ تسالم مجتمعنا في الآونة الأخيرة على أن استخدام السلاح لتحصيل حقوق الطائفة ورفع الظلامات عنها، غير مقبول، لأن ضرره (المتوقع، او المتخيّل) سيكون أكبر. أي ان رفض العنف، جاء على خلفية تقييم المصالح والمفاسد، ولكن يجب الانتباه الى أن هذا المنطق لا يشمل وقف العمل السياسي المعارض، ولا وقف استخدام العمل السلمي كالتظاهر وغيره. وهذا امرٌ قد يعجب البعض من الجهلة الخلط بشأنه. ومن الخلط، ما جاء في كلام بعضهم مؤخراً، وهو يحاول دعشنة المواطنين بالقول ان مواجهة رجال الشرطة ومقابلتهم سلاحاً بسلاح، حرام شرعاً. هذا الكلام ليس صحيحاً، فأن لا تؤمن بالعنف، لا يعني حرمته الشرعية بالضرورة، ولا يُقبل القول بالتحريم ان جاء من ناشط سياسي ليس في موقع الإفتاء، خاصة وأنه يتبنّى خيارات سياسية معينة، ومن مصلحته تغليب خياره على الخيارات الأخرى.

لقد حذرنا مراراً، وأنا شخصياً كتابة وبالصوت والصورة، من خطورة ان تجرنا السلطات بعنفها الى عنف مضاد، ثم تلبسنا التهم في حين أنها هي التي صنعت البيئة المثلى لقيام العنف المضاد.

والشيخ الشهيد نمر النمر، دعا مراراً وتكراراً ايضاً الى عدم الرد على عنف السلطات ورصاصها الذي كان يقتل المتظاهرين في وضح النهار كما في ظلمة الليل.

عدم الردّ سهلٌ من قبل التنظيمات والناشطين السياسيين. لكن نصائحهم ليست بالضرورة تنجح، واستدراج السلطات السعودية باستخدام المزيد من القتل والإعدامات، قد ينجح في ظهور افراد يردون بعنف مضاد، خاصة ان كانوا من ذوي الضحايا، من الذين أهدرت دماؤهم اعتباطاً.

ومن المؤكد بل المتيقّن، ان الإعدامات التي مارسها آل سعود، فضلاً عن القتل للمتظاهرين، ليس فقط لم يكن مبرراً، وانه كان إسرافاً في الدم، لكبح المجتمع من المطالبة بحقوقه. بل هو أيضاً كان عامل توتير وزيادة في العنف في الشارع

٤ ـ ليس بإمكان المجتمع الشيعي في القطيف، ولا في أي مكان في الدنيا، مهما تغيرت الجغرافيا، وتغيّرت الأديان، وتعددت المتبنّيات السياسية، ان يمنع العنف المضاد للسلطة، بعنف يقابله كردة فعل، أو كإيمان به كوسيلة لتحقيق الغايات. هذا أمرٌ ليس بيد أحدٍ إلغاءه. ومن هنا استدعت ظاهرة العنف بشكل عام الدراسة والتمحيص من قبل الباحثين في العالم.

فالدولة كمفهوم هي الوحيدة التي يحق لها امتلاك وسائل العنف والإكراه، واستخدامها. لكن السؤال: أية دولة؟ دولة الخاصة ام دولة العامّة؟ دولة المذهب أم دولة المواطن؟ ومن يمارس العنف: هل هي حكومة منتخبة، أم حكومة مفروضة بالقوة؟ وهل العنف الحكومي مبرر أم غير مبرر؟ وهل هو يتناسب مع ما تعتبره جريمة أم لا، كأن يكون مغالى فيه ولأتفه الأسباب؟ ثم لمنع صدور العنف: ما هي الخطوات التي قامت بها الدولة في معالجة جذوره السياسية والإجتماعية والثقافية؟

وبالنسبة للمواطن، لماذا لجأ الى العنف؟ هل ذهب اليه من باب رؤية دينية، ام رد فعل على عنف السلطة لامسه وآذاه في شخصه او في مجتمعه؟ وهل هناك ابواب اخرى لتحصيل الحقوق غير العنف لم يكتشفها المواطن، فوجد نفسه ينساق في ردود الفعل على العنف السلطوي؟ بمعنى هل العنف الموجه للسلطة كرد فعل آني غير منظم، أم كوسيلة دائمة تقوم به جماعة منظمة لها اهدافها وأقرت خياراتها في الوصول اليها عبر السلاح؟

هذه مجرد أسئلة سريعة، لإثبات ان قضية العنف موضوعة معقّدة لا يمكن ابتذالها على المنبر او في مقالة في صحيفة حكومية، او تعليق على صفحات الفيس بوك، فيتم اطلاق الأحكام بشأنها هكذا اعتباطاً. فالمجاهرة بالنقد لظاهرة لا يعني حلّها.

نقد المُنتج بمعزل عن الأسباب وعبر تبرئة السلطة وكأن العنف نزل من السماء، يشبه لعن الظلام. كما أن التخبيص في التحليل هو الذي يجعل أحدهم يتوصل الى أن (من يؤمن بالعنف فهو داعشي لا غبار عليه) او كما قال (تابعوا حسابات المجرمين، وقارنوا ذلك بين داعش وكيف يكتبون عن الكتاب الذين ينتقدونهم.. النهج واحد، والطريقة واحدة.. داعشي سني، او داعشي شيعي… كلاهما يجب مواجهته).

٥ ـ قبل أن يدين أحد أفراداً مجهولين لا ينتسبون الى تنظيم، فيصمهم بالدعشنة، ويسوّد وجه القطيف بهذا التوصيف المعيب، بحجة أنهم قتلوا بضعة افراد من الشرطة علينا ان نتأكد ونتبيّن ابتداءً من وقوع الحوادث نفسها التي تقول عنها السلطة، وأن نتأكد من أن من قام بها هم من القطيف او من الشيعة عامّة. فلا يكفي ان نردد مزاعم السلطة، التي لدينا ولدى غيرنا معها تاريخ من الكذب: فهي اتهمت الشيعة بتفجيرات الخبر، وهو كذب، ومن قام بها هم جماعة القاعدة وزعيمهم في السعودية الشيخ يوسف العييري؛ وقد اتهمت الحكومة وقت الحراك بقتل الجندي من عائلة السهلي، وجرحت زميلاً له وأمام الناس عند حاجز بين العوامية وصفوى، واذا بها تحمّل النشطاء السياسيين ذلك، بدل ان تعترف بوقوع خطأ منها. والسلطة نفسها هي التي قتلت أفراداً مارّة في الشارع، او صادف وجودهم هجومها بالرصاص على أحد المطلوبين، ثم ألصقت بهم تهمة الإرهاب ، مع انهم ليسوا في قائمتها، بدل ان تعترف بقتل أشخاص بالخطأ. والسلطة نفسها، كذبت ولفقت أحداثاً كثيرة علينا وعلى غيرنا في مناطق أخرى، بل وفي بلدان أخرى، ولو فتحنا أعيننا لوجدنا عشرات الأدلة.

فلماذا نأخذ كلامها كقرآن منزل، ولا نستبين الرأي في هذا، قبل ان نطلق أحكاماً تعميمية على مجتمعنا، فنصيب قوماً بجهالة إن لم يكن بعمدْ؟

اذا تأكدنا من وقوع حادثة ما، وتأكدنا ثانياً من ان من قام بها أشخاص من مجتمعنا، وتأكدنا ثالثاً أن الأهداف سياسية وليست جرمية، فنحن أمام ثلاثة مواقف:

الخيار الأول: الصمت، تماماً كما كان الصمت على الجرائم والقتل الذي قامت به السلطة لأبناء من مجتمعنا. لكن من حقّ من ندّد بقتل السلطة للناشطين الشيعة السلميين، أن يندد أيضاً بالعنف المقابل من افراد شيعة. هذا انتصاف. وفي غير هذه الحالة، يكون الأمر تحيّزاً واضحاً، بحيث يتم إدانة ردّ الفعل، ولا يُدان صاحب الفعل الأول. ومع هذا، لو كان التقدير، ان حوادث العنف عامة لا تخدم القضية، فيحق للمجتمع ان يدينها، حتى ولو كان من قام بها ضحية لعنف السلطة. وهناك قضية أخرى، ماذا لو قامت السلطة وهجمت على اشخاص أبرياء بغرض قتلهم بالرصاص؟ هل يحق لهم الدفاع عن انفسهم، وأن يلا يقبلوا اطروحتكم ـ التي هي اطروحة المباحث ـ بتسليم انفسهم، لأنهم لا يثقون في آل سعود ولا في قضائهم؟!

الخيار الثاني: إدانة العنف، وفق قناعة ان العنف حتى كرد فعل ليس الطريق الصحيح لاسترجاع الحقوق وتغيير الأوضاع. دون الخوض في التفاصيل. ومع ملاحظة ان من يقوم به بضعة افراد غير معروفي الهوية والإنتماء السياسي، ومع تأكيد على حق النشاط والاعتراض السلمي، وان على النظام ان يقبل بهذا النشاط، فسدّ الأبواب يؤدي الى العنف، وغير ذلك.

الخيار الثالث: الإدانة العمياء، بالطريقة التي يقوم بها بعض الفاشلين والجهلة والانتهازيين وبينهم من يعمل ضمن ماكنة السلطة ومباحثها. بعض هؤلاء، ورغم معرفتهم بأن هناك هامشاً في استخدام مفردات اللغة، لكنهم يذهبون الى اقصى الأمور، تحريضاً واتهاماً وتسخيفاً.

وفي كل الأحوال، ومادام من يقدّم التصريحات يضع نفسه في موقع التوجيه السياسي، فكان من اللازم أن يسأل نفسه دائماً عن تداعيات تصريحاته، وما يمكن للنظام ان يستفيد منها، او يستخدمها ضد مجتمعه، فيضبط لغته، ويدين عنف السلطة او على الأقل يشير اليه بصورة من الصور، وان لا يرتكب جريمة يقدّم من خلالها إجازة مفتوحة للنظام بأن يتغوّل في استخدام نفس سياساته العنفية، وأن يتوسع فيها، بحجة ان القوم شهدوا على انفسهم بالعنف والدعشنة!

وفوق هذا، على هؤلاء الذين زعموا فوضعوا أنفسهم موضع التمثيل السياسي للمجتمع، أن يتصرفوا كسياسيين، وأن يسألوا أنفسهم حتى في القضايا المحقّة: لماذا أساعد هذا النظام بلا مقابل او تنازل منه الى المجتمع، فيستعيد بعض حقوقه المهضومة؟

لماذا نفرض على انفسنا ومجتمعنا واجبا وطنياً لا يعني لآل سعود شيئاً، في حين نهان في عقائدنا وكراماتنا ومصداقيتنا كل يوم من قبل النظام وصحافته واعلامه الطائفي؟

ما وراء الأكمة

سأقدم تحليلاً هنا قد لا يمثل كشفاً لواقع بائس، بقدر ما يفتح الأذهان حتى لا نؤخذ على حين غرّة، من قبل انتهازيين، لا يهمهم الا مصلحتهم.

حسب تجارب سابقة، خاصة تجربة التسعينيات الميلادية الماضية، فإن النظام السعودي حينما حوصر سياسياً وتراجع اقتصادياً بسبب ازمة الكويت والمليارات التي دفعها او نهبت، وايضاً بسبب استمرار انخفاض اسعار النفط النسبي، وحين وجد آل سعود معارضة داخلية وخارجية وتبعات فكرية وثقافية، وظهرت معاريض تطالب بالإصلاح السياسي، وخرجت لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية.. يومها عمد النظام لفك الحصار عن نفسه، ففتح قناة اتصال مع الشيعة في الخارج في حوار ١٩٩٣؛ واعلن الملك عن نظام اساسي/ دستور؛ ونظام مقاطعات؛ ونظام مجلس الشورى افرز مجلساً معيناً حتى الآن.

الأزمة تتكرر اليوم بشكل أكثر حدة، بل بشكل غير مسبوق تاريخياً. فأين اتجهت تجد النظام السعودي محاصراً مختنقاً، فلا أصدقاء كُثر يُعتدّ بهم، لا في الداخل ولا في الخارج، وامكاناته المالية تنهار، وقدرته على الدفع تتراجع، والسخط يعم، وحتى حماة النظام انقلبوا عليه، غير خسائره السياسية (زعامته على المنطقة عربيا واسلاميا وخليجيا)؛ فضلاً عن هزائمه في حرب اليمن، ومشاكل الخلافة ووراثة الحكم لديه، وانحدار شرعيته، وغير ذلك مما لا يخفى على أحد.

في ظرف مثل هذا، ايضاً بدأ النظام بمحاولة فك الحصار عن نفسه. وقد كتبتُ عدة تغريدات تحوي توقعات للمستقبل. والمهم ان النظام قد يكون فتح باباً للحوار ـ لم يكن يريده ـ مع هؤلاء الذين يصفون مجتمعهم بالدعشنة، وأنهم تحركوا لدفع ثمن شيء لم يستلموه.

بماذا أغراهم؟

بمناصب؟ بتغيير سياسات؟

وماذا طلب منهم غير المساعدة للنظام في تجاوز الأزمة في محيطهم الشيعي، واول ذلك مكافحة النشاط السلمي القائم والتنديد به، ودعشنته، وتأكيد التعاون مع المباحث والشرطة والتواصل مع حكومة آل سعود، وكأنها حكومة شرعية تمثل الإرادة الشعبية، وأنها بريئة من جرائم اقترفتها، وكأن الذي جرى ويجري ليس افرازاً لسياساتها وعنفها وقسوتها ودمويتها وظلمها.

في ظنّي هذا هو ما حدث: مجرد وعود حكومية، وما أكثر الوعود، قابلها هؤلاء بشتيمة لمجتمعهم وتنديداً بالناشطين المتنافسين، في انتهازية تتكرر كل مرة.

حفظ الله مجتمعنا من كل الشرور، وأخزى آل سعود وأذلّهم، وكفانا شرّهم، وأنهى ملكهم.

د. حمزة الحسن

شاركها مع أصدقائك