الرئيسية - تقارير - آل سعــود.. ورقصــة الديــك المذبــوح

آل سعــود.. ورقصــة الديــك المذبــوح

أبعــاد التصعيــد “السعــودي” ضد إيــران..

لم يجد ‘آل سعود’ في العهد الجديد من وسيلة للتغطية على فشل سياساتهم الكارثية في المنطقة وسعيهم المحموم لفرض زعامتهم المشبوهة على العالم العربي والإسلامي، سوى التصعيد ضد إيران المسلمة بدل “إسرائيل”، في محاولة يائسة وبئيسة لخلط الأوراق من خلال إشعال حرب دينية مدمرة تعيد رسم الجغرافية السياسية في العالم العربي على أساس طائفي، لإعادة كتابة التاريخ من اللحظة التي توقف عندها زمن الفتنة الكبرى..

وهذا يعني أن “السعودية” بسياستها التصعيدية المتهورة، تراهن على تحقيق أهدافها الوهمية من خلال أبعاد أربعة:

  1. البعد الديني: بدعوة المسلمين إلى التقاتل على أساس مذهبي، في محاولة لفرض النموذج الوهابي الظلامي والإقصائي على العالم العربي والإسلامي، وهو النموذج الذي شكل اليوم خط الانحراف الثاني في تاريخ المسلمين بعد النموذج الأموي الدُّهريّ الاستبدادي الذي تجلى في أبشع صوره زمن معاوية وابنه اليزيد، مستغلة في ذلك عامل الإسلام الوراثي الذي يُجسّد ظاهرة “إسلام الجُهّال” لدى الغالبية العظمى من الناس.
  1. البعد السياسي: بالضغط على الحكومات العربية للاصطفاف ورائها في حربها المفتعلة ضد إيران “الفارسية”، بدعوى أنها تهدد القومية “العربية” التي نصبّت نفسها وصيّا عليها بعد أن حاربتها وخرّبتها زمن ناصر، مُستغلّة ضعف مصر، وغياب سورية، وتفكك العراق، وانهيار ليبيا، وتشرذم اليمن، وانشغال الجزائر بأزماتها الداخلية المُركّبة.
  1. البعد الاقتصادي: والذي بدأ بإغراق الأسواق بالنفط فانهارت الأسعار، ونزل سعر البرميل من 120 دولار إلى 60 دولار، لاستنزاف إيران وروسيا، لكن الأخطر أن “السعودية” راحت تنافس روسيا وإيران على أسواقها التقليدية في أوروبا وآسيا وتخطط وفق خبراء إلى تخفيض سعر البرميل إلى أقل من 30 دولار، بموازاة إعلان الغلام محمد بن سلمان عزمه بيع جزء من حصص شركة “أرامكو” العملاقة التي يبلغ سعرها السوقي 7 تريليون دولار، بهدف استبعاد الاستثمارات الأجنبية عن سوق النفط الإيرانية الواعدة، بعد أن لم يعد الاستثمار في حقول النفط مجديا، وهذا سيؤثر ليس على روسيا وإيران وفنزويلا والجزائر ونيجيريا وغيرها فحسب، بل وعلى الشركات الأمريكية والغربية العملاقة التي ستضطر لبيع النفط بسعر التكلفة، وهذا لن تقبل به لا روسيا ولا إيران ولا أمريكا نفسها، خصوصا بعد أن أقدمت الصين على بيع حصصها في الأسهم الأمريكية بسبب انكماش اقتصادها، فانهارت بورصة وول ستريت بشكل لم يسبق له مثيل منذ 119 سنة، ما ينذر بأزمة اقتصادية حادة قادمة قد تفوق في تداعياتها أزمة العقارات عام 2008.
  1. البعد الإستراتيجي: بابتزاز الولايات المتحدة الأمريكية من خلال وضع العصا في عجلة سياستها في الشرق الأوسط، لإجبارها على الاختيار بين “السعودية” المدعومة عربيا وإسلاميا، أو إيران المعزولة في المنطقة، لأن البديل عن ‘آل سعود’ في حال هزيمتهم أو سقوط نظامهم سيكون “القاعدة” و”داعش”..

وهذا له مدلول عميق ودقيق يفيد أن الصراع وإن كان يبدو في الظاهر مع إيران، إلا أنه من حيث الباطن، هو صراع قائم بين ‘آل سعود’ والإدارة الأمريكية نفسها، الأمر الذي دفع المهلكة إلى محاولة عرقلة الأهداف الأمريكية التي يراهن علي تحقيقها الرئيس أوباما قبل نهاية ولايته، والمتمثلة بإنجاح الإتفاق النووي مع إيران، وتنفيذ الإتفاق المبرم مع الروسي لحل الأزمة في سورية من دون الحديث عن شرط رحيل الأسد، ما سيضمن لواشنطن المشاركة في الانتصار على الإرهاب في سورية والعراق بمعية روسيا وإيران اللذان يملكان قوات فاعلة على الأرض.

لا نحتاج إلى العودة عميقا في التاريخ لنُذكّر بأن كل المصائب والمآسي التي عاشتها الأمة هي بسبب “السعودية” و “إسرائيل” اللذان يمثلان وجهان لعملة واحدة، ويكفي أن نُوضّح حقيقة ما أوردناه أعلاه لارتباطه بخطورة المشهد الذي يرتسم في المنطقة في المرحلة القادمة، من خلال قراءة خطّية لسياسات العهد الجديد، من فترة “مبـدأ سلمـان” قبل 9 أشهر إلى “معادلـة بــوش” اليوم..

“مبـــدأ سلمـــان”..

بعد ثلاثة أيام من انطلاق عاصفة الإجرام على اليمن، خرج الكاتب السعودي جمال خاشقجي المقرب من دوائر القرار في الرياض، يُبشّرنا بما أسماه “مبدأ سلمان”، والذي استعاره من “مبدأ إيزنهاور” الشهير، الذي يعود لخطبة ألقاها الرئيس الأمريكي ‘دوايت إيزنهاور’ في 5 يناير/كانون الثاني 1957، ضمن رسالة خاصة إلى الكونغرس حول الوضع في الشرق الأوسط، جاء فيها، أن الولايات المتحدة مُلتزمة بالنُّصرة وتقديم العون ماديا وعسكريا لأي دولة حليفة تتعرض للتهديد من دولة معادية..

و”مبدأ سلمان” كما تُرجم في السياسة الخارجية “السعودية” في العهد الجديد، يقوم على أساس تقليد أمريكا في عجرفة القوة العسكرية بعد أن تخلى الرئيس أوباما عن مبدأ سلفه ورفع الغطاء الأمني عن حلفائه في الشرق الأوسط باستثناء “إسرائيل”.. وهذا هو جوهر المعضلة “السعودية” اليوم كما سنشرحها في سياق هذا المقال.

لكن، وفي غياب مُقوّمات القوة الضرورية التي تفتقر إليها قبيلة “لآل سعود’، ارتأت الأخيرة أن تقيم تحالفا “عربيّا” تحت مُسمّى “عاصفة الحزم”، بدعوى نصرة “الشعب اليمني” وإنهاء معاناته ورفع الظلم والحيف الذي تمارسه “مليشيات الحوثيين” في حقه، استجابة لاستغاثة الرئيس اليمني الفار، الطرطور عبد ربو منصور الذي لا يمثل إلا نفسه، بعد أن أسقطت الثورة اليمنية المجيدة “شرعيته” وقدّم استقالته كما هو معلوم..

ويلاحظ بالمناسبة، التناقض وازدواجية المعايير في السياسة “السعودية” لدرجة التخبُّط، من خلال سعي الرياض لإسقاط النظام الشرعي في دمشق بالإرهاب، في حين تقتل الشعب اليمني بدعوى الدفاع عن “شرعية” نظام العميل ‘هادي’، هذا علما أن النظام السوري، معترف به دوليا وفق معايير شرعة الأمم والقانون الدولي، ولم يصدر قرار من مجلس الأمن ينزع عن الرئيس الأسد الشرعية الدستورية التي يستمدها من شعبه صاحب السيادة، وكل التصريحات السياسية التي كانت تقول عكس ذلك، لها طابع إعلامي لا قيمة قانونية له.

والحقيقة الجوهرية من وراء كل ما يحصل في المنطقة، وكما اعترف بها الكاتب السعودي نفسه، هي أن ‘آل سعود’ كانوا يهدفون من وراء إنشاء نواة هذا التحالف العسكري في اليمن، إلى توسعته لمواجهة المد الإيراني “الشيعي” في المنطقة، بعد أن لم تعد تحتمل “السعودية” ما تُسمّيه بـ “السياسة التوسُّعيّة” الإيرانية المستفزّة من جهة، ولا السكوت الأمريكي عن ذلك، والذي كانت ترى فيه المهلكة ضعفا عابرا لرئيس ستنتهي ولايته بعد عامين، وتشتمُّ منه رائحة صفقة كبرى يساوم بها الرئيس أوباما الإيرانيين وهو يفاوضهم على الملف النووي على حساب نفوذ “السعودية” ودورها وأمنها واستقرارها..

وكان مُقرّرا، أنه في حال نجاح هذا التحالف المجرم في اليمن، فسيمتد ليطال شرُّه سورية وغيرها من الدول التي لإيران “أدرعا” بها، كالعراق ولبنان، وفق الرُّؤية “السعودية” الصهيونية التي تقوم على منطقة شرق أوسط مُحرّرة من النفوذ الإيراني وخالية من الحكومات والأحزاب والكتائب والمليشيات “الشيعية” التي تُصنّفها في خانة التنظيمات “الإرهابية”..

وهو ما عبّر عنه صراحة أحد حاخامات الوهابية في خطبة شهيرة بالمسجد الحرام حيث قال: “إن خلافنا مع الشيعة لن ينتهي، والعمليات الانتحارية لن تنتهي، ما دام الشيعة على الأرض”، حسب ما استشهد به وزير خارجية إيران السيد محمد ظريف في مقالته الأحد بجريدة نيويورك تايمز الأمريكية.

لكن، وبعد تسعة أشهر من انطلاق العدوان على اليمن، جرت مياه كثيرة، وسالت دماء غزيرة، وطال الخراب الشجر والحجر والبشر، ولم تُحقّق “السعودية” أي من الأهداف التي أعلنتها، وتبين أن “مبدأ سلمان” كان مجرد شعار لا يعني ما يقوله، فتحوّل إلى فشل ذريع انعكس أزمات مُركّبة على وضع المهلكة الداخلي، السياسي والمالي والاقتصادي والاجتماعي، وعلى سُمعتها الإقليمية والدولية أيضا، وأصبحت مملكة الشر والإرهاب منبوذة من قبل شعوب العالم كافة، ومنتقدة من قبل المنظمات الدولية الإنسانية، ولم تنفعها مليارات الدولارات التي أنفقتها في حملات “البروباغاندا” التضليلية لطمس مشاهد الجرائم الفظيعة التي ارتكبتها في حق الشعب اليمني الفقير..

وبدل أن تتقدم على الأرض لاحتلال صنعاء، احتلت “القاعدة” و”داعش” ثلث الأراضي اليمنية في حضر موت ومحافظات جنوبية، في ما لا تسيطر مليشيات ‘هادي’ سوى على مناطق محدودة في الجنوب بعد انسحاب أنصار الله منها دون قتال بطلب روسي في إطار إتفاق انقلبت عليه “السعودية”، ونجح الجيش اليمني واللجان الشعبية في السيطرة على 10 % من الأراضي الجنوبية في شبه الجزيرة العربية بفضل الخيارات الإستراتيجية العسكرية التي لم نشاهد منها حتى الآن سوى المُقدّمات والآتي أعظم، وفشل مرتزقة تحالفها الذين استقدمتهم من الإمارات والبحرين والكويت والسودان والسنغال ومصر والمغرب وكولومبيا في تحقيق أوهامها، هذا علما أن الحرب على اليمن تُكلّفها مليار دولار شهريا، ناهيك عن صفقات السلاح والعتاد الضخمة التي تعقدها بين الفينة والأخرى مع مجمعات الصناعة العسكرية في الغرب..

وفي ظل الانتقادات الدولية لجرائم “السعودية” في اليمن، وزيادة الضغوط على الإدارة الأمريكية لإجبار ‘آل سعود’ على وقف إطلاق النار والبدء بمفاوضات سلام جدّية، اختارت المهلكة مرة أخرى الهروب إلى الأمام من خلال خطوة تصعيدية جديدة، فقررت استدعاء “معادلة بوش” هذه المرة، عساها تنقذها من مأزقها، وتغطي على فشلها في اليمن الذي انعكس على الداخل “السعودي”، وذلك من خلال إشغال الناس في قضايا وهمية مفتعلة تلهيهم عن المطالبة بحقوقهم الأساسية في ظل تردّي الأوضاع الإنسانية والاقتصادية المزرية، في إطار ما يعرف بسياسة تصدير الأزمات الداخلية وتعليقها على شماعة الآخر، الذي هو إيران في الحالة “السعودية”.

“معادلـــة بـــوش”

الجمعة من هذا الأسبوع، خرج علينا نفس الكاتب جمال خاشقجي بمقالة جديدة في شكلها فريدة في مضمونها، تحت عنوان “إما أن تكونوا معنا وإما ضدنا”، في استحضار لمقولة الرئيس بوش الصغير عقب أحداث الحادي عشر من شتنبر/ أيلول 2001، لحشد المجتمع الدولي وراء قيادته من أجل خوض حروبه المقدسة ضد الإسلام والمسلمين وفق المهمة التي قال أنه كُلّف بها من قبل الرب شخصيا، تبدأ من أفغانستان وتنتهي بإيران مرورا بالعراق وسورية ولبنان لإنهاء محور الشر من على الأرض..

ووفق الكاتب، فإن هذا الشعار يعتبر جيّدا ومناسبا جدّا للمرحلة الحالية التي تتأهّب فيها مملكة الشر والظلام لخوض حرب طائفية ضدّ إيران وحلفائها الشيعة في المنطقة، ومطلوب وضع جميع الدول العربية والإسلامية أمام خيار “من ليس معنا فهو ضدنا”، للضّغط عليها بهدف كسب أكبر عدد ممكن من الحلفاء في المواجهات المصيرية التي تريد خوضها من أجل قلب الطاولة على إيران كي تحظى بالزعامة العربية والإسلامية دون منافس أو منازع..

ويعتقد أسياد الكاتب في الرياض، أنه لا يمكن تجاوز هذا الشعار استنادا إلى تجربة بوش الفاشلة بسبب الأخطاء الكثيرة التي ارتكبها، لأنه (أي الشعار)، يكتسي وجاهة منطقيّة بالنسبة لهم، ما دام الزمن هو زمن المواجهات المصيرية الكبرى التي تجسد حال “الولاء والبراء” بالنسبة للأمة (يقصد الأمة الوهابية)، فإمّا أن تكون أو لا تكون، إمّا أن تقف في صف “الحريّة” وإما في صف “الفاشية” (يقصد بالفاشية “نظام ولاية الفقيه”)، وكأن المهلكة منارة للحرية والديمقراطية، الأمر الذي لا يُصدّقه إلا غبيّ أو متخلّف عقليّـا..

لكن هذا الإصرار على جرّ المنطقة لحرب طائفية لا يجب التقليل من شأنه استنادا إلى عقلانية إيران وتجنبها الانجرار إلى فخ الصدام، لأن “السعودية” لن تستكين دون التمادي في افتعال الأزمات، لاعتقادها أنها تخوض حرب وجود ومصير، وأن استمرار عرشها مرهون بانتصارها على إيران وعودة سنوات العسل مع أمريكا.. وهنا الخطورة الحقيقية.

المعضلـــة “السعوديـــة”..

معضلة ‘آل سعود’ الحقيقية التي أصابتهم بالجنون، تكمن في رهانهم المستميت على إسقاط سورية، بما يعنيه ذلك من عزل إيران عن عمقها العربي للتفرغ بعد ذلك لضرب حزب الله واجتثاثه من لبنان باعتباره الهدف الأساس من الحرب على سورية لما يُمثله من جائزة ترضية للحليف “الإسرائيلي” بالدرجة الأولى..

لكن تراجع الرئيس أوباما عن ضرب سورية صيف 2013، كان بمثابة الكارثة التي رأت فيها الرياض حقيقة مؤلمة مُؤدّاها، أن واشنطن لم تعد مُهتمّة بمنطقة الشرق الأوسط، وأن استفادة مُجمّعات صناعة السلاح من الحروب والنزاعات الشرق أوسطية ليست شرطا لضمان الحماية الأمنية لمشيخات الخليج وعلى رأسها “السعودية”، خصوصا بعد أن تحوّلت إلى عبء سياسي وأمني وأخلاقي على الولايات المتحدة، وأصبح المواطن الأمريكي يتساءل عن جدوى التحالف مع نظام استبدادي مُتخلّف، يمارس أبشع الانتهاكات في مجال حقوق الإنسان، ويدعم الإرهاب الذي ضرب الولايات المتحدة وأوروبا والعالم، ويسعى لتغيير الجغرافية السياسية في المنطقة من خلال الإرهاب الذي يعصف بسورية والعراق ولبنان وليبيا ومصر وتونس ومنطقة الساحل جنوب الصحراء.. وأن الأوان قد حان لمراجعة هذا الأمر، بعد أن لم تعد الولايات المتحدة بحاجة لنفط الخليج إلا بما نسبته 10 % فقط بسبب طفرة النفط الصخري، وبعد إبرام الاتفاق النووي مع إيران، لتتفرغ لاستراتيجيتها الجديدة في آسيا حيث الثقل المالي والاقتصادي والعسكري الذي سيُغيّـر وجه العالم في بضع سنين..

وبالتالي، لم تجد المهلكة من حل لمعضلتها هذه سوى الذهاب إلى حرب مباشرة في اليمن كما أسلفنا، عساها تُغيّر من نظرة واشنطن إليها بعد أن تُثبت لها أنها دولة إقليمية قوية قادرة على تغيير موازين القوى وقلب المعادلات ولعب دور شرطي المنطقة بفضل “مبدأ سلمان” الذي يقوم على العزم والحزم والحسم..

وكنا نتمنى لو أن النظام في الرياض، ومن منطلق الهوية الدينية التي يقول أنه يصدر عنها، أن يتبنّى “مبدأ أخلاقيا” من ثوابت العقيدة الإسلامية استنادا لقوله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة فاصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون) الحجرات: 10، بدل الرهان على إجهاض الحوار بين الأفرقاء في صنعاء وقتل شعب عربي مؤمن فقير باسم العروبة والإسلام سعيا لإرضاء أمريكا وإسرائيل وتعزيز موقع “السعودية” كحليف قوي يُعتمد عليه في المنطقة..

وحيث أن الإدارة الأمريكية كانت مُدركة لعمق وأبعاد المقامرة “السعودية” برغم دعمها لها من الخلف وتجنب إحراجها إعلاميا، إلا أننا كنا نحاول فهم السبب الحقيقي الذي يجعل إدارة أوباما تبدو ضعيفة إلى هذا الحد أمام إحدى أدواتها الصغيرة في المنطقة، وكنا نطرح حينها باستغراب، سؤالا جوهريا من شقّين:

* الأول: – كيف سمحت الإدارة الأمريكية لعاهر هرم في أرذل العمر مصاب بداء الخرف لم يعد يعلم من بعد جهله شيئا، أن يقود حربا بالوكالة عنها في اليمن، وما أدراك ما اليمن وما قوة وبأس أجناد اليمن بشهادة التاريخ وإقرار رب العالمين؟..

* الثاني: – كيف يمكن أن تُترك قيادة الحرب لغلام متعجرف مغرور، بلا خبرة سياسية ولا دراية عسكرية، يعيش في حالة هلوسة دائمة بسبب إدمانه المفرط على الخمر والجنس والمخدرات، ونقصد بذلك المراهق محمد بن سلمان؟..

والحقيقة، أننا لم نجد من جواب مقنع يشفي الغليل سوى رغبة أمريكا في توريط ‘آل سعود’ في المستنقع اليمني، وهذا ما قلناه حينها في مقالة نشرت على موقع “بانوراما”، وتوقعنا أن يكون للأمر سببين رئيسين:

* الأول: إغراق “السعودية” في حرب خاسرة كانت تعلم واشنطن أنها ستكون بمثابة فيتنام لـ”آل سعود”، من أجل استنزاف مذخراتهم المودعة في الصناديق السيادية لديها، وهذا ما نجحت فيه بشكل كبير، بموازاة توريطهم في حرب أسعار النفط ضد روسيا وإيران، ما أدى إلى انهيار الاقتصاد “السعودي” بشكل دراماتيكي انعكس سلبا على الأوضاع الداخلية التي تؤكد عديد الدراسات على أنها على وشك الانفجار.

* الثاني: تنفيذ مشروع تقسيم شبه الجزيرة العربية من خلال قلب نظام الحكم في الرياض بالاغتيالات في صفوف الطائفة الشيعية كما تؤكد التسريبات الاستخباراتية الحديثة، والتي يعتزم القيام بها السفاح محمد بن نايف بسلاح “القاعدة” و”داعش”، لسحب البساط من تحت أقدام محمد بن سلمان الذي يسعى للإطاحة به وانتزاع أحقيته في العرش بعد رحيل العاهر سلمان بالموت الفُجائي أو الاغتيال الطبي الرحيم، ويأتي بيان “داعش” الأسبوع الماضي وبيان “القاعدة” الأحد ضد المهلكة على خلفية الإعدامات الأخيرة، ليؤكد هذا المعطى ويفتح الباب واسعا لحرب دموية في الداخل سيكون شيعة المنطقة الشرقية وقودا لها.

وهو ما تدرك خطورته واشنطن، وتعلم أن المخطط “السعودي” الجديد قد يكون ردا على ما سربه مساعد ‘جون كيري’ السابق ‘مارتن إنديك’ الأسبوع الماضي، من دعم واشنطن لمشروع إسقاط نظام ‘آل سعود’ وتقسيم شبه الجزيرة العربية الذي سيؤدي حتما إلى انفصال الحجاز لتكون منطقة مقدسة تُدار بهيئة عُلمائية مشتركة من الدول العربية والإسلامية، وانفصال المنطقة الشرقية الغنية بالنفط ليتولى حكمها أهلها “الشيعة”، المحرومين من أبسط الحقوق في الثروة والمشاركة السياسية في السلطة، وقد يكون إعدام الشهيد نمر النمر عاملا سلبيا في غير مصلحة ‘آل سعود’ يمكن استغلاله من قبل واشنطن لتفعيل مشروع التقسيم وضمان نجاحه، ولن تكون مشيخة البحرين في منأى عن هذا المخطط..

الموقــف الأمريكــي مـن “السعوديــة” اليــوم..

يجمع المراقبون في الولايات المتحدة، أن العلاقات الأمريكية – “السعودية” هي في أسوء حالها، والشرخ بين البلدين يزداد اتساعا، بعد أن لم تعد نفس المصالح المشتركة تجمعهما، وطفت على السطح خلافات عميقة وتباينات كثيرة في ملفات وقضايا عديدة، ناهيك عن تضارب القيم حد التعارض، وبدأ الإعلام والمجتمع المدني في أمريكا يطرح أسئلة محرجة حول جدوى التحالف مع نظام استبدادي فاسد يدعم الإرهاب ولا يحترم الحق في الحياة ويمثل أسوء ديكتاتورية على الأرض..

وفي اعتقادي، أن الرئيس أوباما الذي أكدت سنوات توليه الرئاسة في البيت الأبيض أنه أخطر رئيس عرفته أمريكا برغم هدوئه الظاهر وبرودة أعصابه وصبره الإستراتيجي، إلا أنه لا يمكن أن ينسى دخول “السعودية” على خط الثورات العربية وإفشال مشروع حكم “لإخوان” للعالم العربي الذي انهار بسقوط الرئيس المعزول محمد مرسي في المحروسة، وسقوطهم في تونس، وعرقلة وصولهم إلى الحكم في ليبيا، وفشلهم في حسم المنازلة في سورية، لإقامة خلافة إخوانية معتدلة يتحكّم في سياساتها حلف الناتو عبر تركيا كما كان يخطط أوباما..

واليوم أيضا، لا يمكن أن يسمح أوباما لآل سعود بإفشاله وعرقلة أهدافه التي أعلنها للأمة، من خلال محاولة “السعودية” إجهاض الإتفاق النووي وضرب التسوية السياسية في سورية كمدخل إجباري لهزيمة “داعش”، هذا يعني، أن التاريخ سيسجل أن نظام قبلي رجعي وظلامي استطاع هزيمة رئيس أمريكي عمل جاهدا لتجنيب بلاده ويلات الحروب، وأراد أن يدخل التاريخ من بوابة النووي والحرب على الإرهاب..

وبالتالي، العقل والمنطق يقولان أنه من المستحيل أن يتقبل أوباما سيناريو الفشل في آخر فترة من ولايته ولو من باب الافتراض العبثي.

لذلك، نعتقد أن الإدارة الأمريكية لن تسعى إلى تهدئة السعودية على خلفية الأزمة مع إيران كما قال ‘جون كيربي’ الناطق الرسمي للخارجية الأمريكية مطلع الأسبوع، في تأكيد لما سبق وأن صرح به الوزير ‘جون كيري’ بقوله، أنه “لا يجب الاستهانة بخطورة التصعيد الأخير بين الرياض وطهران”، وكان قد قال الأسبوع الماضي، إن بلاده “ستلتزم الحياد بين طهران والرياض”..

والسؤال الذي يُطرح بالمناسبة هو: – إذا كانت الإدارة الأمريكية مُدركة لخطورة التصعيد الأخير بين الرياض وطهران، وكل الخبراء ومراكز الدراسات الإستراتيجية في الغرب حذروا من المشهد الكارثي الذي يرتسم اليوم في المنطقة، فهل يعني هذا، أن واشنطن لا ترى مانعا في أن تقوم طهران بذبح البقرة الوهابية لإنهاء شرها في إطار صفقة روسية أمريكية سيقوم الوزير ‘جون كيري’ بمناقشة تفاصيلها مع الوزير لافروف هذا السبوع؟..

ربما.. لأن مقالة السيد محمد ظريف في “نيويورك تايمز” الأحد، والموجهة إلى الرأي العام الأمريكي والغربي، توحي بأن طهران لن تستمر في سياسة ضبط النفس طويلا، بدليل أنه وضع الرياض بين خيارين لا ثالث لهما: إما أن تتصرف بعقلانية وتقبل الحوار.. أو تستمر في دعم الإرهاب وزعزعة أمن واستقرار المنطقة والعالم.. وهذا تهديد مبطن له تبعاته السياسية وخياراته الإستراتيجية بالنسبة لطهران التي ترفض أن يتم عزلها عن عمقها الطبيعي في المنطقة من قبل نظام قبلي رجعي فاقد للشرعية والأهلية، ولن تصمت على ما يخطط له ولي ولي العهد المتهور لاستبعاد الاستثمارات الأجنبية عن قطاع النفط الإيراني بعد رفع العقوبات، عملا بمقولة قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق..

والسؤال المحير اليوم يطرح على الشكل التالي: – هل يفهم من الموقف الأمريكي، أن واشنطن لا تمانع في أن يقدم النظام “السعودي” على الانتحار، ولا بأس في أن تمد له طهران الحبل ليشنق به نفسه، لكن دون أن يتطور الأمر إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تفجر المنطقة وتجر أرجل القوى الدولية إلى الصدام، ما دامت “السعودية” رفعت شعار “أنا أو الطوفان” ويراها الغرب ترقص بلا إيقاع كالديك المذبوح قبل السقوط المريع؟..

نقول هذا لأن النظام في طهران ليس هو النظام في العراق زمن صدام لتستطيع واشنطن استدراجه لاستنزافه، وفي حال قررت إيران الرد، فهذا يعني أن الظروف أصبحت ناضجة، والرأي العام الدولي تم تحضيره ليتقبل التغيير الذي أصبح اليوم أكثر من ضرورة قبل أن تُرفع أعلام “داعش” والقاعدة في كل عواصم العالم، وأن هناك اتفاقا بين الكبار لضبط حدود وأبعاد اللعبة.

خيــارات إيــران الإستراتيجيــة..

كل المؤشرات تؤكد أن المنطقة دخلت منعطفا جديدا وخطيرا، وأن “السعودية” إذا لم تتراجع عن مغامرتها الانتحارية لتفجير المنطقة، فإن إيران ستتدخل بقوة لوضع حد للعبث “السعودي”، ولا يمكن بحال من الأحوال تصور أن طهران ستظل مكتوفة الأيدي وهي تتلقى الضربات الواحدة تلو الأخرى، ولن تسمح لمملكة الشر والظلام بعزلها وتهديد مصالحها وعمقها العربي ولا التسبب في انهيار سوق الاستثمارات الواعدة التي تعول عليها لتوفير الرفاهية لشعبها..

وبالتالي، يشتم من الأجواء العامة في طهران، وخصوصا بعد مقال السيد محمد جواد ظريف الأخير في “نيويورك تايمز”، أنه وبمجرد رفع العقوبات عن إيران، ستضطر الأخيرة لانتهاج سياسة صارمة جديدة، دشنها حزب الله بتصعيد غير مسبوق في الخطاب والموقف، لتمر من حالة تلقي الضربات بالصبر إلى حالة المبادرة بالهجوم، خصوصا وأن الأجواء الدولية اليوم تبدو مواتية كما أسلفنا، والانتقادات الدولية لجنون “السعودية” أصبحت تتصدر مانشيتات الأخبار من خلال تركيز الفضائيات وكبريات الصحف العالمية بشكل شبه يومي على خطورة النظام في الرياض على الأمن والسلم في منطقة الشرق الأوسط والعالم، وهذا أمر غير مسبوق البتّـة..

ونعتقد، وفق ما تعطيه نتائج التحليل، ولا نزعم أننا نملك معلومات دقيقة في هذا السياق، أن طهران ستركز في القادم من الأيام على المفاصل الأساسية التالية:

* تصعيد الحرب ضد الإرهاب في سورية والعراق، وتصعيد الموقف ضد أدوات “السعودية” في لبنان (تصريح النائب محمد رعد ضد الحريري نموذجا)، بما يعنيه ذلك من ضرب أدرعها في محور المقاومة وسحب البساط من تحت أقدامهم وإفشال أحلامهم في النفوذ والسيطرة..

* الدخول على خط الصراع في اليمن بتزويد الجيش واللجان الشعبية بما يحتاجونه من سلاح وإمكانات متطورة تحسم الحرب لصالحهم، وتفعيل المقاومة الجنوبية بالتنسيق مع الجيش اليمني وأنصار الله لطرد المحتل “السعودي” والإماراتي وعملائهم من عدن والمناطق التي يسيطرون عليها، وهذا ما رشح في آخر المعلومات، لأنه في انتصار الشعب اليمني هزيمة لـ’آل سعود’ وسقوط مُدوّي لعرشهم.

* تثوير المعارضة السياسية الشيعية والسنية في المنطقة الشرقية والبحرين لإدخال “السعودية” في دوامة الثورات الملونة التي من شأنها استنزافها من الداخل وإشغالها في ما يُهدّدها، وهذا أمر لن تنفع معه التحالفات العربية لمواجهة ثورات الشعوب العادلة والمُحقّة.

* إغراق الأسواق بالنفط والغاز لتدمير اقتصاد آل سعود في الداخل، ما سيدفع الشعب السعودي للانفجار بسبب سياسة الضرائب ورفع الدعم عن المحروقات والمواد الأساسية وغلاء المعيشة والبطالة والفقر وخلافه…

وبذلك، ستكون لمقولة “ما قبل إعدام الشهيد نمر باقر النمر ليس كما بعده”، وجاهتها ومصداقيتها على الأرض، لأن الشهيد النمر لم يُعدم لأنه مواطن سعودي، أو لأنه إرهابي، بل أُعدم لأنه “شيعي” كما قال وزير خارجية بريطانيا الأسبق ‘جاك سترو’ الأحد، وأكدت مراكز دراسات أمريكية أن هدف “السعودية” من هذا الإعدام الوحشي غير المُبرر أخلاقيا وقانونيا، هو جر إيران لردة فعل تستغلها الرياض في إشعال حرب طائفية ضدها.. وهذه هي الحقيقة التي بات يعرفها الجميع ويدرك الهدف منها وخطورة تداعياتها الكارثية..

وفي انتظار ما ستسفر عنه تطورات الأحداث في القادم من الأيام، تجدر الإشارة بالمناسبة، إلى أنه في المحطات التاريخية المفصلية الكبرى، حين يحتدم الصراع بين الحق والباطل، لا مكان للمنطقة الرمادية، وكل من يقف موقف الحياد يختار مسبقا موقف النّفاق، ويساهم من حيث يدري أو لا يدري في أن يسود الظلام..

وحيث أن المعركة هي سياسية بامتياز، بين الحرية والعبودية، بين النور والظلام، بين العيش بكرامة أوالقبول بالذل والإهانة، ولا علاقة لها بالطائفية من قريب أو بعيد، فإن موقعنا الطبيعي الذي يرضي الله ورسوله والذين آمنوا هو مع رجال الله المخلصين في محور المقاومة الذين يجاهدون كي ينتصر الحق على الباطل ليسود العدل والمحبة والسلام.

أحمد الشرقاوي-بانوراما الشرق الأوسط

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك