الرئيسية - تحليلات - إيران ـ السعودية: وساطات لا تبدّد التوتر

إيران ـ السعودية: وساطات لا تبدّد التوتر

ما زالت الأزمة بين ايران والسعودية تراوح مكانها، برغم التراجع النسبي في وتيرة المواقف النارية المتبادلة بين الطرفين، وفي ظل دخول أطراف عدّة على خط الوساطة، التي يبدو أنها ما تزال صعبة.
وفي مؤشر على استمرار الأزمة السياسية الحادة، ووسط مخاوف إزاء تأثيراتها على الملفات المشتعلة في الشرق الأوسط، اتهمت طهران، يوم امس، الرياض بقصف سفارتها في صنعاء، كما عمدت الى قطع العلاقات التجارية مع المملكة النفطية، في حين اتخذت دول عربية عدّة إجراءات ديبلوماسية بحق الجمهورية الإسلامية.
وبرغم ان التصريحات والإجراءات المتبادلة جعلت الأزمة الجديدة تراوح مكانها، فإنّ ثمة مؤشرات برزت خلال اليومين الماضيين تشي برغبة الفريقين في احتواء التوتر مرحلياً، بانتظار ما سيتمخض عنه الحراك الديبلوماسي المتعدد الأطراف لرأب الصدع، والذي تمثل في دخول مباشر من قبل العراق وباكستان والصين على خط التهدئة، وهو ما عكسته تصريحات ولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لمجلة «ايكونوميست»، حين قال ان الحرب المباشرة بين السعودية وايران «كارثة لن نسمح بوقوعها»، وتأكيد الرئيس الإيراني حسن روحاني أن المحتجين الذين هاجموا سفارة السعودية في طهران وقنصليتها في مشهد سيحاكمون امام القضاء.
وانضمت قطر والاردن وجيبوتي والصومال وجزر القمر خلال اليومين الماضيين إلى الدول العربية الأخرى المتضامنة مع السعودية، عبر اتخاذ اجراءات ديبلوماسية ضد ايران تراوحت بين قطع العلاقات واستدعاء السفراء.
وقررت جزر القمر استدعاء سفيرها في طهران بهدف اظهار «تضامنها» مع المملكة السعودية، محملة إيران مسؤولية «مناخ التصعيد».
ويأتي قرار جزر القمر غداة زيارة وفد سعودي مدني وعسكري لموروني، تم خلالها النظر في حاجات جزر القمر في مجالات عدة بينها الطاقة.
وكانت السعودية منحت موروني، اثر زيارة رئيس جزر القمر للرياض في كانون الأول الماضي، 40 الف يورو ما اتاح تسديد رواتب موظفين غير مدفوعة منذ ثلاثة اشهر.
من جهتها، اعلنت جيبوتي انها قطعت علاقاتها الديبلوماسية مع إيران ردا على اقتحام محتجين إيرانيين السفارة السعودية في طهران.
واعلنت وزارة الخارجية الصومالية في بيان عن «قطع العلاقات الدبلوماسية» مع طهران، وامهلت الدبلوماسيين الايرانيين 72 ساعة لمغادرة البلاد. واشارت الى ان «هذه الخطوة اتخذت بعد تفكير مطول وردا على تدخل جمهورية ايران المستمر في الشؤون الداخلية الصومالية» من دون اعطاء تفاصيل اضافية.
كذلك، أعلنت «وكالة الأنباء القطرية» أن الدوحة استدعت سفيرها لدى طهران على خلفية «الاعتداءات» على المقرين الديبلوماسيين السعوديين في ايران.
وتشترك قطر مع إيران في أكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم تحت مياه الخليج.
وبدورها، ذكرت وكالة الانباء الاردنية «بترا» ان وزارة الخارجية استدعت السفير الإيراني للتأكيد على إدانة الهجوم على السفارة السعودية في طهران، و «التدخل الإيراني» في الشؤون الداخلية للدول العربية.
واعربت سلطنة عمان عن «اسفها» للهجومين على مقري السفارة والقنصلية السعوديتين، لكنها لم تتخذ اية اجراءات ديبلوماسية بحق ايران.
وفي موازاة ذلك، اتهمت ايران الطيران السعودي بقصف سفارتها في اليمن، وهو ما نفته قيادة «التحالف السعودي».
وقال نائب وزير الخارجية الايراني حسين امير عبد اللهيان انه «خلال هجوم جوي شنته السعودية على صنعاء، سقط صاروخ قرب سفارتنا، وللأسف اصيب احد حراسنا بجروح بالغة… وسنبلغ مجلس الامن الدولي بتفاصيل هذا الهجوم».
من جهته، قال المتحدث باسم الخارجية الايرانية حسن جابر انصاري إنّ «هذا العمل المتعمد من قبل السعودية يشكل انتهاكا لكل الاتفاقيات الدولية حول حماية البعثات الديبلوماسية».
الى ذلك، اعلنت طهران منع دخول كل المنتجات السعودية او المستوردة منها.
واوضح موقع الحكومة الإيرانية على شبكة الانترنت ان «مجلس الوزراء منع دخول كل المنتجات السعودية او المستوردة من السعودية»، مشيرا الى الابقاء على منع اداء مناسك العمرة في مكة «حتى اشعار اخر».
وفي مقابل تلك الإجراءات، برزت يوم امس تصريحات رسمية أكثر هدوءًا بشأن الأزمة الجديدة بين ايران والسعودية.
وأوردت مجلة «إيكونوميست» قول ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إن نشوب حرب بين بلاده وإيران «سيكون إيذانا بكارثة لن نسمح بها».
وقال الامير السعودي «هذا شيء لا نتوقعه على الإطلاق، وأيا كان من يدفع في هذا الاتجاه فهو شخص لا يتمتع برجاحة العقل». وأضاف أن الرياض قلقة مما تراه ميلا من الولايات المتحدة للعب دور أقل في الشرق الأوسط، موضحاً ان «على الولايات المتحدة أن تدرك أنها البلد رقم واحد في العالم، وعليها أن تتصرف على هذا الأساس».
وأشار محمد بن سلمان الى ان السعودية لا تنوي التصعيد أكثر، لافتاً الى ان التوتر بين الرياض وطهران «بلغ ذروته ونحاول عدم تصعيده أكثر من ذلك… ولكننا نرد على الخطوات التي يتم اتخاذها ضد المملكة».
ورداً على سؤال: «هل تعتبر إيران العدو الأكبر للسعودية؟»، أجاب بن سلمان قائلاً: «أتمنى ألا تكون».
ومن جهته، طلب الرئيس الايراني حسن روحاني من رئيس السلطة القضائية اجراء محاكمة سريعة وفعالة للاشخاص الخمسين المتهمين بالضلوع في الهجوم على السفارة السعودية في طهران.
وجاءت الرسالة الموجهة الى آية الله صادق لاريجاني على موقعه الالكتروني.
وكتب روحاني «للمرة الاخيرة هذا النوع من الاعتداءات ضد امن البلاد والتي تشكل اهانة للسلطة يجب الا تتكرر من خلال معاقبة الذين قاموا بها وكذلك الذين اعطوا الامر للتحرك».
وبحسب مصادر قضائية، فإن 50 شخصا اعتقلوا من بينهم قادة الهجوم.
وتأتي هذه المواقف غداة تحرك ديبلوماسي متعدد الأطراف لرأب الصدع بين اكبر قوتين في الشرق الأوسط.
وقال وزير الخارجية العراقي إبراهيم الجعفري في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الإيراني محمد جواد ظريف في طهران إن الخلاف قد يثير «تداعيات واسعة».
وأضاف الجعفري «لنا علاقة وطيدة مع الجمهورية الإسلامية وكذلك مع أشقائنا العرب لذلك لا يمكن للعراق أن يقف ساكتا إزاء هذه الأزمة».
وفي السياق، اعلن البيت الابيض ان الرئيس باراك اوباما ورئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي ناقشا، اثناء محادثة هاتفية، «قلقهما المشترك» بشأن الأزمة السعودية – الايرانية، موضحاً ان الزعيمين «اتفقا على الحاجة إلى أن تظهر جميع الاطراف في المنطقة ضبط النفس، وأن تتفادى الخطاب والسلوك الاستفزازيين وتتجنب مفاقمة التوترات الطائفية».
بدورها، أوفدت وزارة الخارجية الصينية مبعوثاً إلى السعودية وإيران للتوسط بين الجانبين.
وقالت متحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية ان بكين «تأمل في أن تظل كل الأطراف هادئة، وتحافظ على ضبط النفس وتحسم بشكل مناسب كل القضايا ذات الصلة من خلال الحوار والتشاور».
إلى ذلك، وصل وزير الخارجية السعودي عادل الجبير إلى باكستان، وعلى جدول اعماله لقاءات مع مسؤولين كبار في الحكومة الباكستانية التي تسعى لنزع فتيل التوتر الطائفي بين السعودية وإيران.
وتأتي زيارة الوزير السعودي بعدما نأت باكستان بنفسها، في كانون الأول الماضي، عن «التحالف الاسلامي» ضد الارهاب، الذي شكلته الرياض، كما أحجمت اسلام اباد عن تلبية دعوة سعودية للمشاركة في حرب اليمن.
وتسعى باكستان لتعزيز الروابط التجارية مع كل من إيران والسعودية والاستفادة من مواردهما الوفيرة من الطاقة.
وبين باكستان والسعودية تحالف وثيق قائم منذ عقود وأمضى نواز شريف فترة في المملكة في العقد الأول من هذا القرن بعد الإطاحة به في انقلاب عسكري.
وقال مستشار رئيس الوزراء الباكستاني للشؤون الخارجية سارتاج عزيز إن باكستان دولة صديقة لكل من السعودية وإيران، مشيراً الى انها ستسعى لرأب الصدع بينهما خلال زيارة الجبير.

صحيفة السفير
لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك