الرئيسية + تحليلات + السعودية وإيران بين الأسد والنمر

السعودية وإيران بين الأسد والنمر

في أول خطاب للملك سلمان بن عبد العزيز بعد توليه عرش السعودية قبل نحو عام. قال: «ان أمتنا العربية والإسلامية هي أحوج ما تكون اليوم إلى وحدتها وتضامنها». وقبله بنحو أسبوعين قال مرشد الثورة الإسلامية السيد علي خامنئي في المؤتمر 28 للوحدة الإسلامية في طهران: «إن الوحدة بين المسلمين تتصدر اليوم أهم الأولويات».
لا شيء يناقض تلك النوايا الحسنة بين الجارين اللدودين، سوى غرق ما بقي من أمة إسلامية وعربية في أسوأ فتنها. لعل اعدام الشيخ نمر باقر النمر يؤرخ لمرحلة خطيرة جدا من العداوة بين البلدين. وسينعكس دمويا في ساحات عربية.
ماذا يقلق السعودية فعلا؟
– يقلقها أن إيران المتهمة سعوديا بـ «التمدد في الدول العربية» انتقلت من «محور الشر» الى شريك استراتيجي دولي في محاربة الإرهاب والبحث عن تسويات سياسية.
– يقلقها أن إيران وروسيا والرئيس بشار الأسد و «حزب الله «وحلفاءهم قد يغيرون كثيرا من المسارات العسكرية والسياسية، وسط تفاهم روسي أميركي واضح. لعل مقتل قائد «جيش الإسلام» زهران علوش، الحليف للرياض، عزز هذا القلق.
-يقلقها انه في الشهر العاشر للحرب على الحوثيين، ها هو الناطق العسكري السعودي العميد الركن أحمد العسيري يكشف عن 1000 اختراق او محاولة اختراق للحدود السعودية.
-يقلقها أن الضغوط الأميركية والدولية عليها لوقف تمويل الجماعات المسلحة او دعمها، يقابله انفتاح اقتصادي وسياحي هائل على إيران.
-يقلقها ان إيران تطور علاقاتها الاستراتيجية مع روسيا على نحو لافت. تشير تصريحات مسؤولي البلدين الى تعاون قد يتخطى 40 مليار دولار. يتحدث البعض عن احتمال الوصول الى 70 مليارا في اتفاقيات تشمل مجالات مختلفة بينها النووي.
-يقلقها ان وكالة الطاقة الذرية الدولية برأت، بعد 12 عاما من التفتيش، إيران من أي بحوث تتعلق بالتسلح النووي. كانت الوكالة قد اجرت منذ عام 1977، 2000 عملية تفتيش ولم تعثر على أي دليل فعلي حول قنبلة نووية محتملة. بينما الخبير الإسرائيلي مردخاي فعنونو، المسجون بتهمة الخيانة في إسرائيل، كشف عن وجود 200 قنبلة نووية اسرائيلية على الأقل حتى العام 1986.
والى القدرات الصاروخية الباليستية وغيرها التي تستمر إيران في الكشف عنها حتى بعد توقيع اتفاقها النووي مع الغرب، فإنها باتت حسب تقرير طومسون رويترز في المركز 17 عالميا في انتاج العلوم منذ عام 2013. انتجت 2925 مقالا علميا متخصصا. ازداد انتاجها العلمي نحو 20 ضعفا منذ 1996. انفقت 3،6 مليار دولار فقط عام 2011 على البحث العلمي. تنتج سنويا نحو 40 ألف كتاب وتطبع ما يقارب 250 مليون نسخة، ناهيك عن الأقمار الصناعية وتكنولوجيا النانو وإنتاج السيارات (نحو مليون سيارة حتى وقت الحصار).
يمكن للمرء أن يتخيل ارتفاع نسبة كل ذلك بعد رفع العقوبات، ومضاعفة انتاج النفط. قال حسن قمصري، مدير الشؤون الدولية في شركة النفط الوطنية الإيرانية، في الصيف الماضي: «سنسعى لرفع طاقتنا لتصدير الخام إلى أوروبا لأقصى مستوى ممكن واستعادة حصة تتراوح نسبتها بين 42 و43». الإنتاج اليومي قد يصل الى مليون برميل بعد مضاعفته.
كيف لا تقلق السعودية وهي ترى إيران بكل قدراتها في العراق وسوريا ولبنان واليمن وفلسطين؟ لذلك فهي سعت، ونجحت الى حد ما وبالتعاون مع دول أخرى، في استنزاف ايرن و «حزب الله» عسكريا وبشريا وماليا في سوريا. حاولت احتواء روسيا عبر اغرائها بعقود كبيرة. فتحت أبواب الصفقات على مصراعيها لفرنسا أملاً في لي ذراع أوباما وادارته ورغبة في إبقاء باريس الاشتراكية على تصلبها حيال إيران والأسد. كانت النتيجة ان الرئيس فرانسوا هولاند حصد عشرات مليارات الدولارات من الرياض لكنه كان أول من أرسل وزير خارجيته الى طهران لخطب ودها بعد الاتفاق. وها هي فرنسا تساعد على نحو غير مباشر الجيش السوري بضرب داعش والارهاب. ثم تقاربت الرياض مع الاخوان المسلمين وحماس رغم وضعها الاخوان على لائحة الإرهاب، ثم قررت إقامة مجلس تعاون استراتيجي مع تركيا (المتخاصمة مع مصر الحليفة للسعودية حاليا) ثم أعلنت تحالفا عسكريا إسلاميا بعد التحالف العربي الذي بقي هشا منذ «عاصفة الحزم».
الواضح ان العرش السعودي، كان يأمل بأن تستنهض كل هذه الخطوات نوعا من «القومية العربية السنية» ضد «القومية الفارسية الشيعية». الواضح أيضا ان إسرائيل سعت لانتهاز هذه الفرصة عبر تعزيز الإشارات باتجاه إقامة علاقات مباشرة مع السعودية وبعض دول الخليج.
حاولت بعض الدول وفشلت في دفع السعودية وإيران الى نوع من التفاهم لتخفيف الاحتقان، لكن يبدو من خلال اعدام الشيخ النمر، والذي يأتي في أعقاب أشهر قليلة على مقتل واختفاء حجاج ومسؤولين إيرانيين في منى بالسعودية، أن الأمور لا تزال فوق برميل بارود. إعدام الشيخ النمر مع إرهابيين وفي اول العام الجديد وبعد أيام على مقتل زهران علوش، وقبيل وقف الهدنة في اليمن وقبل مؤتمر جنيف السوري، يحمل كثيرا من الرسائل.
ولأنه كذلك، فان ارتداداته ستكون حتما في ساحات الصراع اليمنية والسورية والعراقية وقد يمتد بعضها الى داخل الخليج. ليست إيران من النوع الذي سيرد على اعدام النمر بإطلاق صواريخ من طهران، لكنها حتما سترد عبر حلفائها. تماما كما فعلت روسيا بعد اسقاط تركيا لطائرتها. فهي سرَّعت المعركة في الشمال كاسرة كل المحرمات التركية وغيرها.
النتيجة ان ملفات كثيرة في المنطقة، وبينها الرئاسة اللبنانية، ومؤتمر جنيف السوري، وحرب اليمن، مرشحة للتدهور، ما لم يكثف الروس والأميركيون جهودهم لاحتواء الخطر. وهم على الأرجح سيفعلون. فأوباما الذي نجح مع إيران وكوبا، مقتنع بأن الإنجاز الوحيد القادر على تحقيقه في سوريا هو ترك الروس ينجحون او يديرون الحرب حتى مغادرته البيت الأبيض. ما عاد مهما ان بقي الأسد او لا.
جاء في بيان الداخلية السعودية حول اعدام النمر والمتهمين الاخرين، نقلا عن الرسول الكريم: « فمن أراد ان يفرق هذه الامة وهي جميع، فاضربوه بالسيف كائنا من كان». لا شك أن الذي يفرق الامة حاليا يتفرج من تل أبيب ومن الكونغرس الأميركي على الصراع الإيراني السعودي وعلى تعميق الفتنة السنية الشيعية وعلى تفكك الدول العربية بكثير من الفرح.
يخشى إذا أن يكون اغتيال النمر محاولة جديدة لدفع إيران إلى فخ المواجهة المباشرة مع السعودية.. والأكيد أن ما بعد الاغتيال ليس كما قبله.

سامي كليب-السفير
لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك