آثار المدينة المنورة.. حتى لا يطوي بقيتها النسيان!

كانت المدينة المنورة قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم اليها تعرف باسم (يثرب). فقد ورد اسمها بهذه الصيغة في القرآن الكريم في قوله تعالى: (وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستئذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا).

وكانت يثرب من مدن الحجاز المتحضرة، ومركزاً تجارياً وثقافياً في عهد ما قبل الإسلام، وازدادت أهميتها ومكانتها بعد أن خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجراً اليها، إذ قال: (اللهم إنك أخرجتني من أحب أرضك إليّ فأنزلني أحب أرض إليك). وإذا كان تاريخ المدينة زاخراً في عهد ما قبل الإسلام، فإن هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم قد حولها الى (مدينة) بمفهوم حضاري واضح انسحب على تسميتها فسميت بـ (المدينة)، وأصبحت مهبط ما تبقى من الوحي، وصارت عاصمة الإسلام، ومقرّاً للخلفاء الراشدين، وإليها تشد الرحال حجاً وزيارة وتبركاً: (لا تشدّ الرحال إلا الى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى).

هكذا بدأت نشأة هذه المدينة الإسلامية وتخطيطها من يثرب، بعد هجرة الرسول إليها، وبها كان بداية وضع بذور المسجد الجامع، بالإضافة الى مساجد الصلوات الخمس. كانت المدينة ـ بالإضافة الى مكة ـ موضع اهتمام من قبل الخلفاء والحكام على مر العصور التاريخية، وهو ما ساعد بلا شك على ازدياد النمو العمراني فيها، كما حظيت المنشآت المعمارية بشكل عام، والمسجد النبوي بصفة خاصة، بالعناية والرعاية والتجديد والإضافة، مما أخرج هذه المنشآت عن صورتها الأولى.

أسهبت المصادر التاريخية والجغرافية، وكتب الرحلات في وصف المنشآت المعمارية، وأعمال التجديد، والإضافات التي قام بها الخلفاء والسلاطين على مر العصور بالمدينة المنورة، وكذلك في وصف ما شيدوه من مساجد، ومدارس، ورباطات، وتكايا، وحمامات، وبرك، وأسبلة، وقصور، ودور، بالإضافة الى الأسوار والبوابات وغيرها. كما تضمنت هذه العمائر كثيراً من اللوحات الكتابية التأسيسية التي نقشت بخطوط متنوعة.

ولعل المرء لا يكون مغالياً إذا أشار الى أن الجزء الواقع ضمن نطاق المدينة المنورة من طريق الهجرة النبوية الشريفة، وما ارتبط بها من أمكنة، ومعالم تاريخية، يعد أقدم الشواهد الأثرية الإسلامية بالمدينة المنورة. وعلى أية حال يمكن تقسيم الآثار الإسلامية بالمدينة المنورة الى نوعين رئيسين، هما العمارة والكتابة الإسلامية. وتنقسم العمارة الإسلامية بالمدينة المنورة، حسب وظائفها، الى:

1/ العمارة الدينية: مساجد ومدارس ورباطات.
2/ العمارة المدنية: قصور، وحمامات، وأسواق.
3/ العمارة الحربية: آطام، حصون، أسوار.
4/ المنشآت المائية: آبار، عيون، وسدود وبرك.

أولاً ـ العمارة الدينية

وتتمثل فيما اختط بالمدينة المنورة من مساجد ومدارس ورباطات وهي على النحو التالي:

أ ـ المساجد

أول ما عني به الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن قدم الى يثرب هو أن يؤسس المسجد، وقد ألحق به حجرات سكن بضلعه الشرقي، وأصبح هذا المسجد الأصل الأول للمساجد الكبرى، وتم تخطيطه بحيث يناسب إقامة شعائر الصلاة، بالإضافة الى أنه المركز الرئيس للمسلمين، حيث يبحثون فيه جميع أمور دينهم ودنياهم. كما أن المسجد كان يقوم في بداية عهده بالعديد من الوظائف التي تطورت بعد ذلك، وأصبحت لها منشآتها الخاصة، مثل التدريس والتصوف. ومن ثم صار تخطيط المسجد النبوي الشريف أساساً لتصميم المساجد الجامعة في الأقطار الإسلامية، لا سيما في القرون الأربعة الأولى من الهجرة، كما صار من أهم الطرز المعمارية لبناء المساجد في مختلف الأقطار الإسلامية على مر العصور التاريخية.

لم يكن مسجد الرسول أول مسجد بناه صلى الله عليه وسلم في المدينة، فقد سبقه في التأسيس مسجد قباء، هذا المسجد الذي وصفه الله تعالى في القرآن الكريم بقوله: (لا تقم فيه أبداً لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه، فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين).

انتشرت المساجد حول المسجد النبوي، وصلى عليه السلام في معظمها، وحرص الخلفاء والسلاطين على مر العصور التاريخية على الإهتمام بها، وتجديدها، وتوسيعها. كما ورد في المصادر التاريخية أن الوالي عمر بن عبد العزيز، من قبل الخليفة الأموي الوليد بن عبدالملك، حدد الأماكن في المواضع التي صلى فيها الرسول صلى الله عليه وسلم فجددها. هذا وقد شيدت على مر العصور الإسلامية المتعاقبة العديد من المساجد الأخرى في المدينة المنورة، لعل من أشهرها ما حول الحرم النبوي: مسجد المصلى، ومسجد أبي بكر الصديق، ومسجد علي بن أبي طالب، وبمنطقة قباء مسجد قباء، ومسجد الجمعة، ومساجد أخرى مثل: مسجد الفتح، ومسجد سلمان الفارسي، ومسجد عمر بن الخطاب، ومساجد خارج المدينة مثل: مسجد القبلتين، ومسجد الفضيخ، ومسجد الإجابة، ومسجد الشجرة، ومسجد السقيا، ومسجد العنبرية. ولعل أشهر هذه المساجد مسجد قباء، والمسجد النبوي، ومسجد القبلتين.

1 ـ مسجد قباء: ويقع في منطقة قباء جنوب المدينة المنورة، وهو أول مسجد بني في الإسلام، شيّده الرسول صلى الله عليه وسلم بعد وصوله الى قباء، وأسسه لبني عمرو بن عوف، وكان أول من وضع حجراً في قبلته. ثم جاء أبو بكر بحجر فوضعه الى جوار حجر الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم أخذ الناس في البنيان، وهكذا ضرب الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم مثلاً للقدوة الحسنة التي أمر بها الإسلام، حيث شارك المسلمين في البناء بنقل الحجارة بيده الكريمة.

اهتم الخلفاء بهذا المسجد لما له من مكانة خاصة عندهم، فهو أول مسجد بناه الرسول صلى الله عليه وسلم مع الصحابة الكرام رضي الله عنهم، وأورد الله سبحانه وتعالى ذكره في القرآن الكريم. وقد قام بترميمه وتجديده وتوسعته الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكذلك فعل عمر بن عبد العزيز والي المدينة من قبل الخليفة الوليد بن عبد الملك الذي عمل على توسعته وزيّنه بالفسيفساء، وشيّد له مئذنة، وسقفه بخشب الساج، وأصبح تخطيطه عبارة عن صحن أوسط يحيط به أربع ظلات.

لقي هذا المسجد كل الإهتمام والرعاية والتجديد من قبل المسلمين في العصور التالية، وكان آخر هذه التجديدات في العهد السعودي حيث بلغت مساحته الإجمالية 1440 متراً مربعاً، وكان ذلك في عهد الملك فيصل بن عبد العزيز سنة 1388هـ/ 1967م، حيث زيد فيه رواق بالجهة الشمالية مع مدخل خاص للنساء، وهكذا دخلت المئذنة ضمن نطاق المسجد بعد أن كانت بارزة في الركن الشمالي الغربي في السابق.

تخطيط المسجد حالياً عبارة عن صحن مستطيل يحيط به اربع ظلات، أكبرها ظلة القبلة، وتتكون من ثلاثة أروقة، يقابلها بالجهة الشمالية رواقان، أما كل من الظلتين الجانبيتين (الشرقية والغربية) فرواق واحد، وسقفت الأروقة بالقباب، أما أرضية الصحن والأروقة فمغطاة بالرخام الأبيض.

2 ـ المسجد النبوي: ويتوسط المدينة المنورة، وقد شيّده الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن قدم الى يثرب، وكان موقعه مربداً للتمر لغلامين يتيمين في المدينة، هما سهل وسهيل، كان قد بركت فيه الناقة التي كان يمتطيها الرسول صلى الله عليه وسلم حين دخل يثرب أول الهجرة، وابتاعه الرسول، وأمر صلى الله عليه وسلم بتمهيد أرضه وبناء المسجد. واشترك الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه في البناء مع الصحابة، فقد كان ينقل اللبن والحجارة بنفسه، وكان هذا المسجد في أول أمره بسيطاً يترجم بساطة الإسلام ويسره.

أُقيم المسجد أول الأمر على قطعة أرض أطوالها سبعون ذراعاً × ستين ذراعاً تقريباً (46.55م × 39.90م) وبني أساسه من الحجارة، وجدرانه من اللبن. ولم يكن للمسجد في بداية الأمر سقف، فشكا المسلمون ذلك الى رسول صلى الله عليه وسلم، فأمر بعمل ظلّة من ثلاثة أروقة، بواسطة ثلاثة صفوف من الأساطين من جذوع النخل، وسقفه كان جريداً وخوصاً.

وبعد سبع سنوات من الهجرة تمت توسعته في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم من ثلاث جهات: الشرقية والغربية والشمالية، فأصبحت أطوال المسجد تسعين ذراعاً × مائة ذراع تقريباً (59.85م × 66.5م). وتخطيطه صحن أوسط، يحيط به ظلتان: ظلة القبلة من ثلاثة أروقة، بواسطة ثلاثة صفوف، كل صف به تسع سوار من جذوع النخل: خمس على يسار المسجد نحو الغرب، وأربع من يمينه نحو الشرق.

وظلت أماكن هذه السواري يقام فيها الأعمدة، عند أي تعمير في المسجد، وصار جدار المسجد الشرقي ملتصقاً ببيوت (حجرات) زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم، وأصبح للمسجد آنذاك ثلاثة أبواب، ظلت في أماكنها هي الأخرى بعد ذلك، ومازالت تعرف بأسمائها وهي: باب جبريل في الشرق، وباب النساء في الشمال، وباب الرحمة في الضلع الغربي. وعندما انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم الى الرفيق الأعلى دفن في حجرة السيدة عائشة التي توفي فيها، ومن ثم تحولت الى قبره الشريف.

اهتم الخلفاء الراشدون بالمسجد النبوي، فجرت توسعته في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة 17هـ/ 637م، وفي عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه سنة 29هـ/ 649م، فهدم المسجد وأعاد تشيده وعمارته، وأصبحت اطواله (160 × 130 ذراعاً ـ 106.4م × 86.45م) وشيده بالحجارة المنقوشة والجص، وجعل أعمدته من الحجر المنقوش، وسقفه بالساج، وبنى بداخله مقصورة من الحجر كما أصبح للمسجد ستة أبواب.

بقي المسجد على حاله ما يقرب من ستين سنة حتى أجرى الخليفة الأموي الوليد بن عبدالملك عمارة هامة فيه من الناحية المعمارية والفنية، على يد واليه على المدينة عمر بن عبد العزيز سنة 88هـ/ 706م، وبدأت عملية الهدم، وفُرغ من العمارة والبناء بعد ثلاث سنوات، ولذلك حدثت ـ لأول مرة ـ توسعة للمسجد النبوي جهة الضلع الشرقي، حيث ضمت حجرات أزواج النبي صلى الله عليه وسلم للمسجد، وزودت الحجرة النبوية الشريفة التي دفن فيها الرسول صلى الله عليه وسلم بضلع خامس، وذلك لكي يختلف شكلها عن شكل الكعبة المشرفة، وجعل الجدار الشرقي للمسجد منحرفاً لا عمودياً على جدار القبلة. كما زوّد المسجد لأول مرة بأربع مآذن.

واتخذت المقصورة التي بظلة القبلة من الساج، كما أدخل عمر بن عبدالعزيز لأول مرة المحراب المجوف في جدار القبلة. هذا من الناحية المعمارية، اما من الناحية الفنية، فقد كسيت جدران المسجد من الأسفل بألواح الرخام، يعلوها زخرفة بفسيفساء من فصوص الزجاج الملون، وسقف بخشب الساج المزين بالزخارف المدهونة المذهبة. وأصبحت أطوال المسجد بعد التوسعة (167.5 × 200 ذراعاً ـ 111.39م × 133م) يتكون من صحن أوسط، تحيط به أربع ظلات، أكبرها ظلة القبلة، وتتكون من خمسة أروقة، يقطعها مجاز قاطع (بلاطة عمودية) تنتهي بدخلة المحراب، ويعلو مربع المحراب قبة. والظلة الثانية من خمسة أروقة أيضاً، أما الظلة الغربية فتتكون من أربعة أروقة، بينما الظلة الشرقية فتتكون من ثلاثة أروقة.

بقيت عمارة الوليد في المسجد النبوي دون تغيير يذكر حتى تولى الخلافة الخليفة العباسي المهدي، فأمر بعمارته في سنة 161هـ/ 777م، وقيل أن ذلك تم في السنة التالية، وانتهى من العمارة سنة 165هـ/ 781م، واقتصرت على توسعته من جهة الشمال بقدر خمسة وستين ذراعاً (43.225 متراً) وقيل إن مؤخره زخرف بالفسيفساء.

احتفظ المسجد النبوي بنظامه وتخطيطه على ذاك، ولكنه جدد على يد سلاطين المماليك دون توسعات، ومن أهم تجديدات سلاطين المماليك تلك التجديدات التي أمر بها السلطان قايتباي (1474 ـ 1476م). وقد اهتم أيضاً سلاطين آل عثمان بالمسجد النبوي، حيث شهد في عهدهم تجديدات وتوسعات. وكان أول من قام منهم بإصلاحات فيه السلطان سليمان القانوني (926ـ974هـ/ 1520ـ1566م).

أما في عصر السلطان محمود الثاني (1223-1255هـ/ 1808ـ1839م) فقد حظيت قبة الحجرة النبوية الشريفة بالإهتمام، فهدمت القبة التي أُقيمت على عهد السلطان قايتباي المملوكي لوجود شروخ بها، وتم تشييد قبة جديدة وغطيت بالرصاص، ودهنت باللون الأخضر، وذلك سنة 1228هـ/ 1813م. كما كسيت الجدران الخارجية للحجرة النبوية الشريفة بالبلاطات الخزفية (القيشاني) العثمانية الطراز.

أما في عهد السلطان عبدالمجيد الأول (1255ـ1277هـ/ 1839ـ1861م) فقد شهد المسجد النبوي أكبر عمارة في العصر العثماني، حيث أُعيد بناء المسجد وزخرفته، واستغرقت عمارته اثني عشر عاماً، من سنة 1265هـ حتى سنة 1277هـ/ 1848ـ1861م، وتكلفت تلك العمارة ثلاثة أرباع مليون جنيه مجيدي، وأصبحت مساحة المسجد مستطيلة المسقط (116.25 م طولاً وعرضه من جهة القبلة 86.25 متراً، ومن الجهة الشمالية 66 متراً).

وكان للمسجد خمسة أبواب: (السلام والرحمة في الغرب، النساء وجبريل في الشرق، والباب المجيدي بجهة الشمال)، وله خمس مآذن، في كل ركن من أركانه مئذنة، وجميعها على الطراز العثماني، حيث تم تجديدها في ذلك العصر، باستثناء المئذنة الموجودة بالزاوية الجنوبية الشرقية من المسجد بجوار القبة الخضراء فهي على الطراز المملوكي.

وأخيراً في العهد السعودي شهد المسجد النبوي الشريف توسعات وإصلاحات كثيرة، وأخذ صورته الجميلة الحالية. وفي عهد الملك فهد شهد المسجد النبوي أكبر توسعة على مر التاريخ الإسلامي، بل أن هذه التوسعة شملت معظم مساحة المدينة المنورة القديمة، ونفذت على أعلى مستوى معماري من الناحية الهندسية والفنية، واستخدمت في البناء أرقى المواد من المرمر والرخام الملون وغير الملون والأخشاب النفيسة والمعادن الغالية، والمظلات الكهربائية، مع الحفاظ والإبقاء على العمارة الإسلامية السابقة، والمواءمة بينها وبين العمارة الإسلامية الحديثة.

3 ـ مسجد القبلتين: هذا المسجد شيّده بنو سواد بن غنم بن كعب على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وسمي بهذا الإسم لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بأن يستقبل الكعبة بدلاً من بيت المقدس بينما كان يصلي صلاة الظهر فيه في 15 شعبان سنة 2هـ/ 624م. وتشير بعض المصادر الى أن التحول كان في صلاة الظهر بالمسجد النبوي، وأن المصلين في مسجد بني سواد أتاهم آت فأخبرهم بتحول القبلة بعد أن صلوا ركعتين، فاستداروا جهة الكعبة، لذلك سمي مسجد (القبلتين).

حظي هذا المسجد بعناية ورعاية الخلفاء والحكام المسلمين بالتوسعة والتجديدات أهمها التجديد الذي أدخله عمر بن عبدالعزيز والي الوليد بن عبدالملك على المدينة . وتشير المصادر التاريخية الى أن المسجد جدد في العصر المملوكي، كما جدد في العصر العثماني في عهد سليمان القانوني سنة 950هـ (1543ـ1544م) وآخر هذه التجديدات تم في العهد السعودي.

يقع المسجد في الطرف الشمالي الغربي من المدينة على هضاب حرة الوبرة، ويشتمل تخطيطه على صحن مستطيل المسقط يتقدم ظلّة القبلة من ثلاثة أروقة، وتقع مئذنة المسجد في الركن الشمالي الشرقي من الصحن.

ب ـ المدارس

تخدم المدارس طلاب العلم المجاورين، بيد أن المصادر التاريخية والجغرافية لم تزودنا بمعلومات وافية عما شيد منها في المدينة المنورة، إلا أن المسجد النبوي الشريف ظل منارة علم، من خلال حلقات الدروس والمواعظ المقامة فيه لشرح تعاليم الدين الإسلامي الحنيف. وقد ظهرت المدارس في المدينة المنورة في العصور المتأخرة، وأنشئت بالقرب من المسجد النبوي.

من أشهر هذه المدارس المدرسة الشيرازية، التي أنشأها إبراهيم الرومي في القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي، والمدرسة الجوبانية، التي أنشأها سنة 724هـ/ 1323م، جوبان أتابك العساكر المغولية، والمدرسة الأشرفية التي أنشأها السلطان الأشرف قايتباي سنة 887هـ/ 1482م.

وفي الفترة العثمانية ازداد عدد المدارس، منها مدرسة إبراهيم الخياري، والمدرسة المحمودية. ومن المدارس التاريخية المشهورة، المدرسة الرستمية، ومدرسة حسين آغا، ومدرسة الوزير علم الدين. ومع مطلع القرن الرابع عشر الهجري/ العشرين الميلادي، بلغ عدد المدارس الدينية 17 مدرسة، والمدارس الرشدية 5 مدارس، ومدرسة واحدة لتعليم الخط، وبلغ عدد الكتاتيب 13 كتّاباً. وفي سنة 1327هـ/ 1918م انشئت دار المعلمين.

ج ـ الرباطات

كان بالمدينة المنورة الى عهد قريب عدد من المدارس والرباطات والمكتبات والتكايا والسبل والمستشفيات والوكالات التجارية، حيث كان بها 18 مكتبة، و17 مدرسة، و8 تكايا، و21 سبيلاً، و108 رباطات للفقراء.

ونشأت الرباطات في المدينة المنورة في الأحياء المحيطة بالمسجد النبوي، وهي أبنية خصصت لإقامة المجاورين والزائرين والمنقطعين من الغرباء وطلاب العلم. وكان كل رباط مخصصاً لفئة معينة من احد الأقطار الإسلامية، أو لمذهب من المذاهب، وبعض هذه الرباطات كان موقوفاً على النساء دون الرجال.

ومن المرجح أن أقدم رباط بالمدينة المنورة كان ذلك الرباط الذي شيد في موضع دار عثمان بن عفان رضي الله عنه سنة 423هـ/ 1031م. والجدير بالذكر أن الرباطات بلغت زمن السخاوي (831 ـ 902هـ) ما يقارب أربعين رباطاً. وفي مطلع القرن الرابع عشر الهجري/ العشرين الميلادي، بلغت حوالي (108).

ومن أشهر الرباطات المبكرة رباط الناصر لدين الله (بني سنة 570هـ/ 1174م) ورباط المراغي (بني سنة 599هـ/ 1202م) ورباط جمال الدين الأصفهاني (بني في القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي) ورباط السبيل (بني سنة 620هـ/ 1323هـ). أما أقدم الرباطات الباقية بالمدينة، فهو رباط ياقوت المارداني، في حارة البقيع بالمنطقة المعروفة بـ (حارة الأغوات) بالجهة الشرقية من المسجد النبوي. وقد أقيم طبقاً للنص التأسيس على المدخل سنة 706هـ/ 1306م، خلال حكم السلطان محمد بن قلاوون، وقد خصص لسكن الرجال الغرباء دون النساء.

ثانياً ـ العمارة السكنية

هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة الى المدينة المنورة، فنتج عن ذلك تزايد أعداد المهاجرين، مما قاد بالتالي الى إكساب المدينة المنورة أهمية سياسية واقتصادية ودينية، فزادت تبعاً لذلك سعتها عما قبل. وتركز استقرار المهاجرين بادئ الأمر في الأراضي البور والمزارع التي تحولت تدريجياً الى مناطق مأهولة، ونتيجة لهذه الزيادة المضطردة في السكان تعددت المرافق الرئيسية والخدمات في شتى أرجاء المدينة المنورة.

أ ـ القصور:

تحتضن عاصمة الإسلام الأولى أقدم الشواهد الأثرية الإسلامية، حيث شيدت القصور والمزارع والضياع، وتعددت الدور والمرافق الرئيسية والخدماتية في مختلف أرجاء المدينة المنورة. ففي العصر الأموي شهدت المدينة المنورة نهضة عمرانية واسعة، تمثلت في بناء القصور والدور التي أنشأها الصحابة والتابعون والأمراء والأثرياء، وتركزت غالبية تلك القصور في وادي العقيق المشهور بوفرة مياهه وخصوبة أرضه. وارتبطت بتلك القصور ملاحق أخرى، كالدور، والآبار، والبرك، والسدود، والبساتين. ويذكر أحد مؤرخي المدينة المنورة المتأخرين أن عدد القصور التي كانت قائمة على ضفاف وادي العقيق، تبلغ أكثر من سبعين قصراً. كما تزخر المصادر التاريخية والجغرافية والأدبية بمعلومات وافرة عن وادي العقيق، وما شيد على ضفافه من قصور ودور.

لا تزال آثار بعض قصور وادي العقيق باقية ومشاهدة. ويذكر أن عدد القصور التي يعرف أصحابها بلغ أحد عشر قصراً، من أشهرها قصر هشام بن عبد الملك، وقصر عروة بن الزبير، وقصر سعيد بن العاص، وقصر المراجل. ومن القصور المشهورة أيضاً قصر عاصم بن عمرو بن عمر بن عثمان بن عفان الواقع في الجهة الغربية من وادي العقيق. وقد شاهد هذا القصر عدد ممن كتبوا عن المدينة المنورة. ويذكر أن مساحته تبلغ قرابة 900 متر مربعاً، وقد بني من الحجارة المغطاة بطبقة من الجص. أما الغرف فيبلغ عددها ثمان غرف مع بعض المرافق داخل الفناء، وألحقت به من الخارج بعض المرافق الإصطبلات والمخازن، ودكة للسمر، فضلاً عن بعض الغرف الملاصقة لسور القصر من الناحية الجنوبية.

ومن الدور المشهورة بالمدينة المنورة دار كلثوم بن الهدم، ودار سعد بن خيثمة، ودار ابي أيوب الأنصاري، ودار عبد الله بن عمر، ودار جعفر الصادق، ودار عثمان بن عفان، ودار أبي بكر الصديق، ودار ريطة، ودار خالد بن الوليد، ودار عمرو بن العاص، ودار مروان بن الحكم.

ب ـ الحمامات:

المصادر التاريخية لا تحتوي على معلومات وافرة عن تحديد البدايات الأولى لظهور الحمامات، بيد أنها تشير الى أنها بدأت تنتشر في العصر الأموي. يذكر أن جرير بن عبدالله البجلي (ت 51هـ/ 671م) كان له حمام في العاقول، كما يوجد بها حمام آخر بني في عهد نور الدين محمود زنكي سنة 558هـ/ 1162م عندما شيد سور المدينة.

وكذلك حمام داخل المدينة (ويعرف حالياً باسم حمام طيبة) بناه السلطان سليمان القانوني سنة 973هـ (1565ـ1566م) ثم جدد بناؤه في عهد السلطان محمود الثاني سنة 1254هـ/ 1838م، حسب النص التأسيسي الذي كان مثبتاً فوق باب الحمام.

وقد شيد الحمام من الحجر البازلت، وله مدخل معقود بعقد مدبب يقع في دخلة غير عميقة، ويؤدي الى المسلخ مباشرة، ومسقطه مربع، ويتوسط أرضيته حوض للمياه ذو مسقط مثمن يرتفع عن مستوى الأرضية بحالي مترو واحد، وبسقفه قبة ترتكز على حنايا ركنية، وفي نهايته فتحة باب تؤدي الى ممر منكسر ـ على جانبه الأيمن دورات مياه ـ يؤدي الى بيت الحرارة، وهو مربع المسقط مغطى بقبة كبيرة مثقبة ومزدانة بزجاج غير شفاف. وغطت أرضية الحمام برخام، وبها فتحات لتصريف المياه.

ج ـ الأسواق

تذكر المصادر التاريخية أن الرسول صلى الله عليه وسلم اختط سوق المدينة المنورة وقال: (هذا سوقكم فلا ينقص منه ولا يضربن عليه خراج). ومع تطور المدينة وتوسعها في العصر الأموي، شهد السوق ظهور الدور التي أقامها خلفاء بني أمية، حيث بنى هشام بن عبد الملك داراً عظيمة في السوق، وجعل لها أبواباً، وجعل لدار السوق حوانيت في أسفلها.

ثم بعد ذلك تطورت أسواق المدينة المنورة في العصر العباسي وما تلاه من عصور، فقامت الأسواق مصطفة على امتداد الأزقة والممرات. وقد توزعت اسواق المدينة وتنوعت حسب السلع والصناعات المعروضة بها. وتذكر المصادر أسواقاً عديدة من أشهرها: سوق الحبابة، وسوق التمارة، وسوق السمانة، وسوق الرواسة، وسوق الفلتية، وسوق الخضرية، وسوق الدلالين، وسوق الجزارة، وسوق العطارة، وسوق القماشة، وسوق الخردية، وسوق الحدرة (سويقة)، وسوق المناخة.

وفي مطلع القرن الرابع عشر الهجري (العشرين الميلادي) كان بالمدينة المنورة قرابة 932 حانوتاً ومخزناً، وأربعة متاجر كبيرة (وكالات).

ثالثاً ـ العمارة الحربية

تتمثل العمارة الحربية فيما شيد من آطام وحصون وأسوار وابراج، إضافة الى الخنذق الذي نفذ في معركة الخندق في شوال سنة 5هـ/ 626م. تذكر المصادر أن عدد الآطام في المدينة المنورة زمن وصول النبي صلى الله عليه وسلم إليها، بلغ 199 أطماً، منها 127 تعود ملكيتها للأوس والخزرج (الأنصار) و 11 لقاطنيها من العرب، و 59 لليهود.

وهذه الآطام عبارة عن تحصينات عسكرية استفاد منها المسلمون ـ خاصة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ـ في أوقات الحروب والنزاعات، فقد كانت مأوى وملجأ للنساء والأطفال والشيوخ والعجزة في معركة الخندق في شوال 5 للهجرة. وما تزال أطلال بعض الآطام باقية حتى اليوم، مثل: حصن كعب بن الأشرف، وأطم الضحيان الذي شيده أحيحة بن الجلاح، وأطم أبي دجانة الساعدي الأنصاري.

من التحصينات الدفاعية المعروفة، الأسوار والبوابات والأبراج. ونظراً للمخاطر التي كانت تتعرض لها المدينة المنورة فقد أحيطت بسور لحمايتها ابتداءً من سنة 263هـ/ 876م، ثم أعيد بناء السور وجدد في حقب زمنية متعاقبة، حيث اعيد بناؤه وجدد في سنة 370هـ/ 980م، وكذلك في سنة 558هـ/ 1162م، وأيضاً سنة 755هـ/ 1354م، ثم في سنة 946هـ/ 1539م.

وتذكر المدونات التاريخية ان السور في العمارة العثمانية كان يرتفع الى 25م، وبه 40 برجاً تشرف على ضواحي المدينة للدفاع عنها. بيد أن هذا السور قد هدم في سنة 1368هـ/ 1948م نتيجة لتطور وتوسع المدينة، فهدف من ذلك فك الإختناق وتسهيل الحركة، ودمج الأحياء بعضها ببعض، فضلاً عما تم للمسجد النبوي الشريف من توسعات شملت معظم مساحة المدينة المنورة القديمة.

رابعاً ـ المنشآت المائية

تتمثل المنشآت المائية بما حفر وشق من آبار وعيون، وبما شيد من سدود وبرك. فقد أوردت المصادر ما اشتهرت به المدينة المنورة من آبار وعيون، منها ما كان موجوداً عند الهجرة النبوية الشريفة، ومنها ما أحدث في العصر الإسلامي. وقد بلغ عدد الآبار المشهورة ما يقارب 23 بئراً، تزود المدينة بما تحتاجه من مياه، منها: بئر أريس (بئر الخاتم)، وبئر بضاعة، وبئر انس بن مالك، وبئر غرس، وبئر عثمان بن عفان (بئر رومية)، وبئر معونة، وبئر عروة بن الزبير.

هذه الآبار منا ما دخل ضمن نطاق التوسعات التي تمت في المسجد النبوي الشريف، ومنها ما دخل ضمن نطاق الأملاك الخاصة. فقد ذكرت المصادر أن عدد العيون في المدينة المنورة بلغ قرابة 44 عيناً، كما اشتهرت المدينة بوجود عدد من القنوات خاصة تلك التي شقها مروان بن الحكم (والي المدينة المنورة زمن خلافة معاوية بن أبي سفيان) الذي شق عين الشهداء، وكذلك عين الزرقاء، وهي العين التي عهدها بالرعاية والعناية الخلفاء والأمراء المسلمون حتى العهد الحالي.

أما فيما يتعلق بالسدود، التي تعتبر من أهم المنشآت المائية التي عرفتها المدينة المنورة منذ فجر الإسلام، فإن الباقي منها حتى اليوم قليل مقارنة بما كان سائداً في العصور الإسلامية الأولى، ومنها سد عاصم الواقع في شرقي جماء تضارع، الذي يبلغ طوله قرابة 36 متراً، وعرضه 2.5 متراً، وكذلك سد عبدالله بن عمرو بن عثمان بن عفان (سد عنتر) الواقع في وادي رانوناء، وهو يتكون في الواقع من ثلاثة سدود متصلة أطوالها 65، 49، 85 متراً.

أدى الدين الإسلامي بصفة والرسول صلى الله عليه وسلم على وجه الخصوص، دوراً عظيماً فيما يتعلق بانتشار القراءة والكتابة في مطلع الإسلام. ولقد أنزل الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم ما يحض على تعلم القراءة والكتابة، حيث قال المولى سبحانه: (اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم).

وقال تعالى: (ن والقلم وما يسطرون) وغيرها من الآيات التي لها دلالات واضحة تشي الى عظيم شأن الكتابة وعلو مكانها. كما أن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم حض على تعلم القراءة والكتابة، سواء من خلال أحاديثه الشريفة، أو أفعاله الكريمة. فقد قال صلى الله عليه وسلم: (ما حق امرئ له ما يوصي فيه يبيت ثلاث إلا ووصيته عنده مكتوبة) وقال عليه السلام: (قيدوا العلم بالكتابة). ومن أفعاله الكريمة ما ترويه المصادر التاريخية أنه صلى الله عليه وسلم قد طلب يوم بدر ممن لا يستطيع أن يفتدي نفسه من أسرى قريش أن يقوم بتعليم عشرة من المسلمين القراءة والكتابة.

وعلى الرغم من المكانة المرموقة والدور الرائد الذي لعبته المدينة من حيث تطور الخط العربي والعناية به، إضافة لما تحويه من مخزون هائل من النقوش العربية التي بدورها تغطي مختلف العصور الإسلامية، وعلى الرغم من أن الكتابات الإسلامية تأتي في المقام الأول بين المصادر الآثارية الأصيلة التي يصعب الطعن في قيمتها أو التشكيك في صحتها، إلا أن المختصين في علم الكتابات الإسلامية لم يبرزوا دور المدينة في تطور الخط العربي ونشره في مختلف أصقاع العالم الإسلامي. فقد أهملت إهمالاً تاماً، ولم تحظ إلا ببعض الجهود الفردية.

تزخر منطقة المدينة المنورة ـ كما تمت الإشارة ـ بكم هائل من النقوش الإسلامية التي تغطي بدورها مختلف العصور، ويمكننا تقسيم المنطقة الى قسمين، هما:

القسم الأول ـ نصوص وثقتها المدوّنات التاريخية، ولكن أصولها مفقودة: ويأتي على رأس هذه القائمة ما أوردته المصادر من كتابة وتوثيق آيات القرآن الكريم زمن الرسول صلى الله عليه وسلم والتي قام بكتابتها كتبة الوحي على الرق، وعسب النخيل، واللخاف، وعظام الأكتاف، وغيرها من المواد التي كانت متوافرة في تلك البيئة وذلك الزمان.

وكذلك مكاتبات الرسول صلى الله عليه وسلم الى الأمراء والملوك والقياصرة والأباطرة التي دعاهم فيها الى الإسلام، وغيرها من مكاتباته صلى الله عليه وسلم. وما ظهر أخيراً واصبح متداولاً أو محفوظاً في بعض المتاحف على أنها رسائل للرسول صلى الله عليه وسلم فمشكوك في أمرها، بل أن أكثر المختصين يصمونها بالمزورة.

ويندرج أيضاً تحت هذا القسم ما أوردته المصنفات التاريخية بشأن الصحيفة التي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بكتابتها لتكون دستوراً يهدف الى تنظيم الحياة العامة للمجتمع الإسلامي ويحدد علاقاته فيما بين أفراده، وما بين أفراد المجتمع الإسلامي والمجتمعات الأخرى.

كما تزخر المدونات التاريخية بالعديد من شواهد المكاتبات الرسمية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعهد خلفائه الراشدين، إلا أننا نفتقد لأصولها، ومنها ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ مكاتبات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عند إقطاعه للأراضي، التي وثقتها المصادر التاريخية والتي منها ـ على سبيل المثال ـ ما يلي:

(بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى محمد رسول الله بلال بن الحارث المزني أعطاه من العقيق ما أصلح معتملاً إن صدق)، وكتبه معاوية، ثم ختمه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بخاتمه المنقوش عليه (محمد رسول الله).

بالإضافة الى مكاتبات الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه لولاته وقواد جيوشه خلال الفتوحات الإسلامية وبعدها.

ولا بد من الإشارة الى أن ثمة أعداداً هائلة من النقوش التأسيسية والشاهدية التي تمثل مختلف العصور، والمذكورة في المدونات التاريخية لا تزال مفقودة حتى الآن، منها، على سبيل المثال، ما تشير اليه المصادر التاريخية من وجود حجر منقوش على باب بئر أريس فيه ذكر لإحدى صدقات عثمان بن عفان رضي الله عنه.

ويندرج تحت هذا أيضاً ما يطلق عليه المصاحف العثمانية التي تحتفظ بها بعض المكتبات الإسلامية، والمتاحف والمساجد الأثرية التاريخية، وهي مصاحف تنسب للخليفة عثمان بن عفان، بيد أنها في واقع الأمر تعود لحقبات زمنية متأخرة، فضلاً عن أنها لم تكتب بخط واحد، فهي تتباين في خطوطها، ويتضح أنها لم تدون في عصر واحد. ومن الممكن بكثير من الإطمئنان، أن نخلص الى أن ما هو موجود الآن في متحف طاشقند والمشهد الحسيني بالقاهرة، ومتحف الآثار الإسلامية باستانبول، ومتحف طوب قابي سراي باستانبول، ما هي إلا نسخ متأخرة زمنياً عن فترة خلافة عثمان بن عفان، ولعله من الأرجح أنها نسخت عن أصل عثماني قديم.

وتشير المصادر أيضاً الى ما قام به السلطان العادل نور الدين محمود زنكي في سنة 558هـ/ 1162م عند بنائه سور المدينة وكتابته اسمه على باب البقيع، وصورة النص في الحديد المصفح به الباب ما نصه: (هذا ما أمر بعمله العبد الفقير الى الله تعالى محمود بن زنكي بن أقسنقر غفر الله له، سنة 558هـ). وتذكر المصادر التاريخية أيضاً أنه كان بجانب قصر مسلمة بن عبدالله بن عروة بن الزبير حجر مكتوب عليه ما نصه: (أنا مسلمة بن عبدالله بن عروة بن الزبير اشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله على ذلك أحيا وأموت وأبعث إن شاء الله).

كما تشير المصادر ايضاً الى ما قام به زياد بن عبيدالله، عندما كان والياً على المدينة لأبي العباس في سنة 138هـ/ 755م، من عمل رحبة لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتابته على لوح من ساج مضروب بمسامير، وفيه: (أمر عبدالله عبدالله أمير المؤمنين أكرمه الله بعمل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمارة هذه الرحبة توسعة لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولمن حضره من المسلمين في سنة إحدى وخمسين ومائة ابتغاء وجه الله والدار الآخرة…).

كذلك ما ذكره السمهودي عندما أشار الى قبر كتب عليه ما نصه: (أنا أسود بن سواده رسول رسول الله عيسى ابن مريم الى أهل هذه القرية). كذلك فإن النصوص التي كانت مدونة في المسجد النبوي الشريف، بالرغم من فقدان أصولها، إلا أنها ماتزال مسطرة في كتابات المؤرخين والرحالة الذين زاروا المسجد النبوي ودونوا مشاهداتهم عنها، ومن أبرزهم الحربي في كتابه (المناسك) الذي أشار فيه الى النصوص كافة المتعلقة بالمسجد كل في موضعه. أيضاً ابن رسته الذي قرأ هذه النصوص ـ كما صرح هو بذلك ـ في أثناء زيارته للمسجد سنة 290هـ/ 902م.

القسم الثاني ـ نصوص إسلامية موجودة اصولها: على الرغم من أهمية حقبة الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين، وما تخللها من أحداث جسام، ومكاتبات عديدة، إلا أن ما وصلنا من تلك الحقبة يعد قليلاً جداً. أما الحقب الإسلامية التالية فنماذجها أكثر من أن تحصى. وعلى أية حال، يمكن تقسيم الكتابات الموجودة أصولها الى الفروع التالية:

أ ـ النقوش التأسيسية

تعتبر النقوش التأسيسية من أهم المصادر التي توثق لإقامة المنشآت الدينية، والمدنية والحربية، واسماء وألقاب من أمروا أو قاموا على بنائها. كما أنها تحدد أزمنة إنشاء أو ترميم أو تجديد المنشآت المعمارية كالمساجد والخانات والمنشآت المائية والقلاع والحصون وغيرها.

وتزخر منطقة المدينة المنورة بالعديد من النقوش التأسيسية التي تغطي مختلف الحقب. ففي العصور المتأخرة هناك عدد من اللوحات التأسيسية التي تتعلق بعمارة أو تجديد الحرم النبوي وبعض المرافق العامة كالمساجد والرباطات والعيون، ومن اهم النصوص التأسيسية الموجودة، والتي تؤرخ لتشييد او تجديد لبعض المنشآت المعمارية في الجزيرة العربية، ما وجدت في المسجد النبوي الشريف، فقد أرّخت ما مر به المسجد من تجديدات وإضافات وتوسعات وعمارة على مر العصور التاريخية الإسلامية، وغير ذلك من نصوص تأسيسية.

ب ـ النقوش التذكارية

وهي من المصادر التي يعول عليها في فهم مجمل أحوال المجتمعات الإسلامية المبكرة. فهي تعكس جوانب عديدة من حياة تلك المجتمعات سواء الإجتماعية أو الإقتصادية أو اللغوية أو الدينية وغيرها.

إلا انه يغلب على هذه النوعية من النقوش المسحة الدينية، فغالبيتها عبارة عن مأثورات وأدعية دينية كتبت لطلب المغفرة والدعاء والتوبة والترحم وتأكيد الإيمان وغير ذلك من المصطلحات الدينية الإسلامية.

قام بكتابة هذه النقوش السكان المقيمون أو القاصدون للأماكن المقدسة بهدف الحج والعمرة او للتجارة. وتبدا في تاريخها من القرن الأول الهجري/ السابع الميلادي، وحتى عهود متأخرة، والمؤرخ منها قليل مقارنة بما هو غير مؤرخ.

وتعتبر نقوش جبل سلع أقدم ما وصل من هذه النوعية من النقوش حتى الآن، حيث تنسب في تاريخها الى السنة الخامسة للهجرة، إلا أن هناك أعداداً كبيرة من النقوش المؤرخة وغير المؤرخة التي تنتشر في المناطق القريبة من المدينة، والتي يصعب حصرها أو إبراز أهمها في مثل هذا المقام.

ج ـ النقوش الجنائزية (شواهد القبور)

وتتضمن معلومات قيمة سواء فيما يتعلق بالأسماء والكني والألقاب والأنساب وتواريخ الوفاة (التي في أحيان كثيرة تحدد اليوم والشهر والسنة) أو فيما يتعلق بالخط وما يلحقه من عناصر زخرفية متنوعة، إضافة لمضامينها الدينية واللغوية.

فلقد كشف عن العديد من النقوش الشاهدية في المناطق القريبة من المدينة المنورة مثل: الربذة، وبدر، وجبل الرس، وغيرها من المواضع. وبعض هذه الكتابات الشاهدية محفوظة في المتاحف الإقليمية، وبعضها الآخر مازال باقياً في مواقعه الأصلية، هذا وقد درس عدد منها وبقي المئات لم يدرس.

د ـ النقوش الزخرفية

واستخدمت الكتابات للتوثيق، كما استخدمت لتؤدي دوراً رئيسياً كعنصر زخرفي، حليت به الأعمدة، والعقود، والدعائم، والمحاريب، والقباب، والمآذن، والواجهات، وكسيت به جدران المساجد، والأبواب والشبابيك والأسقف.

مشلح المريخي لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى