قبور أئمة البقيع جوهر العلم وعمق التوحيد

ما زالت فجيعة البقيع تجسد الصورة التراجيدية – المأساوية – للتفكير الجاهلي للدين السامري الأموي الخارجي لخوارج هذه الأمة في العصر الحديث، الذين تسربلوا بالعباية الدينية المقلوبة، ووضعوا على أعينهم نظارات مقعرة، لا ترى إلا ضباباً مشوهاً يحجب نور الشمس الساطع، تحركهم سيمفونية الإيقاع السياسي الدولي والإقليمي للقردة الذين نهبوا اللباب لموز الثروات وتركوا قشر الموز يتزحلق عليه الخوارج السامريون الأمويون.

إن الأيدي الآثمة لخفافيش الظلام وغسق الليل – التي انعقد لسانها عن توحيد الكلمة تحت راية الحق فضلاً عن كلمة التوحيد، لأن نور الشمس الهادي يعشي أعينها الرمداء الضالة، فلا تتمكن من الطيران وتعجز عن السباحة إلا في الظلام – ما فتئت تنعق جهلاً بالتكفير والتشريك والتبديع لكل من يملك بصيصاً من النور يستضيء به الطريق ويمحو ظلامهم من أغشية الناس، وما زالت ولن تزال تدس رأسها كالنعامة في التراب هروباً من الحوار الهادف، والمجادلة بالتي هي أحسن، ومجادلة الدليل بالدليل، ومقارعة البرهان بالبرهان، لأنها لا تملك عقيدة إلا قرن الشيطان، ولا لساناً إلا منطق الطغيان، ولا عملاً إلا جور السلطان.

إن أيدي الغدر لمخالب السباع الجبانة لم تجد فريسة تنهشها في الثامن من شوال لعام ألف وثلاث مائة وأربعة وأربعين للهجرة إلا مقبرة البقيع، فتطاولت بمعاول الهدم ظلماً وجوراً وعدواناً وكفراً بآية المودة على حرمات الله، وشعائر دينه، ومنارات رسالاته، وترجمان وحيه، أئمة الهدى، وقادة الورى، وعترة المصطفى لكي تحولها إلى أطلال شاحبة، وأحجار متناثرة، وأنوار مطفأة بعد أن كانت ولن تزال – رغم العدى والعناد – منارات هدى يهتدي بها المتقون، وقبب طهارة يتطهر فيها المخلصون، ومحطة عروج يعرج منها المقربون.

إننا في هذا اليوم الثامن من شوال من هذا العام – حيث مضى على هدم قبب البقيع خمسة وثمانون عاماً – ومن كل عام[1]، أدعو نفسي وأحرض جميع المؤمنين وبالخصوص محبي أهل البيت عليهم السلام وبالأخص مواليهم وأتباعهم لتجديد العهد، وعقد العزم، ومضاعفة الجهد للسعي بكل إمكانياتنا، وبكل السبل المشروعة بدء بالكلمة الرسالية والمسؤولة، ومروراً بالعمل الجاد والخالص، وختاماً بتشييد اللبن، وترصيع الذهب لبناء القباب الطاهرة لأئمة البقيع، وأن لا نتوانى عن تعظيم هذه الشعيرة والحرمة الإلهية، وأن لا نسمح للأمد الزماني أن يمتد ويكمل قرناً على تحويل القبب إلى أطلال، فلنكافح ونجاهد ونناضل ونقاوم من أجل البناء الشامخ قبل مضي قرن على الهدم الغاشم.

إن حجتنا للبناء تستند إلى البصيرة الواضحة، والدليل القاطع، والبرهان الساطع، من كتاب الله، ولذلك فهي دامغة، ومزاعم من يخالفنا أسست على جرف هار اختلقها الوضَّاعون من البشر ولذلك فهي داحضة، إن الله سبحانه وتعالى يقول: {وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَاناً رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِداً}.

إن هذه الآية تبين بجلاء ووضوح لا لبس فيه العقيدة والنظرية والمنطق من قبور الصالحين، حيث كان النزاع بين فئتين:

الفئة الأولى:

عقيدتها الكفر، ونظريتها في القبور الطمس، ومنطقها الجهل، {فَقَالُوا} وهم الكفار {ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَاناً} وهذه نظرية الطمس {رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ} وهذا منطق الجهل.

الفئة الثانية:

عقيدتها الإيمان، ونظريتها في القبور اتخاذها معابد لله، ومنطقها العلم بما يقرب إلى الله سبحانه وتعالى، {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ} وهم المؤمنون {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِداً} وهذه نظرية بناء القبور لعبادة الله.

وهذا المعنى هو الذي أجمعت عليه التفاسير وكلمات المفسرين، فلم يبقى بعد بيان الله وتأييده لنظرية المؤمنين في بناء قبور الصالحين واتخاذها مناسك ومعابد ومساجد من حجة لأحد علينا إلا أن يكفر بالقرآن عياناً، وهو المحجوج الذي يجب عليه أن يعود إلى رشده والعمل بكتاب الله بدل أن يجعله وراء ظهره، وإن أبى العمل بكتاب الله فليأخذ بقول ابن القيم حيث يقول في كتابه المسمى ب زاد المعاد في هَدْي خير العباد طبعة ألبابي الحلبي مِصر، مراجعة طه عبد الرؤوف طه عام 1390هـ 1970م:

“إن عاقبة صبر هاجر وابنها على البعد والوحدة، والغربة والتسليم، إلى ذبح الولد آلت إلى ما آلت إليه من جعل آثارهما، ومواطئ أقدامهما، مناسك لعبادة المؤمنين، ومتعبدات لهم إلى يوم القيامة، وهذه سنته تعالى فيمن يريد رفعه من خلقه”.

فإذا كانت هذه سنة الله فيمن يريد رفعه، بجعل آثاره مناسك ومتعبدات، فآثار رسول الله وأهل بيته أولى بالاستحقاق بجعلها مناسك ومتعبدات، وهذه العقيدة ببناء قبور أئمة البقيع هي جوهر العلم والتوحيد الخالص لأنها امتثال لكتاب الله وإرادته، ولكنه الحقد الأموي الجاهلي على الرسول وأهل بيته الذي تتوارثه القلوب المريضة فيعميها عن الحقيقة مع جلائها، وصدق الله سبحانه وتعالى حيث يقول: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ}.

وإن أبى هذا الجاحد إلا العناد والمكابرة والجحود فليثبت لنا إيمانه وتوحيده وشجاعته وإقدامه بتحمل مسؤوليته لاقتلاع الشرك من بلاد المسلمين، بهدم قبر البخاري وابن تيمية وأحمد بن حنبل وبقية أئمة المذاهب والقائمة تطول في مصر وسوريا وفلسطين والعراق والأردن وإيران وتركيا، وقبر ياسر عرفات رئيس السلطة الفلسطينية، وقبر زايد آل انهيان حاكم الإمارات، وقبر صدام حاكم العراق، بل وقبر الرسول في المدينة الذي يقع الآن في غرفة مبنية، ويحرم البناء لأنه شرك كما يزعم هذا الجاحد، وعليه قبَّة، ويحرم بناء القبب على القبور لأنه شرك كما يزعم هذا الجاحد، والقبر في داخل المسجد، والمسجد يحيط به من الجهات الأربع، ويحرم جعل قبر النبي في المسجد لأنه شرك، ويستوجب لعنة الله على الأمة الإسلامية كما لُعنت اليهود والنصارى لاتخاذها قبور أنبيائهم مساجد كما يزعم هذا الجاحد بروايته السامرية الأموية الموضوعة، بل وقبر نبي الله إسماعيل وأمه هاجر في وسط المسجد الحرام وجوار البيت العتيق الكعبة المشرفة، وهذا هو الشرك الأكبر كما يزعم هذا الجاحد، ولكن الرسول هو الذي أبقاه لكي يُكَذِبَ كلَ أحاديثكم الأموية الموضوعة كذباَ وزوراً على لسانه، فهذه الدرايات تكذب مزاعم كل الروايات.

وكل هذه القبور والقبب موجودة في دول الإسلام، وبالتالي لا مبرر للسكوت عنها بحجة التقية، لأن التقية حجة ودليل الشيعة، وليست حجة ولم تشرع عند القائلين بحرمة بناء القبور إلا في مقابل الكفار فقط كما يزعم هذا الجاحد، ولأن أغلب قبور المسلمين مرتفعة شبراً عن الأرض كما هو مشاهد عياناً لا ينكره إلا مكابر يجحد وجود الشمس في رابعة النهار، ولأن هذا الارتفاع ولو شبراً مخالف للحديث السامري الأموي الموضوع كذباً وزوراً على لسان علي، “أن لا أدع قبراً مشرفاً إلا سويته” فليبدأ هذا الجاحد – القائل بحرمة بناء القبور – بتسوية جميع قبور المسلمين بالأرض، لأن ارتفاعها عن الأرض ولو شبراً يخالف تسويتها بالأرض، وارتفاعها يناقض تسويتها فارتفاعها شرك كما يزعم هذا الجاحد، ولكنه هو وأشكاله وهم مجتمعون أجبن من أن يمسوا هذه القبور.

إن بناء قبور الأئمة هو جوهر العلم، وعمق التوحيد، وحقيقة العبودية لله، ولكن الجهلة السذج الذين أشربوا في قلوبهم حب عجل السامرية الأموية الخارجية أقل فهماً وأضعف عقلاً من أن يدركوا أو يستوعبوا هذا الجوهر من العلم، وكما يقول الإمام زين العابدين:

إني لأكتم من علمي جواهـره                      كي لا يرى العلـم ذو جهـل فيفتتنـا
يا رب جوهـر علـم لـو أبـوح بــه                      لقيـل لـي أنـت ممـن يعبـد الوثـنـــا
ولاستباح رجال مسلمون دمي                      يـــرون أقـبـح مــا يأتـونــه حـسـنـــا
وقد سبق في هذا أبو حســن                      وأوصى إلى الحسين وقبله الحسنا

آية الله الشيخ نمر باقر النمر لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى