مقالات

العراق وجدلية الفساد والمؤامرة

على طول الخط التاريخي كانت صراعات النفوذ قائمة على قدم وساق ، وكانت المؤمرات تحاك بين أطراف الصراع من خلال التغلغل في الثغرات كعلاقة الدولة بالشعب وعلاقة الدين بالسلطة وهيمنته على الشعب ، ومكنة مؤسسات الدولة في توفير الخدمات الحياتية للشعب ، ومدى نجاح العملية التعليمية في التربية والتعليم واستثمار طاقات العقول وغيرها من العوامل التي لا يسع هذا المقال العابر لذكرها .

والعراق ليس بدعا من الدول ، بل هو تاريخيا محط رحال الحضارات ، وموطئ قدم في كتابة جزء كبير من تاريخ المنطقة ، حيث يمتلك موقعا جغرافيا متقدما وثروات طبيعية تمكنه من بناء دولة ناهضة حديثة وقوية .

وهذا جعله محطا للأطماع على طول الخط التاريخي ، سواء الأطماع الداخلية أو الخارجية .

وبعد سقوط ديكتاتورية صدام الذي حكم الشعب بالحديد والنار ، و أرسى مبادئ الحزبية الدوغمائية التي نهبت كل ثروات العقل  وهمشت من طاقاته ، عمت فوضى وعكست حجم الدمار الذي أحدثه صدام بالإنسان العراقي ، والشعب العراقي ، وثروات وحضارة العراق .

حيث كرس منطق القوة بعد أن كانت قوة العراق بالمنطق ، وهو ما يتطلب نهضة شاملة داخلية تعيد للعراقي موقعه العلمي والعقلي المتقدم من خلال دولة مؤسسات تنهض بالخدمات الداخلية وبعملية التربية والتعليم ، وتعيد بناء العراق وفق أسس الدولة الحديثة .

ووفق القوانين الاجتماعية والسياسية أي سقوط لنظام مهما كان فاسدا دون وجود بديل صالح فسيؤدي بطبيعة الحال إلى فوضى ،  والخروج منها يعتمد على وعي الشعب وقدرته على النهوض ووعي النخب والسياسيين والعلماء.

إلا أن العراق دخل بموجه فساد وصراع على النفوذ من قبل كثير من النخب والسياسيين وصراعات الأحزاب وهذا على المستوى السياسي ، ومن ثم استهدف في أمنه ودخل في موجة عنف كانت تستخدم فيها الساحات عسكريا لتحقيق مكاسب سياسية .

وهذا الفساد الداخلي أغرق العراقيين في دوامة عنف وقهر داخلي وخارجي.

هذا فضلا عن مطامع الخارج ومصالحه في الهيمنة على الثروات وعلى الجغرافيا .

وبين فساد الداخل ومؤامرات الخارج يعجز كثيرين عن تشخيص الأصلح :

فهل بحجة مؤامرات الخارج تتوقف النخب والشعب عن مواجهة فساد الداخل الذي ينخر ببنى الدولة وبنية الإنسان العراقي وينهب ثرواته وكل ما يملك من مقدرات ونقاط قوة،  ضمن صراعات سياسيين وأحزاب يستخدم فيها الدين وقودا لحرق الناس وتسييرهم وفق أهواء مذهبية وحزبية وعرقية ضيقة ؟

وهل بحجة الفساد الداخلي تضع النخب والطبقة السياسية يدها في يد الشيطان المتمثل بقوى النفوذ العالمي والتي ثبت بالدليل تواطؤها على العراق لأجل مصالحها ومطامعها بثرواته وجغرافيته بحجة التخلص من فساد الداخل والارهاب وبحجة أن نأمن جانبها ؟

إن تعقيدات الساحة العراقية تاريخيا والآن لا يمكن قراءته بالمنهج الثورجي ( من الثورة )

المؤامرات موجودة لكن لو لم تجد لها موطئ قدم عبر التاريخ لما نجحت وتقدمت .

وموطئ قدمها اليوم أغلب الساسة العراقيين الذين تاريخيا كانوا سببا في تمكين المؤامرات الخارجية من الهيمنة على العراق وثرواته ، ضمن منظومة نزعتهم الحزبية ونزاعاتهم على النفوذ والسلطة والهيمنة .

فلمعالجة أوضاع العراق  ومواجهة الواقع علينا أن نقرأ التاريخ والراهن بأدوات الحقيقة ، وليس المصلحة حتى نشخص بشكل واقعي ونعالج بشكل صحيح .

لن ينهض العراق إلا بمواجهة الشعب ونخبه لفساد الداخل ومفسديه ، مواجهة رصينه منهجية بعيدة عن النزعة الحزبية الضيقة ، وتحقيق مكاسب لأجل شخص أو حزب أو سياسي على حساب العراق والعراقيين .

ولن ينهض العراق إلا برفض كل أنواع الهيمنة من قبل الطامعين والطامحين بالعراق ، خاصة القوى الأجنبية التي للعراق تجارب تاريخية مريرة معها أثبتت أن العراق بالنسبة لها لعبة مصالح تمكنها من الهيمنة ولا يهمها نهضته أو نهضة إنسانه بل بالعكس من مصلحتهم بقاء العراق مفتتا وإنسانا منهزما ومشتتا .

لا يمكن أن تسقط دماء الشهداء كي تحقق الأحزاب مكاسبا سياسية تستثمر فيها هذه الدماء لصالح حزب أو سياسي .

فالدماء التي سقطت على أرض العراق لأجل العراقيين كافة ولا يمكن أن تثمر نصرا وكرامة وتحقق نهضة إذا ما تم توظيفها لمصالح حزبية أو مذهبية ضيقة .

فدماء سقطت لأجل كل العراقيين ولأجل نهضة العراق لحري بها أن نكون أمينين عليها بأن نحقق أهدافا بنفس مستوى هذه الدماء ، أهداف لنهضة العراق والعراقيين كافة .

لا يمكن لصراع العسكر والسياسية أن يستمر في استثمار دماء الشهداء ، والنصر الذي يحققه أبناء العراق بسواعدهم بغير مصلحة العراق والعراقيين ككل ، لا لأجل تحقيق تقدما في صراع النفوذ والسلطة لتميل كفة على كفة.

إن الشعب انتخب لأجل أن ينهض العراق ، والسلطة هي تكليف للسياسي ليخدم وطنه وشعبه وليس تشريفا له ليكون فوق وطنه وشعبه .

السلطة ليس لنهب ثروات الشعب والوطن والتآمر عليه مع الخارج لأجل البقاء في السلطة بعناوين مذهبية ،  بل لاستثمار هذه الثروات لأجل الشعب والوطن .

ما يحتاجه العراق اليوم هو تضافر جهود الداخل من النخب الصادقة والشعب لأجل مواجهة فساد الداخل شريطة أن تواجه المؤامرات الخارجية بمنعها من تحقيق أهدافها ، وإذا تزاحمت الأولويات فتتقدم أولوية مواجهة المؤامرات كونها تمثل خطر وجودي على وحدة العراق وعلى ثرواته .

لكن على أن لا تتحول ذريعة المؤامرات لأداة ترهب كل محاولات إصلاح الداخل ومواجهة مفسديه ، لأن استمرار الفساد الداخلي هو مؤامرة أخرى يراد منها تمكين استمرار التآمر الخارجي ، وتشتيت قدرات الإنسان العراقي في مواجهة الأخطار وفق أولوياتها .

فينغمس في همومه الداخلية وتضيق تطلعاته وطموحاته لتصل إلى حلم توفير قوته اليومي ، وهو ما يهدم الإنسان ويجعله رهينة لكل مؤامرات التاريخ والراهن ، ولعبة سهلة التحريك وفق إرادات الخارج ، ورغبات مفسدي الداخل .

العراق اليوم يكتب تاريخ المنطقة ومستقبلها كما كتبه في الماضي وصنع مجده ، فالخطر اليوم خطر وجودي من جهة العدو فيه المؤامرات الخارجية التي تدار في واشنطن بأدوات المنطقة والجوار ، وخطر داخلي من جهة أخرى تقوده قوى فساد عراقية قدمت مصلحتها وأهوائها على مصلحة العراق وشعبه وأدواتهم العصبيات الحزبية والمذهبية وشعار الأقليات ومظلوميتها .

وأرى أن  ثلاثية الدولة والشعب ( بمؤسساته المدنية وأفراده ونخبه )  والحشد الشعبي مع الجيش  ثلاثية تستطيع تحقيق قوة متماسكة قادرة على مواجهة فساد الداخل ومؤامرات الخارج .

وللحديث بقية…

 إيمان شمس الدين 

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى