النشرةبارزتحليلات

بين المهادنة وتقديم قرابين الطاعة.. خطوات “سعودية” لاستمالة إدارة بايدن والتخفيف من حدة التوتر

مرآة الجزيرة ـ فاطمة العلي

خوفا على الحماية وهربا من المحاسبة، كرّست السلطة السعودية الكثير من وقتها من أجل التمهيد والتماهي في الاندفاع العام من أجل تسلم الرئيس الأميركي جو بايدن للسلطة وما استشعرته الرياض من رحيل الرئيس الحامي لها دونالد ترامب الذي عمل على تقديم المعونة لمحمد بن سلمان في الاستبداد والقمع والانتهاكات بكافة أشكالها، وكل ذلك مقابل الاستفادة المالية التي اكتسبها بأسلوب الابتزاز ترامب قبل رحيله من البيت الأبيض. الرياض التي تلقت إشارات الإدارة الجديدة بالتعامل معها على غير ما شهده عهد ترامب، ولن يكون التساهل سيد المشهد، إذ أن بايدن وصل إلى المكتب البيضاوي وهو يحاول كسب كل المعارضين لترامب وسياساته ويعمل على استمالة الجميع خاصة بعد أن فتك ترامب بصورة الولايات المتحدة المزعومة لحماية حقوق الإنسان.

على الرغم من التسليم بعدم انفكاك بايدن عن السياسة الأميركية الأساسية التي تقوم على أن “مصلحة أميركا أولاً”، إلا أن التعويل يبقى على أن أفعاله لن تكون بالتهور الذي شهده عهد ترامب، ومع الصرامة التي أعلنها في محاسبة منتهكي حقوق الإنسان وتوعّد علنا بمراجعة طبيعة العلاقة مع “السعودية”، ما دفع الأخيرة لاستباق الموقف والعمل على بث إشارات من أجل التخفيف من حدة الاحتقان في الموقف، فعملت الرياض على التخفيف من الأحكام المغلّظة ضد نشطاء حقوق الإنسان وكانت قضية المدافعة عن حقوق المرأة لجين الهذلول أولى البوادر التي برزت في عمل النظام من أجل التسريع في “ملاطفة” الرئيس الأميركي الجديد، فسرّعت المحاكمة وإصدار الحكم والتخفيف منه حيث برز في الشكل بأنه إنجاز بمفهوم السلطة، إلا أنه حمل الكثير من الانتهاكات والقمع والتنكيل.

ولم تكن قضية المعتقل الطبيب وليد فتيحي الذي يحمل الجنسية الأميركية، والإفراج عنه في هذا التوقيت والعمل على تكريمه سوى عنصر من عناصر التقارب مع الإدارة الجديدة، الذي من المحتم أن يحاسب بايدن الرياض على تعاملها مع مواطن أميركي وقد ينعكس ذلك على العلاقة بين الجانبين، فما كان من ولي العهد محمد بن سلمان إلا أن يسارع من أجل الإفراج عنه قبل التنصيب في واشنطن.

المسارعة لاسترضاء الرئيس الأميركي، لم يتوقف عن حقوق المعتقلين، بل إن تخفيض أعداد الإعدامات كان بين عناصر قربان التقارب، كما عملت الرياض على تغييرات هادئة في بعض المناهج التي تحاكي طموحات بايدن، وهنا، تشير صحيفة “نيويورك تايمز” إلى أن إزالة خطاب الكراهية وتحديد مدد سجن الناشطين، هي جزء من التغييرات التي قامت بها “السعودية” مع دخول بايدن البيت الأبيض، منبهة إلى أن وصول بايدن إلى الحكم قد يكون بداية علاقة غير متجانسة مع السلطة السعودية، رغم أن الأخيرة يمكن أن تشير إلى التقدم في القضايا التي أدت إلى التوتر المستمر مع الولايات المتحدة.

ونبهت الصحيفة الأميركية إلى أن “الرياض أعلنت التي كانت تعتبر واحدة من أعلى الدول في ناحية أحكام الإعدام، عن تراجع العدد بـ85 حالة عام 2020، وذلك بسبب ما زعمت أنه إصلاح النظام القضائي الذي قامت به، في حين تقول الجماعات التي تراقب التحريض على غير المسلمين في المقررات الدراسية الرسمية “السعودية”، إنه تم حذف كل الأمثلة التي تدعو إلى الضيق والشجب، كما أن الحكم على أهم معتقلين في البلاد وتحديد مدة الحكم جاء مع وصول بايدن إلى الرئاسة”.

نائب مدير الشرق الأوسط في منظمة “هيومن رايتس ووتش” آدم كوغل يلفت إلى أنه “كانت هناك إصلاحات جيدة قد تثير الحماس، لكن الغياب الكامل لحرية التعبير ومواصلة القمع السياسي خفف من حصول السعودية على ثناء أكبر عن هذه التغييرات”. وتلفت الصحيفة إلى أن سياسة “البلطجة” التي ابتعها ابن سلمان برزت خلال السنوات التي كانت ادارة ترامب وصهره جارد كوشنر، يوفران الحماية له من تحركات فروع الحكومة الأمريكية الأخرى التي عبّرت عن غضبها من أفعاله، وذلك بحكم العلاقة القوية التي ربطتهما.

ونتيجة توعّد الرئيس الجديد بايدن بتبني موقف مختلف من النظام السعودي الذي وصف بـ”المنبوذ” وتعهد بالدفاع عن حقوق الإنسان، ودعا إلى إعادة تقييم العلاقات “الأمريكية- السعودية”، فاندفعت الرياض نحو بعض التغييرات الشكلية من أجل التخفيف من حدة التوتر مع الادارة الجديدة.

لاشك أن الانصياع الرسمي “السعودي” سيكون في أوجه خلال الفترة المقبلة، بعد المناهج والأحكام، تطرح التساؤلان حول قضية الكشف عن ملف اغتيال جمال خاشقجي، حيث توعّدت المرشحة لمنصب رئاسة جهاز الاستخبارات الوطنية الأميركية، أفريل هاينز، برفع السرية عن ملف التحقيق في القتل الوحشي لجمال خاشقجي، متعهدة بمحاسبة المسؤولين عن الجريمة، وفي هذا الأمر سيفتح ملف المحاسبة لولي العهد محمد بن سلمان كونه المسؤول الأول عن الجريمة، ما ينذر بأيام عصيبة أمام الرياض، التي دخلت في دهليز تقديم قرابين الطاعة والولاء لإدارة بايدن قبل وصولها، إلا أن المطالبات بمحاسبتها لا تنفك عن التصاعد، ما يجعلها في دوامة من الأخذ والرد لا تفكك رموز محاسبتها إلا بعد بدء بايدن لولايته وتحديد علاقته وتعامله مع النظام السعودي خلال الأيام المقبلة.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى