النشرةالنمر ثورة منتصرةبارز

الشيخ الشهيد النمر ومأسسة الوعي لدى فئة الشباب

خاص مرآة الجزيرة ـ سناء إبراهيم

 شخصية متميزة مناضلة ومجاهدة، عبّرت عن رأيها في زمن صمت فيه كثيرون، حتى استحقت وسام العلا بعد الحياة التي عاشتها بجدارة وتحولت إلى شخصية عالمية اخترقت كل الحدود وحظيت باحترام الكثيرين. إنه نمر الحجاز، ومعلم الأجيال، ملهم بالفكر والوعي ومحرك فتيل الاندفاعة للحق بكل صلابة. سبر أغوار الشباب وأرشدهم لطريق الصلاح، فكان القدوة في الدين والعلم والمعرفة والمقاومة، مقاومة اتخذت من السلمية شعاراً  ومن الكلمة سلاحاً فتّاكاً أرّق سلطات آل سعود، على امتداد حياة الشيخ الشهيد وما بعدها، إذ ترك ثلة تقتدي وتتبع فكره الرسالي المستمر حتى اليوم، والمتمسك بنهجه وفكره وتعاليمه، التي لم تقتصر على دور العالم الديني في إبراز مفاهيم الدين وكيفية تطبيقها والتقرب إلى الله بالعمل الخاص، بل إن الدور اشتمل على ربط الدين بالرسالة وكيفية توظيف كل فرد لحياته بما ينفعه وينفع الأمة بأكملها، وربط تعاليم الإسلام بالواقع المعاش والمستقبل المنشود واقعاً محليا ودينيا وإنسانيا وأخلاقيا، أسس لوعي تخطى حدود النفس والعائلة والبلدة والمنطقة، بل تجاوز الحدود الجغرافية للجزيرة بأكملها.

بكلمات اخترقت جدار القلب والعقل، استهدفت مسيرة آية الله النمر إبراز الحياة بكل أبعادها، منطلقاً من نفسه كعالم ديني يحمل على عاتقه مسؤولية الرسالة الدينية الحياتية والأخروية، وكيفية التعامل مع الحاكم كان من كان، وماذا تكون صفاته ومواصفاته وعدله مع الناس وما الأساس الحق للتعامل معه، إذ قال إذا كان حاكم دولة ما عادلاً ولا يظلم فإن نفسه تكون مزكّاة ويخاف الله وبالتالي لا يمكن أن يظلم، وأيضاً العالم الذي يمتلك موسوعة من العلوم لا يمكن أن يخدع الناس إذا زكى نفسه، لأن علمه بالنفس المزكاة يردعه عن خداع الناس”. وضع تزكية النفس أساساً من أساسيات تولي المسؤولية بكل تفاصيلها، انطلق من داخله وصار قدوة لشباب في منطقة بأسرها، فكان بالساحات الحاضر الأول، ولعل الساحات في العوامية والقطيف وما احتضنته من حراك ثوري أكبر دليل وشاهد على الدور الذي انبثق عنه وجعله قدوة الشباب في المنطقة.

من ساحات الثورة السلمية، وحراك انتفاضة الكرامة عام 2011م، ثارت العمامة البيضاء بنقائها وصفاء وسمحة صاحبها. ثارت وانطلق خلفها ركب من المواطنين الذين آمنوا بأن الحقوق تنتزع ولا تمنح كمنّة من أحد. عايشوا خطابات آية الله النمر في الساحات والحسينيات والمساجد والمهرجانات، ورأووا في الشخصية الثائرة قدوة لهم وسبيلاً لحريتهم وخلاصهم من اضطهاد وظلم المستبدين. رفعوا رايات الحق وأعلوا القبضات وصدحت الحناجر خلفه بالموت للظالمين. أكدوا أنهم على خطى الإمام الحسين عليه السلام وثورته، وأن القائد الفذّ المقتدي بإمام الإسانية والمنطلق من نبض ثورة عاشوراء، لا يمكن أن يحيد عن خط الصواب، وهم يقفون في صفه وخلفه. وبعد أن اتضحت فصول المقاومة أمامهم بالكلمة والعمل والأداء المتميز، الذي أدخل الشباب في قلب الوعي بكل مسؤولياته وواجباته وحقوقه وكيفية تأمينها، انطلاقاً من أساس عام وخاص يقوم على تزكية النفس في كل بشري، لأن التزكية أساس للعمل الصالح، إذ قال المشروع الحقيقي هو بناء الإنسان وركيزة هذا البناء، تزكية النفس. عدوكم الأول أنفسكم، إذا قدرتم عليها كنتم على غيرها أقدر، وإن عجزتم عنها كنتم عن غيرها أعجز. إن النفس لأمارة بالسوء، النفس هي أساس البلاء تسفك الدماء وتفسد في الأرض، فكيف نعالجها؟ إنما بتزكية النفس والتقوى”.

عمل الشيخ الشهيد خلال مسيرته على توعية الشباب ومنحهم عناية خاصة، انطلقت من مشاركتهم في كل فعالية حياتية دينية وثقافية واجتماعية، وخصص لهم برامج توعية مباشر وغير مباشرة. لعله ابتدأها من إعادة تفعيل المساجد والولوج إليها، وإقامة الدروس والفعاليات التي تنمي وعي الشباب بصورة خاصة، وتؤسس لوعي ينتشر بين العامة عبر فئة واعية عارفة بحقوقها وواجباتها وكيفية التأسيس على الفكر ومحاربة التكفير وإيضاح الصورة المأخوذة عن المجتمع الشيعي. جعل من الشباب قدوة وإلهام لإبراز دورهم وحملهم الكثير من المسؤولية بغية إشراكهم في المجتمع بكل جوانبه. خصص الكثير من وقته إن لم يكن كله، من أجل التوعية وإيصال الهدف الرسالي، داخليا وخارجيا.

ولكن سماحته يعلم حجم التأثيرات على فئة الشباب، وكيف يستهدف العدو هذه الفئة من أجل التملك والتغلغل في المجتمع، فانطلق سماحته بجدارته من أجل فئة الشباب، عارفاً بحجم التأثيرات عيلهم، وخط “نلاحظ الأعداء يركزون على هذين الطرفين: المرأة والشباب..التغيير من الخارج يعتمد على الشباب، لكن التغيير من الخارج ينطلق من الداخل”. عوّل الشيخ النمر الذي استثمر حياته في خدمة الرسالة، من أجل تحسين دورهم، فأسس لوعي نشر فكره على صفحات ثقافية عرفت بنشرة “الشباب والشبائب” وهي عبارة عن جمع من المقالات الثقافية والفكرية والاجتماعية والتربوية والدينية بقلم سماحته، استطاع عبره تذليل العقبات أمام جيل واع ومثقف أرسى لبناته الأولى بنفسه. ومما لاشك فيه، لعب تشجعيه للشباب بالتقدم والعمل على تطوير الذات دورا محوريا في الفرد والمجتمع، فضلاً عن بناء الطاقات وتشجيع الشباب على الكتابة ومناقشة القضايا الاجتماعية بتجرد.

 من سبات عميق تمكن الشيخ النمر أن يوقظ جيلاً بأكمله، وعمل على توعيته بشخصيته القيادية المتميزة، انهالت بتأثيراتها الإيجابية على المجتمع، ولعل الفترة القصيرة التي أخذها في إعادة البناء للنفوس وتصحيح مسارها، جعلت من مكانته القدوة الحاسمة في نهضة وبناء مجتمع بأسره، من خلال استقطابه لشباب المنطقة. ومن المؤكد أن ما أرساه سماحته خلال فترة حياته لم يكن آنياً أو مرحلياً وزائلاً، فالقائد الذي رحل جسداً بقيت روحه وتعاليمه منارة للعالمين، فنرى بعد انتصاره على جلاوزة آل سعود وظلمهم وطغيانهم، أن مسيرته وسيرته حاضرة بين شباب المنطقة، والشباب في الخارج، على امتداد دول العالم، ولم تقتصر توعيته على حدود جغرافية معينة، بل إنه بعد خمس أعوام من وسم العلا الذي استحقه وناله بعد أن سعى إليه بكل حياته، تحضر ذكرى شهادته بكل ما تحمل من لوعة الفقد، وعزة الاقتداء، ونصرة القائد العظيم، الذي أكد في حياته وشهادته وما بعدهما بأنه ثورة منتصرة ومستمرة.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى