النشرةبارزتقارير

طلاق “السعودية-باكستان” بعد فشل جرّ إسلام آباد إلى سرب المطبعين مع الاحتلال!

انجرار السلطة السعودية لتنفيذ أهداف القيادة الأميركية والاحتلال الصهيوني في المنطقة، يدفع بها لإشعال التوترات في علاقاتها مع عدة دول عربية وإسلامية، ووضع سياساتها الخارجية تحت إمرة واشنطن تحقيقا لرغباتها السياسية والتوسعية. ومع السياق المتسارع لعملية التطبيع مع كيان الاحتلال “الإسرائيلي” الذي ترعاه السلطة السعودية في المنطقة إعلانا منها لبيع القضية الفلسطينية، تأزمت علاقاتها مع دول رفضت الانصياع لقرارات الرياض وواشنطن وتل أبيب، فلم تتوانَ عن بحث سبل التضييق عليها وإشهار سيف الحرب ناحيتها، ومن بين هذه الدول كانت باكستان. باكستان تشهد علاقاتها مع “السعودية” تأزماً علنيا غير مسبوق، وصل إلى أعلى مراحل الاحتدام ودخلت في تفاصيله الكثير من التفاصيل الممكنة لإدانة وتضييق الخناق على إسلام آباد، فتفرّعت القضايا من السياسة إلى الاقتصاد والأمن وغيرهم..

خاص ـ مرآة الجزيرة

من يتطلع إلى مشهد العلاقة بين الرياض وإسلام آباد، يستخلص نتيجة محتّمة مفادها أن التقارب بين “السعودية” وباكستان وصل إلى خواتيمه، مع ظهور الخلافات الجوهرية إلى العلن وعدم تقبل الرياض لتخلف إسلام آباد عن التحليق في سربها في كثير من قضايا المنطقة أو الانصياع لأوامرها والالتحاق بركبها، لعل باكستان علمت مصيرا آخرا اختارته لسياساته الخارجية وتأثيره على داخلها. منذ آخر تواصل بين العاصمتين، كان الاقتصاد والمشاريع والاقتراض هو الرابط المباشر بينهما، وكأنما الرياض كانت تربط مواقف الساسة كما عادتها، عبر الابتزاز المالي، وما إن يتخلفوا عن الركب حتى تمنع عنها التدفق المالي أو تنهي المشاريع حتى لو ظهرت بشمل فاضح حقيقة وطبيعة تعاملاتها.

التوتر الذي شهدته العلاقة بين الدولتين على خلفية رفض باكستان الانضمام إلى جمع المطبعين مع كيان الاحتلال الإسرائيلي، تسبب بقطع آخر ارتباط بين البلدين، وطافت المعضلات بينهما على السطح، وذهبت الرياض مسرعة لاسترداد مكروماتها واتفاقاتها ومنحها المالية، واتضحت صورتها أكثر بأن العلاقات التي تقيمها ليست سوى مصالح لها أو لراعيها ومن يدور في سربه، وليست على استعداد لأن تستمر في علاقة سياسية ما لم يعود عليها بالنفع  المباشر. ولعل أبرز مطالبها مع الأزمة السياسية مع باكستان، أعلنته الرياض عبر قرارها باسترداد قروض مالية وترحيل عمالة باكستانية على مدار العامين الماضيين، ما يعني نهاية فعلية لعصر التقارب بين الطرفين.

رئيس مركز الدراسات الباكستانية الخليجية ناصر شيرازي، في مداخلة مع “مرآة الجزيرة”، يلفت إلى سبب قطع العلاقات بين الجانبين وتوقيته، ويوضح أن “باكستان تخرج تدريجيا من مستوى التأثير السعودي على سياستها الخارجية، مع انصياع الرياض لتأثيرات الولايات المتحدة الأميركية وهي تأثيرات لايمكن أن تخرج منها “السعودية”. ويعتبر أن وصول العلاقة بينهما إلى أفق مسدود جاء نتيجة تطلع إسلام آباد تعتبر أن أحد سبل نجاتها يكون بتوطيد العلاقات والتواصل مع الصين، ما جعل الانسحاب من العلاقة يحدث تدريجيا.

وكون العلاقة بين الجانبين تتجه نحو التأزم، فإن أسبابها ليست وليدة اللحظة، حيث أن التوترات بدأت بينهما بشكل صريح إثر رفض باكستان استمرار العدوان على اليمن، وهذا ما يؤكده شيرازي، ويضيف أن “رفض إسلام آباد بشكل صريح تدخلها في الحرب التي تقودها السعودية ضد اليمن، وعدم تدخلها بشكل طبيعي في صراعات دول العالم الإسلامي وتحديدا تلك القائمة في اليمن، تعتبرها السعودية ضد سياساتها الخارجية في المنطقة”، ويتابع ” أن وقوف ومساندة باكستان لقطر، رغم العداء القائم مع السلطة السعودية ساهم بتوتبر العلاقات، فضلاً عن ذلك، فإن الرياض لديها حساسية من العلاقة الباكستانية الإيرانية، خاصة وأن باكستان تعتبر ايران جارة مهمة وتريد الحفاظ على استقرار حدودها مع دولة الجوار، وباكستان فتحت حدودها البحرية، البرية وسكك الحديد بخلاف رغبة السعودية لهذه العلاقة”، ما جعل المسامير تدق بشكل متتال في نعش العلاقة بين الجانبين.

ولعل تراكم الأسباب يجعل الصورة أوضح، إذ يلفت شيرازي إلى أن لدى إسلام آباد لديها محاذير من التقارب السعودي الإماراتي مع الهند سياسيا واقتصاديا ودفاعيا رغم التوترات بين الهند وباكستان ولا يبدو أن الرياض أخذت في الحسبان الرأي الباكستاني وعدم رضاه كحليف عن هذه العلاقة ما جعل الأمور تميل أكثر نحو الانقطاع. ويتابع أن من جملة الأسباب أيضاً، “تطور العلاقات ودخول الهند وإسرائيل وأميركا في منطقة الخليج يسبب خلاف أكبر، لأن هناك تذبذبات سياسية وعدم استقرار، ما جعل العلاقات السعودية الباكستانية ادنى مستويات الفتور في تاريخ علاقتهما”.

ونتيجة التدخلات السلطوية السعودية في دول المنطقة وتهديد أمن واستقرار البلدان المعارضة لسياساتها، فإن باكستان شهدت أحداثا على صعيد ديني واقتصادي تشي بعدم الاستقرار لديها، ولم يستبعد رئيس مركز الدراسات الباكستانية الخليجية أن يكون للسلطات السعودية يداً ودورا مباشرا  فيها، ويقول “لا نستبعد أنيكون عدم الاستقرار ناجم عن تدخلات أجنبية مدعومة من السعودية لزيادة عدم الإستقرار في باكستان، التي تتخذ نهجا جديدا في سياساتها الخارجية وهي في صدد بناء علاقات تتوافق مع مصالحها وتطلعاتها الوطنية وهي ليست متأثرة ولا تملى عليها السياسة الخارجية من السلطة السعودية”.

فما بين الحاجة الاقتصادية والتأثير السياسي تكمن المعضلة في تخلي طرف عن العلاقة مع الآخر، ومما لاشك فيه أن العلاقة  بين إسلام آباد والرياض والدفع إلى نهايتها تخللتها عوامل متعددة، تبدأ من العلاقة مع الهند والصين، ورفض باكستان الانصياع لمحاربة واغتيال اليمنيين، وصولاً إلى عدم التخلي عن القضية الفلسطينية، بحسب تصريحات رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان، الذي كشف أيضاً عن تعرض بلاده لضغوط من “دولتين عربيتين” لتطبيع العلاقات مع كيان الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما عرف بأنه ضغوط من قبل الرياض وأبوظبي، وهذه الضغوط حدثت العام الماضي 2020، بعد لسلة من المواقف التي أزمت المشهد بينهما بعد التوتر الذي أنتجته مواقف متعلقة بالعدوان على اليمن.

السلطة السعودية لم تتقبل حياد باكستان وأرادتها تحت جناحها، بعيدة عن إيران منصاعة لها، فما استطاعت إلى تحقيق أهدافها سبيلا، وسط فتح السبل أمام إسلام آباد لناحية الاقتصاد والطاقة والمجالات المتعددة التي تريدها باكستان لواقعها الداخلي وتحسين اقتصادها والحفاظ على مكانتها، تعارضت المواقف ووصل الطريق بين الجانبين إلى نهاية، ولعله حدث الطلاق بينهما دون رجعة على أقل تقدير في الوقت المنظور، خاصة مع لعب محور الشر كل أدواره من أجل إقحام دول كثيرة في جمع المطبعين الجدد، غير أن إسلام آباد رفضت وهذا الرفض كشف عدم خضوعها وخنوعها رغم محاولات الترغيب والترهيب التي استخدمت بحقها، وأظهر أن الرياض تعمل بشكل جدي ومتسارع لتحقيق مصالح الغرب وتوسعاتهم على حساب علاقاتها وسمعتها ومكانتها التي تهشّمت في العالم أجمع.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى