النشرةبارزتحليلات

هل العلاقات الباكستانية ـ السعودية تتجه إلى التأزم؟

خاص مرآة الجزيرة – محمد إشفاق

يرى المتابع للشأن الباكستاني السعودي أن أبجدية العلاقات الباكستانية السعودية قد تغيرت في الآونة الأخيرة، وأنها لم تعد كما كانت عليه، وقد ظهر هذا التأزم بالتحديد في السنتين الماضيتين، مع أننا حينما نرجع إلى الوراء قليلا، فنجد أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان عبر عن قوة العلاقة الثنائية بين البلدين في زيارته لباكستان في أوائل عام 2019 بقوله: اعتبروني سفير باكستان عند المملكة العربية السعودية، وحفاوة الاستقبال التي قامت بها حكومة باكستان المتمثلة في رئيس الوزراء عمران خان لولي العهد قرئ بين الأوساط السياسية كدليل آخر على قوة العلاقات الثنائية ومتانتها.

لكن سرعان ما انقلب هذا الود السياسي إلى التأزم الملحوظ في العلاقات التاريخية بين البلدين، ففي 5 آب من العام الفائت استنكر وزير الخارجية الباكستاني محمود قريشي ما سماه برد ضعيف من منظمة التعاون الإسلامي على الانتهاكات التي تمارسها حكومة هند في الجزء المحتل من كشمير، بعد إلغاء الحكومة الهندية المادتين 370 و35 (أ)، والذي أدى إلى تعطيل الاستقلال الذاتي لمنطقة جمو وكشمير، وهذا بدوره أثار ضجة كبيرة لدى الحكومة الباكستانية.

الكاتب محمد اشفاق

 ولطالما اشتكت حكومة باكستان برودة ردة الفعل من المملكة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي فيما يتعلق بقضية كشمير، وهناك انطباع لدى الأوساط السياسية الباكستانية أن السعودية لم تقف مع باكستان في هذه القضية كما ينبغي، وهذا عكس ما نرى في رد الفعل الإيراني تجاه قضية كشمير، فالتصريحات الإيرانية بهذا الشأن – حسب المتابعة – كانت – ولا تزال – تؤكد على وقوف طهران بجانب الشعب الكشميري، إذ تؤمن بأحقية هذا الشعب الكشميري، وتستنكر ما تقوم به السلطات الهندية في الجزء الخاضع تحت سيطرتها.

الاستنكار الباكستاني على لسان وزير الخارجية لمواقف منظمة التعاون الإسلامي تجاه قضية كشمير قد قابلته السعودية بضغط ممارس على باكستان، وكان من تداعياته أن السعودية طالبت الحكومة الباكستانية بإعادة مليار دولار، وهذا من أصل القرض المقدم من المملكة العربية في 2018 إلى باكستان، والقيمة الإجمالية لهذا القرض تصل إلى ما يقارب 3 مليارات دولار، بدوره سددت الحكومة الباكستانية مليار دولار، وبالمقابل طلبت قرضا تجارياً من بكين، كتعويض عن النقص الوارد بتسديد القرض السعودي، ويمكن قراءة هذا الطلب من الحكومة الصينية هو تلويح باكستاني، إلى أن لديها أوراقا سياسية، وخيارات متعددة، وحلفاء آخرين يمكن اللجوء إليهم في تخطي الأزمة الاقتصادية الراهنة التي تمر بالبلاد، وإذا أضفنا إلى الاستنكار الباكستاني لمواقف منظمة التعاون الإسلامي إرسال باكستان المساعدات الطبية إلى سورية في تشرين الثاني من العام الفائت، فيمكننا القول بأن هذا يدل على توجه السياسية الخارجية الباكستانية المختلف نوعا ما عما كانت عليه في العقدين الماضيين على الأقل؛ فلا يخفى على أي متابع لشأن البلدين، أن إرسال المساعدات الطبية الباكستانية قد أثار غضبا لدى صناع القرار السعودي، لا سيما ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الذي يرى في رئيس سورية د. بشار الأسد مناسفا قوياً لما يتطلع إليه ولي العهد في الشأن السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

لذلك نرى أن تداعيات التأزم العلاقات بين البلدين لم تتوقف عند مطالبة سعودية بإعادة القرض، بل تلاها امتناع السعودي عن تجديد تسهيلات ائتمان نفطي لإسلام آباد، قيمة هذه التسهيلات تبلغ 3.2 مليار دولار، وهذا التأزم تجاوز الصفقات والشؤون الاقتصادية بين البلدين، بل ثمة شائعات تفيد إلى أن السعودية حاولت تعيين أركان الجيش السابق اللواء رحيل شريف في منصب رئيس الوزراء بدلا عن الحكومة الحالية التي يرأسها عمران خان، فإن شخصية عمران خان القوية ربما لا تروقها المملكة العربية السعودية، فالمسؤولون السعوديون لربما لم يتعودوا على التعامل اللائق بالحلفاء والأصدقاء، ولأجل ذلك استغربوا من تصريحات وزير الخارجية الباكستاني، وربما انصدموا من الاستنكار والتنديد الباكستاني لمواقف المملكة تجاه قضية كشمير.

وكمواطن باكستاني ومتابع لشأن سياسي في باكستان يجدر بي الإشارة إلى أن رئيس الوزراء عمران خان يؤمن بالعلاقات الثنائية مع دول العالم، ولا سيما مع الدول الإسلامية ويعتقد بحسن الجوار، وثمة انطباع لدى المتابعين للشأن الباكستاني داخل البلاد وخارجها أن عمران خان يرفض بناء العلاقات على أساس الذل والرضوخ والانحناء، فهو يؤمن بالعلاقات في ظل الاحترام المتبادل، فباكستان دولة كبيرة، وقويةـ، ودولة نووية، ولها موقع جغرافي استراتيجي، وكل هذه الأمور تمنحها ثقة وقوة في بناء العلاقات الثنائية مع أي دولة على أساس علاقة الند للند، لكن ريما لم تستوعب المملكة العربية السعودية، أو بعبارة أدق، لم ترد أن تستوعب هذا التوجه القوي لدى رئيس الوزراء الباكستاني الحالي.

وثمة مسألة أخرى أراها جديرة بالاهتمام لفهم تدهور العلاقات السعودية الباكستانية، وهي أن في ظل التطبيع الراهن مع الكيان الصهيوني، برز سؤال مهم في الصحف الباكستانية، ولدى الأوساط السياسية عن توجه عمران خان فيما يتعلق بالتطبيع، وإن كانت الضبابية ظلت سيد الموقف عند البعض، غير أن تصريحا قويا من عمران قد حسم الأمر بشكل قاطع، فقبل الأسابيع أجرت إحدى القنوات المحلية حوارا مفصلاً مع عمران خان، في أثناء الحوار سأل الصحفي المضيف رئيس الوزراء الباكستاني عن موقفه تجاه التطبيع مع الكيان الصهيوني، فكان الرد واضحا وصريحا وقويا من عمران خان، حيث لم يربط رفض التطبيع بالأمور السياسية أو وضع المنطقة، بل أعطى له لونا إيديولوجيا، حينما قال: كيف سأستجيب أمام الله يوم القيامة إذا قمت بتطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني.

لقد قرئ هذا الرد من قبل المتابعين أنه رد واضح وحاسم وقوي ومبدئي؛ فإن رفض التطبيع ليس فقط مقتضى السياسة الخارجية الباكستانية، أو بسبب الوضع الراهن في المنطقة، أو تحت ضغط الشعب الباكستاني، أو أن البراغماتية تحكم الرفض، بل إن الرفض راجع إلى إيديولوجية ثابتة وراسخة لدى عمران خان، وهذا يعني أنه مهما كانت التحديات، لا يمكن أن تقيم إسلام آباد العلاقات مع الكيان الصهيوني، وهذا الرد الحاسم هو السبب الآخر بل هو الأهم في مسار تدهور العلاقات السعودية الباكستانية؛ لأن ما يقال وراء الكواليس يؤكد على أن سياسة ولي العهد السعودي متجهة نحو تطبيع العلاقات مع الكيان الغاصب، وأن المسألة محسومة لدى صناع القرار السعودي في ظل قيادة محمد بن سلمان. ففي منطق التحليل السياسي يمكن أن يعد هذا التباعد بل التناقض فيما يتعلق بالتطبيع بين الرؤيتين، من أهم أسباب التأزم العلاقات الثنائية.

ولا ننسى أن هناك جهودا حثيثة من الطرفين لمنع انهيار كامل في العلاقات، وفي هذا السياق تأتي تصريحات رئيس الوزراء الباكستاني التي تؤكد على نفي وجود خلافات بين البلدين، ومن جانب آخر صرحت منظمة التعاون الإسلامي بعد تصريحات خان بأن المنظمة تقف بجانب باكستان في قضية كشمير. غير أن بعض القرارات التي اتخذها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، لا سيما قراره تجاه اليمن ينذر بأنه لا يستبعد منه في ظل الوضع الراهن أن يعلن قطع العلاقات مع دولة باكستان، ومن المؤكد أن مثل هذه القرارات غير المدروسة لا تخدم شعوب المنطقة، وليست بصالح المملكة العربية السعودية ولا باكستان.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى