النشرةالنمر ثورة منتصرةبارز

“مرافعة كرامة”.. دستور حياة الإنسان والوطن وليس مجرد دفاع معتقل

خاص مرآة الجزيرة ـ سناء إبراهيم

“إن سلاحنا هو الكلمة وليس الرصاص وسنواجه الرصاص بالكلمة وليس بالرصاص”. “نعم، قد قلت أنا الشهيد التالي ووالله إنها لكرامة من الله أن أكون شهيداً حيث أُقْتَلُ مظلوماً دفاعاً عن قيمي ومجتمعي، لا ظالماً، ومعتدى عليَّ لا معتدٍ على أحد”. بمقدمة تؤكد القوة والعزيمة والمقاومة لكل أشكال الظلم والطغيان، افتتح سماحة آية الله الشيخ نمر باقر النمر مرافعته عن نفسه، وخطّها وهو مكبّل خلف قضبان الزنازين ويكابد لوعة السياط والآلام والتنكيل.

أكثر من 1274 يوم، تحمل الكثير من القصص والحكايات عن حياة فكر ووعي ورأي ورسالة حاول نظام آل سعود أن يطفئ نورها، إلا أنه انكسر وفشل بكل المقاييس التي اتبعها، وأفرزتها جلاوزته في الغرف الضيقة المحجوبة عن ضوء الشمس والممنوعة من الهواء. قضى سماحة العلامة النمر عقوبة السجن وعانى ويلات الاعتقال في زنازين انفرادية، برفقة شتى أنواع التعذيب والتضييق والإهمال وعدم معالجة آثار الرصاصات التي أطلقها جلاوزة السلطة عليه، حتى ارتحل إلى بارئه عارفا  بحقوق شعبه والأمة، متيقناً من قوة النهج وصلابة الاختيار، وصمود الكلمة وجدارة الحياة والشهادة، تاركاً إرثا من النهج العظيم القائم على تمجيد الحق والدفاع عنه على أساس التمسك بنهج العزة والكرامة.

على امتداد أيام الاعتقال ومع منع السلطة للحقوق المشروعة لكل سجين، قرر سماحته أن يدافع عن حقوقه بكل ما أوتي من قوة، عالماً بأن الحق سينتصر مهما بلغ الجور تمظهر الانتقام. ورغم حرمان من أدوات الكتابة، والمماطلة بمنحه القلم والأوراق، تمكّن مع آلامه وأوجاعه أن يخط مرافعة للدفاع عن حقوقه تفنيد الاتهامات الموجهة إليه، وبالدليل والشهود والوثائق الحسيّة، أعدّ الردود المتكاملة الجوانب والتفاصيل لإبراز الإدعاءات والفبركات  المخطوطة بحقه، ولم يقف أمام شجاعته سياط سجان وحقد جلاوزة السلطة وممارساتهم الانتقامية.

بيده التي لم ترتجف أمام القمع والقيود، ورغم عدم تمكينه من أدوات الكتابة سوى لساعات معدودات، تمكّن سماحته من سرد “مرافعة كرامة”، التي بقيت إرثاً فكرياً ينضح بالكثير من معاني النبل والشجاعة والعزة والتمسك بالحق، وجعل الكرامة دستور حياة لا تنازل عنه أمام جور السلاطين. فالمحاكمة التي شاكلت “المسرحية الهزلية”، جاءت المرافعة لتكون الإنجاز الأبرز الذي عرّى السلطة وقضائها وأدواتها القمعية التي تنتهك كل المعايير الحقوقية والدولية التي تعنى بحقوق الإنسان، والتي تكفل حقوق السجناء والمعتقلين.

امتدت “مرافعة كرامة” على نحو مائتي صفحة، كانت بمثابة فصل من فصول المطالب الحقوقية المشروعة، وممارسة لحق من حقوق وثيقة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتمثيل مكثّف لمجمل خطاب الكرامة، وإنجاز مستمر لفعل الشهادة الذي توّج بالشهادة ولم يتوانَ عن مواصلة المطالب رغم القمع والاستبداد، وأبى التهاون مع الظالمين والسلاطين مهما كانت الظروف المحيطة. مستوى اللغة والمفردات التي استخدمها سماحته في المرافعة، تكشف القوة والصلابة والشجاعة في نفس العالم الشهيد، الذي آثر الحياة وحفظ حقها من دون هوان ولا ذل، ولا خضوع أو خنوع، وأراد عبرها، أن يستكمل مسير حياته الرسالية التي تواصلت من أجل الإنسان، وحفظ كرامته وحقوقه   والمساواة والاعتراف والعدالة، استند إلى شعار أساسي “إن حياتي ليست أهم من كرامتي”، أكان حراً أم خلف القضبان.

“حقوقي مصادرة وإرادتي منتقصة واختياراتي محدودة وحريتي مكبلة، ولذلك لن أستطيع أن أعد الإجابة على التهم الموجة لي إعداداً كافياً، ولن أتمكن من الدفاع عن نفسي دفاعاً جيداً، وخصوصاً أن خصمي هو من يسجنني، وهو من يضع العراقيل في محاكمتي”. كلمات جاءت في “مرافعة كرامة”، رغم المعنى الذي يرى فيه الشيخ الشهيد أنه لم يتمكن من الدفاع عن نفسه كما يجب مع تكبيله من قبل السجان، إلا أن أسلوب وكلمات ومفردات والمعاني التي استخدمت في المرافعة، لا تبرز أن من خطها استغرق ساعات فقط لكتابتها رغم ظروف الإرهاب والترهيب المحيطين به، من قبل السجان وعناصر السلطة الترهيبية. وأبرز الكلمات المستخدمة ولغة الممرافعة، أن من أعدها شخص حر وفكر نيّر لا يمكن أن يقترب من مكانته سوط قمع واستبداد، ولم ترهبه قوات القمع والانتقام، ولم تقترب من عزيمته كل المضايقات ومحاولات المنع والأرهبة والتخويف.

 وكدليل حسي ملموس على عدم تسلل الخوف هنيهة إلى قلب الشيخ النمر، يتعزز مفهوم قوة النفس من خلال ما جاء في  مقارعة للظالمين ومواجهة علنية للسلطة خلال مرافعته، فعندما تتناول لائحة الدعوى الخروج في التظاهرات المطالبة بالحقوق المشروعة، وتفندها على أنها “خروج على ولي الأمر”، يشير سماحته إلى الحقبة التاريخية “لقيام السلطة السعودية في قلب فكرة الخروج على ولي الأمر، ويذكّر هيئة القضاء والمدعي العام، إن الملك عبد العزيز لو لم يخرج على الدولة العثمانية لما تأسست الدولة السعودية هذه، وما كان لها وجود على الخارطة الجغرافية أو الخارطة السياسية. فهل كان خروج الملك عبد العزيز على الدولة العثمانية خروجاً مشروعاً؟” . ويؤكد سماحته أن “هيئة التحقيق والادعاء العام لم تأتِ بقرينة واحدة ولو ركيكة فضلاً عن بينة أو دليل تفيد بأني حملت سلاحاً فضلاً عن الخروج المسلح، ولقد قاربت الستين في العمر، ولا يستطيع مدعٍ أو غيره أن يدعي عليَ بحمل السلاح في هذا البلد؛ لأنني لم ألمس سلاحاً فضلاً عن حمله. ومنهجي ومبدئي واضح وصريح في رفض استخدام اليد والقوة فضلاً عن استعمال السلاح في مواجهة وحل المشاكل والأزمات والصراعات والخلافات“.

من يطالع هذه النقطة من الدفاع والمرافعة، يستشف حجم الشجاعة في شخصية سماحته، فلم يرضخ ولم يهن أمام الظالمين، رغم أنه كان مكبلاً ومقيدا وممنوعا من الكلمة إلا أنه تعامل على مبدأ أن الكرامة أهم من الحياة وأن نيل الشهادة لا بد أنه الهجف الأسمى، ولا تنال هذه المرتبة من العلا سوى ببذل الغالي والنفيس، وتأكيد أن لا طاعة إلا لله، فـ“لا سمع ولا طاعة لمن يسلب حريتي ويسلب أمني” كما سجله المدعي، وكما سجلته مرافعته حين سئل عن طاعة ولي الأمر “جوابي بعدم التزامي وعدم طاعتي لأي شيء يخالف عقيدتي”. وعقيدته تقول “وهيهات منا الذلة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله، وحجور طابت وأرحام طهرت أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام”.

النص الحرفي للمرافعة التي كتبها الشيخ النمر بنفسه وأصر أن يقوم هو شخصياً بكتابة الرد بيده، واقتصار دور المحامي على مراقبة النص في المسائل القانونية والشكلية فقط، دون الخوض في الأفكار والمواقف التي يتبناها. تحيلنا إلى معجم الكلمات وتفنيد الاتهامات والرد عليها، وإبراز كيف جعل من “مرافعة كرامة”، مرافعة تاريخية لمعتقل مكبّل ومسجون ومقيّدة حريته، وتبقى المرافعة وثيقة إنسانية حقوقية شاهدة على ظلامته وظلامة الإنسانية وبشاعة العقيدة المتوحشة التي قابلت كلمته بسيفها وتحريفها وفبركتها وعملياتها الانتقامية، التي لم تتمكن من محو إرث الشهيد النمر وفكره وروحه ومرافعته القائمة على الكرامة كأعلى مبدأ دستوري في الحياة.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى