النشرةالنمر ثورة منتصرةبارز

السياسة محور دور علماء الدين ونموذجها الشيخ النمر في “السعودية”

زينب فرحات ـ خاص مرآة الجزيرة

لطالما شكّلت مشاركة علماء الدين في سياسة الدولة إشكالية بين العلماء أنفسهم وبين المواطنين والمنظّرين الذين يعيشون في هذه الدولة، فبرز تيّار يدعم هذه المشاركة ويحثّ على ضرورة دور العلماء في السلطة، فيما برز تيار آخر يعارض مشاركة رجال الدين في السياسة. وما بين الأول والثاني يختلف آداء علماء الدين في العالم الإسلامي، من الثوري والمعارض والمقاوم إلى المحايد عن كل القضايا والمنضوي في مشروع النظام الحاكم أياً كان.

ينطلق معارضو مشاركة علماء الدين في الشأن السياسي، من خلفية تجربة الدول الأوروبية في هذا الصدد، أي إبان حكم الكنيسة للمجتمعات وما نتج عن هذه التجربة من فساد ألحق الضرر بجميع أفراد المجتمع. مع العلم أن إسقاط هذه التجربة على المجتمعات الإسلامية والعربية أمر غير منطقي على الإطلاق، فلا القوانين الإلهية المنزلة في القرآن الكريم شبيهة بتلك الموجودة في الديانة المسيحية، ولا المكان والزمان والثقافة السائدة في ذلك العصر شبيهة بمجتمعات وظروف اليوم. في حين يستشهد آخرون بتجربة حكم الدين في “دولة الخلافة الإسلامية”، ويقومون بتعميمها على كافة الحركات الدينية الإسلامية، لتأجيج رهاب الدين، والدفع نحو علمنة الدولة، رغم وضوح مشروع “داعش” منذ البداية، وانحرافه عن الإسلام وقيمه وتعاليمه.  

بالنسبة لرجال الدين، ثمة من يفضّل الإنكفاء على تأدية الدور الديني والموعظي، على الإنخراط في العمل السياسي. ولذلك نجدهم يتخذون موقفاً حيادياً من كل الأخطاء والجرائم التي ترتكبها الدولة بحق الشعب. في حين ثمة فريق آخر من رجال الدين وهم الأخطر، أولئك الذين يتماهون مع خطاب السلطة حتى يصبحون جزءً من مشروعها وأداةً من أدواتها. ذلك أنهم يعتقدون أن كل ما يراه الملك هو الصواب حتى لو أفتى بقتل ثلثي الشعب بل يسوّقون لهذا القرار، ويحرّمون الخروج على الحاكم، أو مناقشته ومنازعته في أمر، أو تشكيل أحزاب وجمعيات سياسية.

لكن في الواقع، المشاركة السياسية في الإسلام، هي أحد أهم أدوار عالم الدين، بل محور دوره، وليس ثمة تعارض كما يصور البعض عن دوره الإرشادي الديني وعن دوره السياسي والإجتماعي، إنما الثاني هو مكمل الأول وحيّزه التطبيقي. أكثر من ذلك إن قوام عمل نبي الرحمة محمد (ص) كان تأسيس دولة إسلامية، فلو أمعنّا النظر في سيرة النبي الأكرم وسير أئمة أهل البيت (ع)، لوجدنا أن جميعهم كان لهم دوراً فاعلاً في الحكم، بل كان مشروعهم الأساس بناء دولة تعبر عن مفهوم الإسلام الحقيقي في ظل شيوع الفساد والجرائم والفقر وغياب العدالة والتنظيم والتنمية. ورغم أن الظروف لم تكن مؤاتية لإقامة هذه الدولة التي يطمح لها الأئمة، لكنهم اجتهدوا بكل السبل والوسائل للنهوض بالمجتمع، ولتأهيل أرضية بناء الدولة الإسلامية.

في القرن العشرين، عاش رجال الدين حالة من الغربة عن الدولة، وخضعوا للتنكيل  الذي تمارسه بحق أبناء الشعب، حتى جاء الإمام روح الله الخميني، وحثّ على وجوب انخراط عالم الدين بمجال العمل السياسي. انطلق الإمام في ثورة ضد الطاغوت الحاكم، ودعا جميع علماء الدين إلى الإنتفاضة بوجه هذا الحكم فاستجاب له جمع كبير منهم وأحاطوا به، وعملوا بتوجيهاته. ما فعله الإمام أنه وضع منهج آل البيت (ع) موضع التطبيق، فعزم على كسر شوكة الطاغوت وتحقيق إرادة الشعب واستعادة كرامته التي انتهكها حكم الشاه. شدّد الإمام على ضرورة العمل السياسي لرجال الدين تحت شعار “سياستنا عين ديننا وديننا عين سياستنا”. أكثر من ذلك، أطلق مفهوم “البكاء السياسي”، وهو يعني توظيف عاطفة الشعب على مصائب أهل البيت (ع) في واقعة الطف، في العمل الثوري والمناهض لآداء السلطة الفاسدة، أي لهذا الحد كان الدين لدى الإمام الخميني سياسياً.   

قد يقول قائل أن العمل السياسي لرجل الدين من الممكن أن يفسده، ويحرفه عن أصل دوره. أو أن يكون هذا العالم هو فاسد في الأصل فيسيء استخدام الحكم. ويجيب على هذه الإشكالية الإمام الخامنئي بوضوح، بالقول: “البعض ينظر للعمل السياسي كممارسة بعيدة تماماً عن الميول الدينية، والهدف لديهم أن يتقدم هذا العمل السياسي إلى الأمام. هذا غير صحيح. العمل السياسي يجب أن يكون دينياً. كل الأعمال المحرمة شرعاً ينبغي ملاحظتها في العمل السياسيب بشكل مضاعف”. أي أن الحلال والحرام يبقى قائماً في العمل السياسي ولا يمكن تجاوز هذه الأحكام بأي شكل من الأشكال.

في الجزيرة العربية حيث يحكم آل سعود ويمارسون شتى أساليب الإضطهاد والتنكيل بحق مختلف شرائح المجتمع، ثار الشيخ المجاهد نمر باقر النمر على الطغيان مع انطلاقة التظاهرات التي شهدتها القطيف والأحساء عام 2011، وفي أروع تجسيد لتوظيف تعاليم آل البيت (ع) في الحياة السياسية، قال سماحته: “تعلمت من الحسين التوحيد الإلهي الخالص الذي لا يشوبه شرك كطاعة الطاغوت. شرك الطاعة للطاغوت ممحي في منهج الحسين. نتعلم من الإمام الحسين أن لا نطيع الطاغوت، لا نخضع لظالم ولا نطيعه، وهذا هو التوحيد الخالص. فحين يقول الإمام الحسين ماذا وجد من فقدك؟ وما الذي فقد من وجدك؟ لقد خاب من رضي دونك بدلاً. ولقد بغى من خسر عنك متحوّلاً، أنطيع الطاغوت بدلاً عن الله؟ طاعة الطاغوت وما شابه بدلاً عن الله؟ لا يوجد شيء بدلا عن الله! ولا يوجد شيء لنتحوّل إليه عن الله! لا وسن ولا أحد ولا شيء! تعلمت من الحسين قيمة الحرية والعدل والكرامة، فالحرية هي الهواء الذي نتنفسه ومن دونها تموت الحياة، والعدالة هي قوام الوجود ورواسي الإستقرار ومن دونها يضطرب الكون، والكرامة هي قلب الإنسانية ومن دونها تنهار كل القيم السماوية والمثل الإنسانية والفلسفات البشرية وكل حكم الخلق والوجود”.

الشيخ الشهيد استنهض روحية الثورة لدى الفئات المستضعفة في المجتمع، لتستعيد كرامتها وحقوقها. وقد عبّر عن ذلك بالقول: “بإرادتنا، بإيماننا، بصمودنا، ينهزم كل عنفوانكم، لدينا إرادة تقاوم ظلمكم وجوركم، ولن نتنازل، أقصى ما تفعلونه هو الموت ومرحبا بالموت في سبيل الله، لا تنتهي الحياة في موت الإنسان، إنما تبدأ الحياة الحقيقية بموته. إما نعيش على هذه الأرض أحرار، أو نموت في باطنها أبرار، لا خيار لنا غير ذلك”.

وفي وصفه لحالة الظلم والخوف التي يعيشها أهالي القطيف والأحساء، قال في خطاب له: “نحن على امتداد 100 عام نعيش خوف وظلم وترهيب ونحاط بالمطاردة والتنكيل منذ لحظة ولادتنا، حتى الجدران كنا نخشاها، أنا عمري خمسون عام ومنذ ولادتي لم أشعر حتى الآن بالآمان ولو للحظة واحدة، لأن أنت متهم في كل مكان وعلى كل حال، ومهدّد في كل لحظة، وهذا ما صرّح به مدير المباحث في المنطقة الشرقية لي شخصياً حين اعتقلت حيث قال لي أنتم الشيعة كلكم لازم تقتلون. والإمام علي يقول لا خير في الوطن إلا في الأمن والسرور ونحن الأمن فاقدينا فأي خير وأي سرور في هذا الوطن؟ تعاسة في كل مجال!”.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى