النشرةبارزحوارات

الباحث اللبناني علي مراد لـ”مرآة الجزيرة”: إدارة بايدن ستواصل مشروع الهيمنة الأمريكية بمنطق واشنطن البراغماتي

،،مع فوز جو بايدن في الإنتخابات الرئاسية، كثُرت التساؤلات عن أداء الإدارة الأمريكية الجديدة تجاه الداخل السعودي، والمنطقة ككل. إن أهمية هذه التساؤلات تنطلق من كون الولايات المتحدة تسطو على دول هذه المنطقة وحكامها وثرواتها وإلى حدٍّ ما، شعوبها. ولذلك، من البديهي أن ينشغل المرء بالبحث في التطورات التي يمكن أن تحصل مع قدوم الرئيس الجديد. ولكن على أي حال، يبقى الثابت الوحيد بين جميع المتغيرات هو عدائية المشروع الأمريكي تجاه دول المنطقة. من هذا المنطلق، وفي ضوء الحديث عن انعكاسات فوز بايدن على “السعودية” واليمن ولبنان، حاورت “مرآة الجزيرة”، الباحث والمحلل السياسي اللبناني علي مراد،،

مرآة الجزيرة ــ حوار زينب فرحات 

في البداية، أكّد علي مراد أن سياسة أي “إدارة أميركية تجاه (السعودية) وباقي حلفائها تنطلق من المصلحة الأميركية والخدمات التي يقدّمها هؤلاء الحلفاء للمشروع الأميركي في المنطقة”. ولذلك استبعد  الحديث عن “تغيير أميركا لطبيعة علاقتها مع (السعودية) أو إدارة ظهرها للرياض”. أما عن تهديد ووعيد بايدن لمحمد بن سلمان خلال العام ونصف العام الماضي، فهي تشبه وفق الباحث “ما تفوّه به ترامب ضد السعوديين في أثناء حملته الإنتخابية، خلال عامي 2015 و 2016”. وأضاف أن “إدارة بايدن ستعتمد ما يتعارَف عليه أميركياً بسياسة Tough Love وهي السياسة التي تعتمد القسوة تجاه الحليف لتصحيح مساره وترويضه، هذا ما قاله مساعدو بايدن في الأشهر الماضية”.   

أكثر من ذلك، رأى الباحث المتخصّص في الشأن السعودي أن محمد بن سلمان قدّم خدمات لواشنطن، بحيث جعل جميع الإدارات راضية، “فهو فرض اللبرلة في المجتمع السعودي وهذا مطلب أميركي تاريخياً، إضافة إلى ورقة التطبيع مع العدو الإسرائيلي التي اختار ابن سلمان أن يؤجّلها ليقدّمها للإدارة الديمقراطية”. وهاتان الورقتان برأي الكاتب “سيستعملهما ابن سلمان لتخفيف حدّة أي ضغوط أميركية من قبل إدارة بايدن عليه”. وتابع “تاريخياً عوّدنا الرؤساء الأميركيون في حملاتهم على الصوت المرتفع وادّعاء الإنتصار لحقوق الإنسان وما يسمى المعايير الديمقراطية، لكن في الممارسة عند المصالح يدوسون على حقوق الإنسان”.  

لا انفراجة في الملف الحقوقي

من هنا، دلف الباحث للحديث حول الملف الحقوقي، مستدلاً ببعض المؤشرات التي تبين أن “محمد بن سلمان قد يُقدم على اتخاذ خطوات معينة في المرحلة القادمة من أجل تخفيف الضغط، لا بهدف إحداث انفراجة متأمّلة في الملف الحقوقي داخلياً. فعلى سبيل المثال، إطلاق سراح الناشطات النسويات اللواتي اعتقلن قبل حوالي عامين على خلفية مطالبتهن بحق قيادة السيارة للمرأة”. ومؤخراً “ألمح أحد الأمراء السعوديين، إلى أنه قد يجري إصدار عفو ملكي، لذا من الواضح أنه هناك خطوات سعودية استباقية قبل تنصيب بايدن رئيساً على البلاد بشكل رسمي، بأن يتخذ قرارات معينة ستعمل جماعات الضغط المتعاقد معها من قبل السعوديين في واشنطن، على الترويج لتغيير المسار السعودي في التعاطي مع الحقوقين والنشطاء وأصحاب الرأي في الداخل”. وهذا كله يندرج وفق الكاتب، “في إطار امتصاص الصدمة وتخفيف الضغوط، باعتبار أن إدارة بايدن في الفترة القادمة لن تكون مرتكزة بشكل أساسي على الديمقراطية وحقوق الإنسان، فقد أثبتت التجربة أنه دائماً هناك مجال للمساومة والمصالح هي التي لها كلمة الفصل، نظراً لطبيعة السياسة الأمريكية البراغماتية. ولذلك، يستبعد مراد حدوث “أي تغيير جذري على مستوى إطلاق الحريات والتخفيف من حدّة القمع في الداخل السعودي، باستثناء حصول بعض الخطوات التجميلية التي يعتقد ابن سلمان أنه بحاجة إليها خلال الفترة القادمة”. 

ابن سلمان الملك السعودي القادم

من التساؤلات التي أثارت الجدل بعد فوز بايدن في الإنتخابات الأمريكية، مدى إمكانية تعيين محمد بن سلمان ملكاً على البلاد. وبالإجابة عن هذا السؤال، قال المحلل اللبناني، إن محمد بن سلمان “وصل إلى مكان أصبح مطمئناً فيه إلى مسألة توليه السلطة، وإلا لو كان وضعه حرجاً لكان قد استعجل الموضوع قبل انتخابات الرئاسة الأمريكية”، موضحاً أن “ما قام به محمد بن سلمان في الداخل، على امتداد العامين الماضيين بالتحديد، منذ تسلّمه منصب ولي العهد، يأتي في إطار عملية احتكار للسلطة، وتقليص صلاحيات أجهزة ومؤسسات موجودة في (الدولة السعودية) ووضعها تحت إشرافه بشكل مباشر. ثم أتى بجماعته وحاشيته ونصّبها لتدير هذه المراكز والمناصب الحساسة بالنيابة عنه”. وأضاف أنه “تجاوز جميع الأخطار التي يمكن أن تكون عقبة أمامه، كتخلصه من عمه أحمد بن عبد العزيز، ومحمد بن نايف، وبعض الأمراء الذين كان لهم طموح سياسي في السابق”، مرجّحاً أن ذلك “سهّل عليه مسألة تلقي السلطة في الفترة المقبلة، بغض النظر سواء خسر ترامب أو فاز بايدن في الإنتخابات، بالنظر إلى أن مسألة انتقال السلطة إلى ابن سلمان، ستجري بطريقة يكون فيها مطمئناً حتى أكثر مما كان عليه الحال قبل عامين، وهو يعتقد أنه وصل إلى مكان أمّن ترقّيه إلى منصب الملك”.

بالتالي، السؤال هنا، لم يعد بحسب مراد “إن كان سيصبح ملكاً أم لا، إنما من سيكون ولي عهده، فحتى الإدارة الأمريكية قد تستعمل معه أسلوباً مغايراً لأسلوب ترامب، لكن هذا لا يعني بطبيعة الحال أنهم سيفرضون مثلاً مسألة إقصائه من المشهد، ليقوم بالتنازل وإعادة الحرس القديم إلى السلطة في (السعودية)”. وأوضح الباحث أن “الأميركي يتعاطى وفقاً لمصالحه، وابن سلمان حاول فرض أمراً واقعاً في (السعودية)، إذ صعّب على أية إدارة ديمقراطية أن لا تسير بنفس الطريقة التي سار بها ترامب، بمعنى هذه الإدارة الديمقراطية إذا أرادت اليوم أن تبحث إزالة ابن سلمان من المشهد فهي ستبحث أولاً مسألة التكاليف أي الأثمان التي ستترتب عن هذه العملية، بإعتبار أن بايدن وكل مساعديه يعرفون جيداً أن المسألة ستكون مكلفة على مصالح أميركا في المنطقة، لأن ابن سلمان رسّخ نفسه داخلياً، وبالتالي صعّب عليهم هذا الموضوع. لذا سيتعاملون معه بشكل طبيعي، وستجري عملية انتقال السلطة بشكل هادئ وسلس، مع العلم أن محمد بن سلمان حتى الآن، لا يزال يحتاج إلى أبيه لكي يحاول أن يرمّم الأضرار التي تسبّب بها في المنطقة نتيجة سياسته الهوجاء”، وفق مراد.  

بايدن لن يوقف العدوان على اليمن

أما في ما يتعلّق بالعدوان على اليمن، لفت مراد إلى أن العدوان السعودي على اليمن انطلق في عهد أوباما وبضوء أخضر من الإدارة الديمقراطية، وبالتالي، “استمراره مرتبط بالمصالح الجيوسياسية الأميركية في المنطقة التي تضعها المؤسسات الأميركية أكثر من سياسات خاصة بالرؤساء الأميركيين”. وعليه أورد، “لذلك أغلب التقدير أن إدارة بايدن لن تسمح بوقف العدوان على اليمن قبل تحصيل أو انتزاع تنازلات سياسية من قبل اليمنيين”، مرجّحاً أن “يكون ملف اليمن من الملفات التي ستفضّل إدارة بايدن طرحها في المفاوضات القادمة مع إيران نظراً لإرتباط الملف اليمني بباقي الملفات التي أدّت إلى تراجع النفوذ الأميركي في المنطقة”. 

تطورات الساحة اللبنانية مرتبطة بالملف النووي

من الملف السعودي، انتقل الباحث السياسي للحديث عن الملف اللبناني. وفي قراءة عامة للسياسة الأمريكية، رأى الكاتب أن “سياسة بايدن تجاه الشرق الأوسط سوف تختلف بشكل كبير عن سياسة ترامب لناحية الأولويات، أما بالنسبة للأساسيات في السياسة الأمريكية فسوف تبقى وتحديداً في ما يخص مواجهة إيران والمقاومة ومشاريع التحرر، والتفلت من الهيمنة الأمريكية والصهيونية”. وأورد “على سبيل المثال، إذا أخذنا الساحة اللبنانية، واضح أن الثنائي السعودي الإماراتي كانا يلعبان دوراً في لبنان خلال إدارة ترامب، وطبعاً كان هنا ضوء أخضر من قبل الإدارة الأمريكية وإلا لما تجرأ ابن سلمان عام 2017 على اعتقال رئيس وزراء لبنان سعد الحريري وإجباره على الاستقالة بشكل مهين”. هذا الموضوع مع إدارة بايدن لن يحصل كما يقول مراد، “فهناك مدرسة كلاسيكية في السياسة الأمريكية، سوف يلتزم بها بايدن على عكس ما حصل مع ترامب عندما كان هناك ضوء أخضر مفتوح لمحمد بن سلمان في مسألة التصرف في الساحات العربية”.  

الملف اللبناني، وفق مراد هو “من الملفات التي ضمتها إدارة ترامب إلى الملف الإيراني الكبير، وحملة الضغوط القصوى، لذلك كان هناك توجه ضاغط تجاه الساحة اللبنانية. أما التطورات في الساحة اللبنانية فستكون مرتبطة بإمكانات الذهاب إلى تفاوض جديد حول الملف النووي وبالطبع ملفات الإقليم ستكون حاضرة وستحاول إدارة بايدن، بأن تطرح فيها الملفات الإقليمية، ومنها ملف حزب الله في لبنان”. وبناءً على ذلك، “سيكون السعودي راكباً في الحافلة الأمريكية وسيعمل وفق توجيهات إدارة بايدن. ربما في الفترة السابقة كان هناك تفلّت أو محاولة أن يكون هناك استقلالية في السياسة السعودية والإماراتية في الساحة اللبنانية، بمعزل عن الأميركي بحدود معينة، ولكن في الفترة القادمة، الأمريكيون سيحددون مساراً معيناً وسيكون هناك التزام سعودي بالسياسة التي ستضعها الولايات المتحدة خاصةً وأن ابن سلمان سيحاول إرضاء بايدن قدر المستطاع، ولا أعتقد أنه سيكون هناك سياسة سعودية خاصة ومستقلة في الساحة اللبنانية مع إدارة بايدن”، يختم الباحث علي مراد حديثه.  

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى