النشرةبارزدراسات وبحوث

تاريخ الإسلام و التشيع شرقي الجزيرة العربية (البحرين التاريخية) 1/3

مرآة الجزيرة 

وسط تشويهٍ متعمد لأصول العقيدة الإسلامية في بلاد البحرين التاريخية، ومحاولة البعض نفي آثار رسول الله النبي محمد (ص) وآله الأطهار في هذه الأرض، ومدى تأُثيرهم فيها وبأهلها، يعرض كتاب “الأصول الدينية والسكانية في البحرين التاريخية” للكاتب والباحث السياسي د. فؤاد إبراهيم سلسلة قيّمة من الأحداث السياسية والإجتماعية التي عاينها أهالي منطقة البحرين التاريخية أو الخُط والتي كانت تمتد حدودها من البصرة إلى عمان. وذلك بهدف دحض الروايات المزعومة حول تاريخ هذه البلاد، ودراسة حالة المجتمعات فيها خلال فترات زمنية مختلفة. 

بدايةً، يشير الباحث إلى الإختلاف السائد بين المؤرخين والجغرافيين حول تحديد موقع البحرين في التاريخ القديم، مبيناً أن البحرين وفقاً للمعطيات التاريخية، كانت محصورة في الأحساء والقطيف. ولفت إلى أن القطيف كانت تعد إحدى مدينتي البحرين والأخرى هجر، كما بيّن أن القطيف كانت عاصمة البحرين في بعض أدوار التاريخ العربي والإسلامي. أما بالنسبة لهجر، فينقل الكاتب أنها كانت مدينة معروفة وهي قاعدة البحرين، كما قيل ناحية البحرين كلها هجر، وقد خربها القرامطة عند استيلائهم على البحرين وكان يسكنها طوائف من العرب والعجم على حد سواء.  

ينتقل الكاتب للحديث حول ملك فارس، هرمزدان، وقال أنه حين مات هذا الملك شاع أنه ليس لأرض فارس ملك، وأن أهلها يلوذون بصبي في مهد ـ وبعد موت مؤسس السلالة الساسانية في فارس أردشير عام 241م، أثارت مملكة فارس طمع المناطق المجاورة، لا سيما بلاد العرب التي كانت أدنى البلاد إلى فارس، فورد جمع عظيم من الأعراب من ناحية البحرين وكاظمة إلى أبرشهر وسواحل أردشير خره، وغلبوا أهلها على مواشيهم وحروثهم ومعايشهم، وأكثروا الفساد في تلك البلاد، نظراً لسوء حالهم وشظف عيشهم. ومكثوا على ذلك من أمرهم حيناً، حتى اشتد ساعد الملك الصغير سابور فجمع قرابة ألف رجل، وسار فيهم بعد أن أصدر أوامره ونهاهم عن الإبقاء على من لقوا من العرب. ثم سار بهم فأوقع بمن انتجع بلاد فارس من العرب وهم غارون، وقتل منهم، أبرح القتل، وأسر أعنف الأسر وهرب بقيتهم، بحسب الكتاب.

وبناءً على ذلك، قام سابور بعملية تنظيم سكاني مخطط، فقد أسكن من بني تغلب من البحرين دارين، واسمهما هيج والخط، ومن كان من عبد القيس وطوائف بني تميم هجر، ومن كان من بكر بن وائل كرمان، وهم الذين يدعون بكر ابان، ومن كان منهم من بني حنظله بالرملية من بلاد الاهواز، وهكذا كما يقور الكاتب وفّر لنفسه ضمانات أمنية مستقبلية بعد أن عبث بالمعادلات السكانية القائمة التي تكونت على مدار مئات بل آلاف السنين. 

دخول البحرين في الإسلام

بقيت البحرين خاضعة لمملكة فارس، التي نقلت إليها عاداتها وثقافتها وتقاليدها، ولكن تلك التدابير الفارسية لم تحجب نور الإسلام القادم من الغرب، فقد كانت البحرين تترقب بشارة المصطفى بإنبلاج فجر الاسلام، وترصد الحدث العظيم بظهور النبي الكريم محمد (ص)، يورد الكاتب. ويؤكد أنه لم يتطلب قرار أهل البحرين قبول الدخول في الإسلام زمناً طويلاً بعدما أطلعهم الرسول على دعوته، بل كانت الأجواء مهيأة تماماً لانبثاث الدعوة الإسلامية، وللإنخراط في سلك المؤمنين، فقد أسلمت عبد القيس كلها طوعاً.

وفي إشارة إلى الإهتمام الخاص الذي أولاه رسول الله بالبحرين، يذكر إبراهيم أن النبي محمد (ص) كتب مكاتيب كثيرة إلى البحرين، وصلت ما يربو على الإثني عشرة رسالة. ويضيف أن الباحث محمد أمين أبو المكارم، توصل إلى أن 10 بالمئة من إجمالي رسائل الرسول (ص) كانت للمنذر بن ساوى حاكم البحرين.

لا ينتهي الأمر هنا، بل إن ثمة من قال أن البحرين كانت من الخيارات المطروحة لهجرة الرسول، فقد قال ابن عباس: “أول جمعة جمعت في مسجد رسول الله (ص) في مسجد عبد القيس بجواثا من البحرين”، بل كانت البحرين من الخيارات المطروحة لهجرة الرسول (ص) حسب بعض الرويات. فيما روى ابن كثير الدمشقي في (البداية والنهاية) بمسنده عن جرير: أن النبي (ص) قال:”إن الله أوحى الي أي هؤلاء البلاد الثلاث نزلت فهي دار هجرتك: المدينة، أو البحرين، أو قنسرين”، كما أورد الباحث. 

وقد عرفت البحرين بولائها الشديد للإمام علي (ع)، فقد دانت بالطاعة له منذ تسلمه الخلافة، ومما يروى في كتب السيرة أن الإمام علي (ع) بعث موفداً من قبله إلى معاوية يقنعه ليدخل في طاعة إمامه، ونبذ الشقاق والإنشقاق والإنصياع لحكم بني عمه، فانطلق الموفد وهو جرير بن همدان وجاء الشام ونزل بمعاوية فدخل عليه فحمد الله وأثنى عليه وقال:”أما بعد.. يا معاوية، فإنه قد اجتمع لابن عمك أهل الحرمين، وأهل المصرين، وأهل الحجاز وأهل اليمن، وأهل مصر، وأهل العروض وعمان، وأهل البحرين واليمامة، فلم يبق إلا أهل هذه الحصون التي أنت فيها”.

بقي أهل البحرين من عبد القيس أولياء لأهل البيت النبوي وللامام علي (ع) كما ظهر ذلك في نصرتهم له في وقائعه، ومن رؤسائهم من شارك في قيادة جيوشه مثل ابناء صوحان العبدي: صعصعة وزيد وسيحان. وفي العهد العباسي، كان للبحرين موقف صلب ضد الخلافة العباسية التي نظروا اليها بوصفها مشروع قرصنة ومصادرة لحق أهل البيت برفعهم شعار (الرضا من آل محمد)، ولذلك ناهضوا العباسيين، وتعاطفوا مع العلويين، وهذا ما كان سبباً للجوء بعضهم الى البحرين، بحسب الكتاب. 

البحرين: والإنفراج الإقتصادي للمسلمين

اشتهرت البحرين بثرائها الفاحش، ورفاهها المعيشي، حتى اعتبر ذلك من سمات البحرين ومميزاتها. وفي أقرب صورة لمشهد الثراء الذي عاشته البحرين في ذلك الحين، هو ما تكشفه السيدة فاطمة الزهراء (ع) عن حقيقة الأوضاع الإقتصادية والمعيشية للمجتمع العربي في مكة قبل بعثة الرسول (ص)، حيث تصف واقعهم البائس، بأنهم اصبحوا موطىء الاقدام تعبيراً عن الاستضعاف والمغلوبية والمذلة، وليس من مشرب لهم سوى الطرق وهو الماء المتجمع من ماء المطر فتبول فيه الابل وتبعر، وهو يشبه مياه المستنقعات الآسنة. وليس من مأكل لهم سوى القد والورق، والقد بكسر القاف وتشديد الدال، هو الجلد غير المدبوغ، بمعنى أن طعامهم كان من الجلد واللحم اليابس المقدد اضافة الى أوراق الشجر.

ويكمل الكاتب، أن أفراد هذا المجتمع كانوا يعانون النبذ والخسة والإحتقار بسبب وضاعة المعيشة وضنك الحياة، وفوق هذا يعيشون الرعب المتصل وانعدام الأمن، لكن لما انطلقت دعوة الإسلام، وبعث نبي الهدى محمد (ص) وصدع بتبليغ رسالته، وبعث بالرسائل والمكاتيب الى الملوك ورؤوساء الاقاليم والشعوب الاخرى يدعوها للدخول في الاسلام، ولبى كثير منها الدعوة، بدأت الاوضاع المعيشية للمسلمين في الحجاز تشهد تغيراً جوهرياً، لجهة انفراج اقتصادي ومعيشي ملحوظ، وقد لعبت أموال البحرين دوراً مركزياً في تحسن الاوضاع الاقتصادية والمعيشية لمسلمي الحجاز، حتى لقد باتوا يترقبون قدوم مال البحرين، لتسوية مشكلاتهم المادية، الفردية والجماعية سواء بسواء.

وفي هذا السياق، يلفت إبراهيم إلى أن البحرين اشتهرت بثرائها ورفاهها حتى أصبحت مصدر اثراء واغراء، بل استعملت خيراتها وثرواتها كعامل احتواء واستقطاب، لحديثي العهد بالاسلام. وبالرغم من التغييرات الجوهرية التي حصلت في الخارطة الجيوبوليتيكية الاسلامية مع انتقال ثقل الدولة ومركزها من الحجاز (الخلفاء الثلاثة) ثم الى العراق ـ الكوفة (الامام علي ) ثم الى الشام (الدولة الاموية) واخيراً الى العراق (الدولة العباسية) وما رافق ذلك من ظهور مصادر مالية جديدة لدول المسلمين الا أن ذلك لم يكن يلغي تماماً اهمية البحرين الاقتصادية، فقد ظلت تحتفظ بكونها محل اغراء وترغيب بالنسبة للكثيرين حتى في أزمنة متأخرة.

البحرين: امتحان معنوي للصحابة

نظراً للأوضاع الإقتصادية الجيدة وحياة الرفاه والثراء الذي تمتعت فيه البحرين، تحولت إلى امتحان معنوي للصحابة، أخفق فيه الكثيرين. والسبب كما يوضحه الكاتب، أن الصحابة وجيل المسلمين الأول كانوا قد اعتادوا خوض التحدي العسكري، كما ألفوا المعارك والحروب مع اعتى القوى السائدة حينذاك، لكنهم لم يجربوا بعد خوض التحدي مع الذات، ومنازلة النفس في ميولها ونزوعها نحو الاثرة والشر والسوء هذا من جهة. من جهة ثانية، لم يكن المسلمون، وهم حديثو عهد بالإسلام قادرين على الانتقال الفوري من حياة الضنك الى حالة الاسترخاء المعيشي والرفاه المفرط، ولذلك كانت البحرين برخائها المادي بمثابة صدمة معنوية لكل من عاش في البحرين، الأمر الذي أدى الى ارتكاب كثير منهم لمحظورات شرعية، وفيهم من فيهم من أهل الثقة والصحابة وممن شهد بدر ومن نال شرف الرواية والصحبة لرسول الله (ص).

وعلى سبيل المثال، كان العلاء الحضرمي حسن السيرة في  ولايته أيام الرسول (ص) والخليفة الاول ابي بكر ولم يصدر منه ما يخدش سيرته، الا أن التاريخ سجّل عليه ابان ولايته على البحرين في عهد الخليفة عمر، ما يقدح في سياسته، والتي كلّفت البحرين المال والأرواح بصورة طائلة، بفعل تلك المجازفة الانفرادية غير المدروسة، حين استقل بقرار الحرب ضد فارس دون اذن من الخليفة، وبخلاف رغبته وارادته، وكاد ان يهلك المسلمون في هذه الحرب لولا أن تداركته الامدادات القادمة من البصرة. وقد فعل ذلك انطلاقاً من كسب الرهان قبالة سعد بن ابي وقاص الذي كان قد انتصر في معركة القادسية، فأراد العلاء أن يحقق انتصاراً مماثلاً، ففعل ما فعل. 

مثال آخر يرد في الكتاب عن الذين سقطوا في امتحان الثراء في البحرين، وهو قدامة بن مظعون الذي عينه الخليفة عمر بعدما عزل العلاء من منصبه. وكان قدامة ممن شهد بدراً ثم تهيأ له المنصب الرفيع في البحرين. وفي يوم من الأيام أتى الجارود العبدي، إلى عمر وقال: “يا أمير المؤمنين استعملت علينا رجلاً يشرب الخمر”؟ فقال الخليفة: “تقول هذا في رجل من أهل بدر؟ من يشهد معك”؟ فقال: “ابو هريرة”. وهكذا انتهت سيرة قدامة وولايته في البحرين بهذه الحادثة، إذ قرر الخليفة عزله عن منصبه. وفي السنة نفسها استعمل الخليفة عمر أبا هريرة على البحرين واليمامة، ليخوض تحدياً مماثلاً، فقد تحولت البحرين بالنسبة له وسيلة للاثراء والاكتناز، حتى قدم على الخليفة عمر فقال الخليفة له: “يا عدو الله وعدو رسوله سرقت مال الله؟” فقال: “لست بعدو لله وعدو رسوله ولكني عدو من عاداهما، ما سرقت ولكنها سهام اجتمعت ونتاج خيل فأخذ منه عشرة آلاف درهماً فألقاها في بيت المال”.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى