النشرةبارزتحليلات

“اتفاقيات السلام”: مكرُ الكيان الصهيوني لغزونا إقتصادياً

مرآة الجزيرة ـ زينب فرحات  

يفترض أن خديعة التنمية وتحسين الإقتصاد، لن تنطلي بعد على أية دولة مقبلة على التطبيع مع الكيان الصهيوني، بهذه الذريعة. سواء كانت تعلم مخطط الإحتلال القاضي بتدمير إقتصاد جميع دول المنطقة، وبالأخص تلك التي تقع بالقرب من محيطه الجغرافي، أو لم تكن تعلم. شخصياً، لا أعلم بماذا كان يفكر قادة الذل العربي حين أبرموا اتفاقيات سلام مع الإحتلال، في سبعينات وتسعينات القرن الماضي. هل كانوا يصدقون حقاً أن في هذه الإتفاقيات منفعة لبلادهم؟ هل كانوا بهذه السذاجة؟ أو أنهم كانوا يخشون المواجهة فخضعوا للصهاينة؟  

سؤالٌ لطالما رادوني وأنا أراقب حالتنا العربية المبكية، لا شيء ينذر بأن لبلادنا مستقبل أفضل إذا ما بقينا نسير على هذا المنوال. كل بنوك القوة لدينا منهوبة ومحطمة أو في طريقها للزوال. حروب عسكرية وإقتصادية وثقافية وإعلامية جميعها تعمل على تفكيك أواصر الأمة الإسلامية وإضعاف دولها، كي يكون الكيان الصهيوني هو القوة الوحيدة والمسيطرة في المنطقة. وبينما نحن على هذا الحال، نحن الشعوب العربية القابعة تحت حوافر غزواتهم العسكرية والإقتصادية والثقافية بوجوهها وأدواتها المختلفة، يخرج علينا من يروج للتطبيع مع “اسرائيل”، لا بل يحدثنا عن إيجابيات هذه الخطوة. يا الله كيف نقنعهم أن “اسرائيل” تريد التطبيع معنا لأجلها لا لأجلنا! كيف نوقف هذا المد الجارف من التخاذل والنذالة العربية؟  

منذ منتصف سبعينات القرن الماضي وحكام العرب يقيمون العلاقات مع الإحتلال سراً وعلناً، تحت عنوان تحسين الأوضاع الإقتصادية في الدول العربية. لكن التجربة أثبتت تدهور إقتصاد الدول التي أبرمب اتفاقيات سلام مع الإحتلال أو تلك التي تقيم معه علاقات تجارية بالسر، مقابل صعود غير مسبوق في قوة اقتصاد الكيان الصهيوني. بدءً من مصر، مروراً بالسلطة الفلسطينية والأردن وانتهاءً بدول الخليج التي بدأت مؤخراً تعلن علاقاتها مع الإحتلال تدريجياً.   

أعظم المصائب التي منيت بها الأمة العربية، كانت في تسعينات القرن العشرين عندما تم إنهاء المقاطعة العربية للبضائع والسلع الإسرائيلية. ومنذ ذلك الحين والكيان الصهيوني يستعمرنا إقتصادياً، جميعنا دون استثناء. سواء بشكل مباشر عبر علاقات تجارية وإقتصادية أو بشكل غير مباشر من خلال شركات صهيونية تغزو أسواقنا. في المقابل، تدهورت إنتاجية الشركات الوطنية لتحل مكانها الشركات الغازية. ولملاحظة حجم استفادة الكيان الصهيوني من هذه العلاقات، يكفي الإشارة إلى أن التقديرات الاقتصادية، لخسائر الكيان الصهيوني من المقاطعة الإقتصادية العربية وغير العربية، خلال فترة 1956 – 2001، بلغت حوالي 95 مليار دولار. ثم جاءت اتفاقيات السلام لتوقف المقاطعة وتتيح للكيان الصهيوني اجتياح الدول العربية إقتصادياً. وعليه، بعدما كان الناتج المحلي الإجمالي للإحتلال يبلغ في 1979 نحو 21.5 مليار دولار، قفز في 2018 إلى 370.5 مليار دولار.  

خذ مثلاً مصر، رائدة التطبيع في العالم العربي. عمل الكيان الصهيوني على تدمير القطاع الزراعي والصناعي لمصر، سيما من خلال شن حروب بيولوجية استهدفت زراعات تشكل أحد أعمدة الإقتصاد المصري كزراعة القطن والبطاطا. مع العلم أن الولايات المتحدة تعهدت بتقديم مساعدات إقتصادية لمصر عقب “كامب ديفيد” 1978، بيد أن هذه الأموال استرجعتها واشنطن عن طريق مشتريات وأجور لخبراء أميركيين يعملون بمصر، فضلاً عن تكاليف المساعدات العسكرية المقدمة لمصر سنوياً، من قبل الولايات المتحدة.

بعد مصر، وقعت السلطة الفلسطينية في فخوخ التطبيع بإمرامها إتفاقية أوسلو 1993 ومن بعدها الأردن الذي أبرم اتفاقية وادي عربة 1994. كانت وعود المساعدات الإقتصادية لكلا البلدين تتدفق دون انقطاع. والواقع أنه بعد الإتفاقية جرى إعادة فرض الحصار على غزة والضفة، وتم الإمساك بعوائد الجمارك والضرائب التي تحصّل من الشعب الفلسطيني. أما بالنسبة للأردن، فلا يزال الكيان الصهيوني يحصد الثمار الاقتصادية لإتفاق السلام، بينما الإقتصاد الأردني لا يزال بحالة متردية، يعتمد على بعض المعونات المقدمة والقروض. 

نتيجة كارثية أخرى، نجمت عن اتفاقيات السلام مع الكيان الصهيوني. لقد استغل الإحتلال علاقاته بالدول المطبعة ليقوم بإعادة ترسيم الحدود في منطقة شرق البحر المتوسط. وبالتالي نجح في استخراج الغاز الطبيعي من شواطئ فلسطين المحتلة على البحر المتوسط. ليتحول الكيان الصهيوني من دولة مستوردة للطاقة، إلى دولة مصدرة للغاز الطبيعي. لذا ليس من المستغرب أن يتحول الكيان الصهيوني في مطلع عام 2020 الحالي، إلى دولة مصدرة للغاز الطبيعي إلى كل من مصر والأردن. ومن سخرية القدر أن تتحول مصر إلى مستورد للغاز الطبيعي بأسعار باهظة، بعدما كانت تصدره للإحتلال بثمن بخس.  

ليس في ما تقدم سوى النزر اليسير من مؤامرات الكيان الصهيوني للهيمنة على العالم العربي، سواء عن طريق الهجوم المباشر أو بطرق ملتوية كمثل ما يسميه “اتفاقيات سلام”، التي ليست سوى أسلوباً سهلاً للهيمنة علينا دون مقاومة. ولكن أي سلام يكون بين أصحاب الأرض الأصليين وبين قوى غازية مستعمرة؟ هل يعي دعاة السلام على الطريقة الصهيونية أنه ليس هناك طرق أجدى من المقاطعة والمقاومة لهذه القوى؟ هذا ولم نتحدث بعد عن استهداف القطاعات السياحية وتفكيك جيوش الأنظمة العربية، والسيطرة على مناطق عربية عبر التنظيمات الإرهابية، كما يحصل في جزيرة سيناء. وذلك كله يندرج في مسار مخططات الهيمنة، التي لن تُرضي الإستعمار بنتيجة أقل من الإبادة الشاملة لنا.  

ثم بعد ذلك، يخرج حكام الإمارات والبحرين والسودان، ومن بعدهم “السعودية”، للتطبيع مع الكيان الصهيوني. وكأنهم لم يعتبروا من مصير الدول التي سبقتهم إلى ممارسة هذا العار. فهل لا زالوا يصدقون مهزلة المساعدات الإقتصادية؟ أم أن سحر العم سام قد هيمن عليهم، فساروا خلفه دون اعتراض؟   

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى