النشرةبارزتقارير

دراسة|سقطرى اليمنية: مفتاح البحار السبعة 1/2

مرآة الجزيرة

بفعل أهمية موقعها الإستراتيجي، أثارت جزيرة سقطرى اليمنية مطامع دول مجاورةٍ لها، وأخرى استعمارية تطمح لترسيخ نفوذها السياسي فيها. الأرخبيل اليمني الذي يقع على ممر مضيق باب المندب ما انفك أن يكون على رأس قائمة المطامع التي تتجدد مع كل صراع تشهده المنطقة، في ظل وقوعها بالقرب من منابع النفط الخليجية. وفي هذا السياق، برزت أطماع الإمارات للهيمنة على الجزيرة اليمنية بالتنسيق مع الكيان الصهيوني لإنشاء مواقع تجسسية له في الجزيرة. من هنا، انطلقت الباحثة في الشأن اليمني مودة اسكندر في دراستها التي صدرت مؤخراً عن “المركز الإستشاري” للدراسات والتوثيق، تحت عنوان سقطرى اليمنية: مفتاح البحار السبعة.

تعد جزيرة سقطرى التي يقطنها قرابة 150,000 نسمة، أكبر محمية طبيعة في بحرها وبرها، بحسب الباحثة، وتنفرد بأن ثلثي الكائنات والأشجار النادرة فيها لا توجد في أي مكان آخر، ما جعل منظمة اليونيسكو تصنفها عام 2008، ضمن قائمة التراث العالمي. كما أُدرج الأرخبيل في كانون الثاني عام 2017 كأحد المواقع البحرية العالمية ذات الأهمية البيولوجية من قبل اليونيسكو. ونظراً للغطاء النباتي النادرة الذي تمتلكه، تتبع الجزيرة لإتفاقية التنوع الحيوي الذي يمنع المساس بمواردها الطبيعية.

القيمة الإقتصادية لهذه الجزيرة، تصاعدت وفق اسكندر بحكم امتلاكها ساحلاً طوله 300 كيلو متر مع تزايد الحاجة إلى التنمية الإقتصادية في اليمن، يضاف ذلك إلى خاصية موقعها بالقرب من مضيق الباب المندب الاستراتيجي ما يجعلها، قاعدة هامة من أجل السيطرة على شبه الجزيرة العربية والقرن الأفريقي، وبالتالي السيطرة على أحد أهم ممرات التجارة العالمية. تشير الباحثة في هذا الصدد، إلى العوامل التي جعلت من الجزيرة غير مستقرة أمنياً، وتتمثل هذه العوامل بوقوعها قرب شبه الجزيرة العربية والقرن الأفريقي والساحل الجنوبي الغربي لدول غرب وجنوب آسيا (إيران، باكستان، أفغانستان). بالتالي من يتمكن من السيطرة عليها عسكرياً يمتلك القدرة على ضرب دول شرق أفريقيا وجنوب غرب آسيا ودول شبه الجزيرة العربية بالصواريخ والطائرات الهجومية. هذا فضلاً عن نشاط تنظيم القاعدة الإرهابي فيها وعمليات قرصنة ناقلات النفط والسفن التجارية والحربية، كونها نقطة تقاطع لممرات الملاحة الدولية في البحر الأحمر والخليج والمحيط الهندي.

وبما أن الجزيرة اليمنية محط أطماع الدول الإقليمية، توضح اسكندر كيف دخلت إليها الإمارات واستقرت فيها، حصل ذلك في أكتوبر/ تشرين الأول عام 2015عقب إعصاري تشابالا وميج المدمرين اللذين ضربا الجزيرة. آنذاك دخلت أبو ظبي الجزيرة تحت عنوان “إغاثة السكان المنكوبين”، ومع نهاية شباط عام 2016 كانت أذرع الإمارات قد تمدّدت إلى أقاصي الجزيرة التي ضربها الحرمان والإهمال الناتج عن ضعف تواجد الدولة اليمنية فيها وإهمال السلطات الرسمية لها.

لم تظهر مفاعيل التحركات الإماراتية العسكرية بشكل علني في سقطرى، تقول الكاتبة، إذ بقيت الجزيرة بمنأى عن العدوان على اليمن الذي بدأ في آذار عام 2015. وقد بقي نشاطها مستتراً حتى 30 أبريل/ نيسان عام 2018 عندما دفعت الإمارات بقوة عسكرية إلى الجزيرة بشكل مفاجئ ومن دون مبرر، ما أثار غضب حكومة هادي، لأن أبو ظبي لم تنسق معها. تلك القوة التي تألفت من حوالي 300 جندي مزودين بمدرعات ودبابات. سيطرت فور وصولها على الميناء والمطار، وحاصرت لواء عسكريا ً بحرياً، كما طردت العمال اليمنيين من مهبط الطائرات وميناء الجزيرة، تعزيزاً لسيطرتها عليها وتسهيل حركة المرور من سقطرى وإليها، ومنعت المسؤولين اليمنيين من دخول المطار لإستقبال وفد سعودي وصل إلى الجزيرة من أجل حل الخلاف الذي أسس لمرحلة أكثر صعوبة داخل التحالف، وفق الباحثة.

لتوسيع شبكة نفوذها وتمتين تواجدها في سقطرى، اعتمدت الإمارات على استراتيجية من خطوات متعددة، لخصتها الباحثة في ما يلي: شراء النفوذ الاجتماعي من خلال ادعاءات القرابة والنسب والحقوق والولاءات وكسب الشارع لتأييد أي عملية فصل لسقطرى. وبحسب الدراسة، منحت سلطات أبو ظبي السقطريين امتيازات مغرية في الحصول على الجنسية الإماراتية، والسفر، والرعاية الصحية، والدراسة، بالإضافة إلى تدريبها المئات من الشباب السقطري في مراكز تدريب بالإمارات، لتشكيلهم ضمن مجاميع مسلحة تابعة لها.

استغلت الإمارات سوء الأحوال المعيشية لأهالي الجزيرة، فشرعت في شراء الأراضي منهم بمبالغ مغرية، بذريعة إقامة استثمارات اقتصادية جاذبة للعمالة المحلية. ورغم أن الإغاثة الإماراتية لأهالي سقطرى عقب إعصاري تشابالا وميج، لم تكن ذات أهمية كبيرة، لكن كما تقول الباحثة، صاحبها هالة إعلامية ضخمة. ويعود سبب هذا التضخيم إلى استغلال الإمارات لسخط السقطريين تجاه حكومتهم، وعجزها عن تلبية حاجاتهم وضعف الخدمات فيها لتحقيق أطماعها. ومن خلًل المساعدات الإنسانية، ودعم مجالات التنمية المختلفة.

إلى ذلك، تورد اسكندر عمدت الإمارات إلى تشييد وترميم المدارس في مختلف أنحاء الجزيرة، فضلاً عن بناء المساجد أو توسيعها، ومنها المساجد العائلية. كما قدّمت الإمارات حافلات مدرسية، ومنح دراسية للطلاب السقطريين في جامعات الإمارات، وأيضاً موّلت أنشطة اجتماعية مثل حفلات الزفاف الجماعية.

توازياً مع المساعدات الإجتماعية التي كانت تقدمها الإمارات لأهالي الجزيرة، كانت تفتتح قاعدة عسكرية بإشراف القائد العسكري الإماراتي أبو سيف الذي انتقل من المكلا في حصرموت إلى سقطرى وقام بتجنيد 5000 شخص من أبناء المحافظة وضمهم إلى القوات الإماراتية. وفي أيار 2018 فرضت أبوظبي وجودها العسكري كأمر واقع في الجزيرة.

الباحثة المتخصصة في الشأن اليمني، أوضحت أهداف أبوظبي في سقطرى، وأولها إقامة قاعدة عسكرية فقد تحدثت تسريبات في أبريل/ نيسان 2017 عن اتفاق بين ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد والرئيس الروسي فلاديمير بوتين حول منح قاعدة عسكرية لروسيا في اليمن في سقطرى تحديداً بعد أن فشلت موسكو في الحصول على قاعدة في القرن الأفريقي لرفض دولها وجود قوة روسية في ظل وجود قواعد عسكرية لباقي دول العالم.

على المستوى الإقتصادي، يقوم المطورون العقاريون التابعون للإمارات ببناء الأسس لفنادق وشقق في الجزيرة، ويقومون أيضاً بالتعدي على المحمية الطبيعية في الجزيرة وتدمير البيئة الطبيعية لبناء فنادق وسط تلك المحمية الوطنية في منحى لاستبدال الطبيعة الساحرة للجزيرة بكتل إسمنت، ما قد يخرجها من قائمة التراث العالمي.

أما على المستوى الأمني، تضيف الباحثة، فتطمح أبوظبي لتكون قوة إقليمية مؤثرة على شبه الجزيرة العربية والقرن الأفريقي. وقد تسبب وجود قاعدة عسكرية في جزيرة ميون “بريم” وسط مضيق باب المندب بانزعاج عالمي ومحلي وإقليمي أدى في النهاية إلى توقف الإمارات عن إقامة قاعدة عسكرية في الجزيرة والإقتصار على استخدامها كمعسكر لتدريب اليمنيين فيها، والاحتفاظ بقاعدتها في إرتيريا.

بعدما ثبّتت الإمارات وجودها العسكري في سقطرى، ظهر التنافس بينها وبين “السعودية”. بدأت ملامح الخلافات تظهر مع عجز حكومة هادي عن مواجهة ممارسات أبو ظبي، وبعد فشل مساعي “السعودية” في لململة الخلاف عبر وفود أرسلتها إلى الجزيرة لإقناع الإمارات بسحب قواتها، فلجأت إلى الشكوى لدى مجلس الأمن في إحاطة قدمتها في أيار عام 2018 واصفة التواجد الإماراتي في سقطرى بـ “التهديد للسيادة الوطنية”. وعليه استغلت “السعودية” الشكوى واجدةً فيها الفرصة الوحيدة لجعل المجتمع الدولي- إدارة البيت الأبيض الجديدة المعجبة بأبوظبي ودورها- تدق ناقوس الخطر للوجود الإماراتي في اليمن، وفي المحافظات الجنوبية، وفق اسكندر.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى