النشرةبارزتحليلات

هل حققت الرياض أهدافها في العراق عبر مجموعات الغضب؟

مرآة الجزيرة – زينب فرحات

شهدت العلاقات السعودية العراقية تحوّلات عديدة، فبعدما كانت الرياض في طليعة الداعمين لنظام صدام حسين أثناء حربه على إيران، أصبحت من أشدّ خصومه بعد غزو العراق للكويت عام 1990، ثم أخذت العلاقات تتدهور بين البلدين، لتبدأ هنا مرحلة أخرى من القطيعة بين البلدين لم تنتهِ بإسقاط نظام صدام حسين وغزو العراق في 2003. واستمر الحال على ما هو عليه حتى السنوات الأخيرة، إذ بدأت الرياض تجذب بعض الشخصيات العراقية في محاولات حثيثة لبناء نفوذها السياسي في بلاد الرافدين.

في مرحلة ما بعد تغير نظام الحكم في العراق، لم تشهد العلاقات السعودية العراقية أي تحسّن، إنما ازدادت سوءً، حتى أن الحكومة العراقية وجّهت اتهامات واضحة وصريحة للرياض بإدخال التكفيريين إلى العراق وتمويل عملياتهم العسكرية التي أسفرت عن دمار هائل وجرائم مروعة في مختلف أنحاء البلاد. دام ذلك حتى نهاية ولاية رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي في النصف الثاني من عام 2014. ومع مجيء رئيس الوزراء العراقي السابق حيدر العبادي، طرأ تحوّل جديد على السياسة السعودية تجاه العراق، فجرى إعادة التمثيل الدبلوماسي، ثم تدشين أول رحلة جوية بين البلدين.

بقيت العلاقات بين البلدين تتخذ مساراً إيجابياً إلى أن جاءت أزمة السفير السعودي في بغداد ثامر السبهان، لتدخل العلاقات منعطفاً جديداً. فبعد ثبات تدخل السفير السعودي في شؤون العراق الداخلية، طلبت الخارجية العراقية من “السعودية” في أغسطس/ آب 2016، سحب سفيرها من العراق. بيد أن محاولات الرياض المستمرة لتثبيت وجودها في العراق لم تتوقف هنا، فعادت إلى العراق بشكل غير دبلوماسي، بعدما وجدت أن الأوضاع باتت مهيأة للانقضاض على ما تسميه “النفوذ الإيراني” المتمثل في حكومة عادل عبد المهدي.

مع اندلاع التظاهرات ضد الحكومة العراقية في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وجدت الرياض فرصة مؤاتية لاسترجاع خسائرها السياسية في بغداد خلال السنوات الماضية، فحضرت مجدداً عبر نشطاء وإعلاميين ومندسين لتحويل دفّة التظاهرات نحو الإتجاه الذي تريده، وهو التصويب على إيران والكتل السياسية الشيعية الموالية لطهران داخل البرلمان، وأيضاً المقاومة الشعبية المتمثلة بفصائل الحشد الشعبي، وبالتالي تحميل هذه الفئات حصراً مسؤولية الفساد والأحوال الاقتصادية والاجتماعية السيئة التي تشهدها البلاد.

مخططات “السعودية” في العراق تنبع من حاجة سياسية ملحّة لتطويق ما تسميه النفوذ الإيراني في البلاد، ولذلك كانت سهام الرياض خلال التظاهرات تصب في تصوير العراق على أنه رهينة بيد طهران. والواقع أنه ليس ثمة أي دليل على مثل هذه الإتهامات، لا على المستوى السياسي، أو العسكري أو حتى الإعلامي. غاية الأمر أن “السعودية” تريد إضعاف المقاومة العراقية المتمثلة بالحشد الشعبي المدعوم من إيران، وتشكيل حكومة متموضعة في الحضن الأمريكي. وبالتالي تضمن لواشنطن عدم توجه العراق إلى الصين، وإحباط مشروع طريق الحرير الذي يمد الجسور التجارية والإقتصادية بين دول محور المقاومة. أما على الصعيد العسكري، فتطمح الرياض إلى إنهاك قوة الدفاع العراقية في المواجهات المستمرة بين فصائل المقاومة العراقية من جهة والإحتلال الأمريكي والتنظيمات الإرهابية من جهة أخرى. والهدف من ذلك كله، أن يكون العراق داعماً لمشاريع ومخططات الولايات المتحدة الممتدة على طول المنطقة، لا عائقاً أمامها.

وفي العودة إلى التظاهرات التي اندلعت في أكتوبر الماضي، عاشت مختلف المدن العراقية أجواءً من الفوضى العارمة، حيث تكبدت المزيد من الدمار والتخريب وسقوط الضحايا سيما في صفوف العسكريين والمدنيين على حد سواء. التظاهرات الشبابية المحقة في مطالبها، كانت منذ اللحظة الأولى تفتقد لقيادة واضحة تديرها، الأمر الذي أثار التساؤلات حول المحرك الفعلي للشارع. مصادر حكومية كشفت لصحيفة “الأخبار” اللبنانية بعد انتشار الفوضى، أن التظاهرات تدار من الخلف، وهناك من يدفع بالمتظاهرين نحو العنف والتخريب، هم أشبه بخلايا نائمة تستدرج الأجهزة الأمنية للمواجهات. هذه الخلايا تتبع وفق المصادر بشكل مباشر إلى السفارة الأمريكية والبريطانية والقنصلية السعودية في العراق، بمشاركة فاعلة من “البعثيين” وأنصار بعض الأحزاب المتضررة من تركيبة الحكم الحالية. فتنة لقيت زخماً كبيراً من قبل القنوات والصحف السعودية والعراقية المدعومة مالياً من قبل الرياض، وأيضاً عبر تجنيد جيوش إلكترونية عبر مواقع التواصل لتحريض الرأي العام العراقي ضد إيران، وتلميع صورة الإحتلال الأمريكي وتصوير “السعودية” على أنها الحضن العربي الذي يساند العراق.

الرؤية واضحة كانت بالنسبة لإيران التي بقيت بعيدة عن المشهد العراقي كي لا تزيده تعقيداً. بدا ذلك واضحاً في تصريح عضو هيئة رئاسة مجلس خبراء القيادة، عباس الكعبي، الذي قال: “إن أعداء الشعبين العراقي والإيراني، أي بريطانيا الخبيثة وأميركا والسعوديين، كانوا يخططون منذ أكثر من عام، لإثارة الاضطرابات والفتن لتجيير سلاح المقاومة في العراق لصالح أمريكا والسعودية”. الكعبي وفي تصريحات لوكالة أنباء “فارس”، كشف عن وجود معسكرات خاصة أُقيمت لتدريب مُثيري الشغب في العراق، مبيناً أن بعض ضباط أجهزة المخابرات البريطانية والأمريكية والسعودية تم نشرهم في العراق بهدف التنظيم وإقامة الخلايا المثيرة للاضطرابات.

بعدما بلغت الفوضى أوجها في التظاهرات العراقية، عادت وخفتت وتيرتها بعد عام من اندلاعها، إلى حد أنها انتهت تماماً في معظم المحافظات. فقد بدأ زخم الشارع يتراجع مع تشكيل الحكومة الحالية برئاسة مصطفى الكاظمي الذي اشتهر بمواقفه المعادية لإيران وفصائل المقاومة المتمثلة بالحشد الشعبي. لذا يبدو أن أهداف واشنطن والرياض قد تحققت في العراق مع تشكيل حكومة تتماهى مع الإحتلال الأمريكي وتطيل بقائه في البلاد. وبالتالي، مع تحقق الهدف انتهت أدوار محرّكي التخريب، فدُفنت آمال العراقيين بوطن خالي من الفساد، يسير في ركاب التقدم الذي يليق بأبنائه.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى