النشرةبارزدراسات وبحوث

“رؤية السعودية 2030”: الليبرالية الاجتماعية والتوحش السياسي 3/3

مرآة الجزيرة

في الوقت الذي تشهد فيه معظم دول العالم حركات تحررية، قد تفضي إلى إصلاحات جذرية في أنظمة الحاكم السياسية، شهدت “السعودية” حركة مماثلة ولكن بنسختها الصادرة عن نظام الحكم. إصلاحات أريد لها أن تحدث تحولات شكلية في مؤسسات السلطة، وتوهم الوعي الجماهيري بأنه أمام تغييراً حقيقياً وجوهرياً يقود البلاد نحو الحداثة والتجديد، فتعددت القراءات وانقسمت الآراء حول ماهية هذه الإصلاحات ومستقبل البلاد. وللإجابة عن هذه التساؤلات، أصدر عضو الهيئة القيادية لحركة “خلاص” د. فؤاد إبراهيم بحثاً بعنوان “رؤية السعودية 2030”: الليبرالية الاجتماعية والتوحش السياسي.

اعتبر د. فؤاد إبراهيم أن “السعودية” بخيارها الشمولي، تمسّكت برفض أي محاولات تفضي إلى تقويض السلطة الإحتكارية وإقرار مبدأ الشراكة الشعبية، مؤكداً أن هذا الخيار بمثابة المرتكز الأساس الذي يرقى لمستوى التصوّر الكوني للدولة “السعودية”، والذي يشي بتملك السلطة، والنفور من التجارب الديمقراطية عموماً.

على المقلب الآخر، بيّن الباحث انقسامات المواقف إزاء الإصلاحات الإجتماعية والثقافية في عهد سلمان بن عبد العزيز. الأول، يسبغ عليها وصف “الوجبة الكاملة”، فيما ذهب توماس فريدمان، وديفيد اغناتيوس، وبرنارد هيكل، وصولاً الى وزير الخارجية الالماني الأسبق جوشكا فيشر إلى نعتها “ثورة من أعلى”. الثاني ينظر إلى الإصلاحات بكونها فعلاً ثورياً غير مسبوق لجهة تحرير المجتمع من قيود ثقافية واجتماعية ودينية. وتابع، يصدر غالبية الليبراليين السعوديين عن موقف أيديولوجي بخلفية خصامية يرى بأن تقليص سلطة المؤسسة الدينية في الشأن العام هو تحقيق للبشارة اليبرالية. لكنه يعلق على هذا الرأي بالقول أن مبدأ التعددية الدينية غير وارد إطلاقاً في “السعودية”، ذلك أن “الرؤية” لم تطرق بأي شكل إلى إلغاء المذهب الحنبلي الذي لا يزال يحتكر تفسير الشريعة الإسلامية. بل الحقيقة، أن المنظومة الدينية (هيئة كبار العلماء، والقضاء، ومراكز الدعوة، والمساجد، والجامعات الدينية، والمعاهد، القنوات والاذاعات الدينية..الخ) لا تزال تحت سلطة أتباع العقيدة الوهابية. أما الموقف الثالث فيعبر عن رهط من دعاة الإصلاح الشامل الذين ينظرون بتحفظ إزاء ما أخرجته جعبة محمد بن سلمان من تغييرات، وتصوّرها في هيئة كائن غير مكتمل النمو، ما لم تستكمل بخطوات سياسية.

إلى ذلك ذهب الكاتب للحديث عن مستقبل البلاد في ظل مسار الاصلاحات الحالية من جهة وتزايد أشكال الاكراه السياسي، والأمني وحتى الأيديولوجي المصاحبة لها من جهة ثانية، إلى جانب نهج الحكم الاوتوقراطي وما ينطوي عليه من مغامرات وقرارات ارتجالية. الإحتمال الأول الذي توقعه الكاتب، هو استمرار وتيرة الإصلاحات الإجتماعية متواصلة، التي يصعب ضبطها مع أفول الدولة الريعية، في ظل تراجع الآداء الإقتصادي وتفاقم عبء المعيشة المترافق مع زيادة الضرائب على صنوفها، بما يملي على السلطة تخفيف الإحتقان بالمزيد من الاصلاحات والانفتاح التي سوف تطاول، حكماً، المجال السياسي.

يتوقف الباحث هنا للإشارة إلى أن خيار الثورة الشعبية، بالطريقة التي شهدتها بلدان عربية أخرى، غير وارد في المدى القريب، إلا أن تزايد أعداد اللاجئين السعوديين والمعارضين في الخارج، علاوة على الدعوات المتواصلة لحراكات شعبية، في الغالب في منطقة نجد الحاضنة للعائلة المالكة، تعد رسائل إنذار مبكرة بأن المستقبل يبطن مفاجئات سوف يصعب على النظام التنبؤ بها.

من السيناريوهات المتوقعة أيضاً وفق إبراهيم هو الفوضى، خاصة في ظل متغيّرات بنيوية هائلة: اجتماعية، وسياسية، وايديولوجية، واقتصادية، وثقافية. فضلاً عن أن محاولات ابن سلمان لإستبدال القوى الداعمة للنظام السعودي بدائرة شعبية جديدة من الشباب، المنشغل بالوظائف والمتعة أكثر من الايديولوجية تبدو جديّة وقد أخذت شكل الرهان الأخير. ولكن يعود الكاتب ليؤكد أن الرهان على الشباب لا يخلو من مجازفة خطيرة العواقب، بالنظر أولاً الى حاجات الشباب الملحّة (الوظيفة، السكن، السيارة، الرفاه، التأمين الصحي..)، وإلى سقف توقعاته المرتفع ثانياً.

إن إصرار السلطات السعودية على خيار الاضطهاد السياسي، يقول الكاتب، هو المرتكز الثابت لكل عهود الملوك السعوديين، في التعامل مع الناشطين، واستخدام سياسة الاعتقال العشوائي، قد ينقذ النظام من خطر وشيك، ولكن ما يلزم البحث فيه هو النتائج المؤكّدة في المديين المتوسط والبعيد. ويضيف، في كل الأحوال، سوف يتعيّن على السلطات السعودية إجراء تبديلات جوهرية لسياساتها، من أجل تحقيق الاستقرار الداخلي، وكسب ثقة الحكومات والشركات الأجنبية، لا سيما بعد مقتل خاشقجي الذي فجّر تناقضات السلطة وكشف ملفات بالغة الحساسية للخارج.

بالنتيجة، يورد إبراهيم أن خلاصة “رؤية” ابن سلمان هي: حرّيات اجتماعية مقابل حرمان اقتصادي ممثلاً في سياسة ضريبة قاسية، وقمع سياسي على نطاق واسع. وهذه المعادلة تُعنى بحسب قوله بالمستقبل أكثر من بالحاضر، فكل ما جرى ويجري مرصود لتأسيس، وصون، وضمان السلطة السياسية في مرحلة يكون فيها محمد بن سلمان ملكاً. أي أنها معركة المستقبل التي تحاك حولها أساطير حقيقية ومتخيّلة، ويأمل ابن سلمان أن يربحها دون عناء، في وقت يغيب فيه العضيد الأكبر، الوالد/الملك. وبمعنى أوضح، إن السياسة القمعية التي تبناها إبن سلمان والمتزامنة مع الإصلاحات الليبرالية في المستويين الاقتصادي والاجتماعي تؤكّد الانتقائية في النظرة الى الليبرالية، وأن لا ليبرالية سياسية في الأفق. ويضيف، في حقيقة الأمر، أن اعتناق مسارين متعاكسين في الليبرالية يبطن قلقاً من خروج الإصلاحات الإجتماعية عن السيطرة وانزلاقها الى السياسي، ولذلك جرى اعتماد القمع اداة ضبط وكبح لتوقعات الناس.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى