النشرةبارزتقارير

الشيخ المحمد علي: شعب الجزيرة العربية غير مستعد لحماية النظام السعودي وسبيل النهوض يمر عبر مراكمة عناصر القوة

مرآة الجزيرة

قال سماحة الشيخ جاسم المحمد علي عالم دين من شرق الجزيرة العربية، أن النظام السعودي يحتفل في 23 سبتمبر/ أيلول بعيده الوطني بوصفه يوماً نظّم فيه عبد العزيز آل سعود المناطق والأقاليم تحت سلطة سياسية موحدة وذلك بعد حروب دموية قاتلة، ومعارك توسعية طاحنة استمرت إلى ثلاثة عقود، متسائلاً في هذا السياق عما يتم تداوله في أروقة الدراسات التحليلية والنقدية في النظام السعودي، وهو هل أن هذا التوحيد السلطوي للمناطق والأقاليم تحت سلطة سياسية موحدة يكشف عن مظهر توليفي للمجتمع المتعدد في هوياته والمتنوع مناطقياً في ظل كتلة متجانسة على صعيد الهموم والأهداف، والتطلعات؟ وهل هذا التوحيد السلطوي للمناطق والأقاليم يفصح عن اندماج وطني مشترك يوفر متطلبات العيش الكريم، على صعيد القيم الإنسانية والهموم السياسية والحريات المعنوية حتى تكون السلطة السياسية في هذا السياق كاشفةً عن سلطة سياسية معبّرة عن الإرادة الشعبية العامة ومستجيبة لطموحها وقضاياها أم أن هذا اليوم الوطني لم يكن في جوهره أبعد من الإعلان عن سلطة مركزية تعملقت في المجال العام وتغوّلت في مفاصله الحساسة، لتحكم المكونات الإجتماعية المختلفة في توجهاتها وثقافاتها، وفق هوية خاصة قائمة على أساسيات العقيدة الوهابية وعلى ثقافات المنطقة النجدية وعلى طموحات العائلة السعودية، بدل من أن تنتقل في هذا المجتمع إلى ظاهرة الأمة والوطن والدولة الحديثة؟

الشيخ المحمد علي وفي كلمة له بمناسبة “اليوم الوطني السعودي”، أجاب عبر قناة “أحرار” على الأسئلة المطروحة بالقول إن “من يطالع تركيبة النظام السعودي المعاصر في مستوياته المختلفة، يجد أن هذا النظام لم يجسد مجتمعاً متحداً في المجال الحضاري، إذ لم يكن يجسّد تظهيراً لمعنى الأمة الواحدة بحسب المعايير الإنسانية والحضارية في نطاق الجزيرة العربية وذلك لأن هذه السلطة السعودية واجهت بتكوينها إشكالية أساسية. الإشكالية بحسب الشيخ هي أن هذا النظام لم يكتسب المشروعية من الإرادة الشعبية العامة بل هذه السلطة لجأت منذ نشأتها إلى القوة الإكراهية الغاشمة، فالدولة السعودية لم تنشأ بصورة طبيعية، وبالتالي لم تكن إفرازاً لتغيير داخلي ومجتمعي إنما هذه السلطة برزت كظاهرة إنشقاقية في المجتمع النجدي ثم إن الإنتصار العسكري الذي حققته حثها وشجعها على أن تمد سيطرتها على بقية الأقاليم المجاورة وصولاً إلى تكوين كيان سياسي موحد، له هويته الخاصة وقد أطلق عليه إسم العائلة المالكة، وهذا الكيان لم يرسِ دولة وطنية لديها صفة التمثيل المؤسسي الحقيقي لإرادة الشعب لذلك كما يقول الكثير من المفكرين والمحللين أن فرضية الهوية الوطنية في المجتمع السعودي ليست صحيحة بناءً على المعايير العلمية والحضارية والقانونية، بل هذه الفرضية تنفيها الأوضاع الميدانية والأحداث والتطورات حيث أن سكان الجزيرة العربية كانوا قبل الدولة السعودية منقسمين على ذواتهم، وعلى شكل أقليات متعددة مذهبية ومناطقية، وحتى قيام السعودية لم يشكل تغييراً جدياً في البنى الثقافية والمجتمعية بل ما حدث هو في الحقيقة أشبه ما يكون بترسيخ الواقع لضمان السلطة السياسية وتماسكها واستمرار بقائها، وليس تشكيل لظاهرة الأمة والمجتمع والوطن.

من يطالع التاريخ ومجرياته وفق الشيخ الحجازي، يجد أن الإرادة السياسية للنظام السعودي عندما فشل آل سعود في فرض الهوية الوهابية والنجدية على سائر منطاق الجزيرة العربية لم تعبر وتجرب تشكيل ظاهرة الوطن والأمة، بل قامت مناشيطها على تعزيز الإنقسام الداخلي لتعزيز وجودها وحفظ مصيرها فهذه الدولة لديها مخاوف مستمرة من أن تشكل خياراً نهضوياً ضد وجودها. وذكر أن هذا الخطاب التشطيري لم يتغير مع مجيء سلمان بن عبد العزيز وابنه رغم ما رفعاه من شعارات ادعائية تطويرية، بل عبر هذا الخطاب من الحالة السابقة إلى أخرى اشتد امتدت إلى داخل العائلة الحاكمة، إذ تم الإنتقال إلى ظاهرة الحكم الواحدية المختزلة في البيت السلماني، فأصبح سلمان وابنه يسيطرون على كل مناصب الدولة ومفاصل المجتمع، استئصالاً لأبنائهم وإخوانهم، الأمر الذي زاد المسافات بعداً عن تحقيق الإشتراكات المجتمعية التي تتدخل في تكوين الظاهرة الدولتية.

ولفت المحمد علي إلى أن من يتفحّص موضوعياً وتاريخياً السلطة السعودية يجد عدة أمور، الأول هو أن هذه السلطة قائمة على التملك السلطوي، للأرض، للمتلكات، للإنسان، وذلك وفق مزاعم تاريخية خاصة بها. الأمر الثاني هو الإقصاء الممنهج من هذه السلطة لكل من يختلف عنها على صعيد التوجه الديني، والتصور السياسي، فمن الواضح أن العمليات الإصلاحية في أدبيات هذه السلطة ليست على سبيل نفي الفساد والتخلف، بل عملها عبارة عن رؤية لتجذير التسلط ولكن بحلة جديدة. أما الثالث، فمن يقرأ المجتمع في الجزيرة العربية قراءة شاملة ومتكاملة يجد أنه لا ينقسم إلى أكثرية وأقلية كما يدعيها النظام السعودي ويروّج لها، بل ما تأكده البراهين والحقائق والإحصاءات أن هذا المجتمع هو عبارة عن مجموعات متفاوتة الحجم وبخصائص شديدة الإنفراز قد تؤدي إلى إعادة تقسيم المجتمع لأقليات متعددة على الصعيد المذهبي والقبلي والمناطقي. وأضاف، الدولة تعمدت أنها تنفي صياغة المشترك على قاعدة الهموم والأهداف والتطلعات، وهي تخشى الحركات الإنفصالية والإعتراضية. إن الدولة لإدراكها أنها تفتقر للمجتمع القائم على الأسس الوطنية المشتركة تعرف أنها ستمر بمآزق داخلية مستمرة تهدد وجودها ومصيرها لذلك رأت أن السبيل الوحيد للتصدي لهذه المآزق هو افتعال العدو الخارجي وذلك لجمع الجهات المؤثرة حولها بدل أن تلجأ إلى معالجة التشظي ببناء داخلي رصين على صعيد السياسة والفكر والإقتصاد.

عالم الدين الشيعي رأى أن الناس في الجزيرة العربية غير مستعدين لحماية وجود هذا النظام نتيجة سياساته الإقصائية، وهذا النظام يحتاج لأن يبقى مرتبطاً بالولايات المتحدة لمواجهة التحديات التي يخشاها، لكن اليوم وبسبب قرار الإنسحاب من المنطقة لأسباب متعددة نجد أعاد النظام السعودي إنتاج تحالفاته في المنطقة، مثل التطبيع مع الكيان الصهيوني وهو محوره الرئيسي بحثاً منه عن الحليف الأمني والعسكري الذي يمكن أن يساعده ضد الحركة الشعبية المتوقعة، لمواجهة محور المقاوم الآخذ بالتعاظم في المنطقة.

وختم الشيخ المحمد علي بالقول إن السبيل الوحيد لمواجهة المعادلة الظالمة هو فعل التغيير وإنتاج عناصر القوة، ولا شك أن التغيير لا يقبل بالقوة السياسية المترهلة بل يحتاج إلى روح تسمو لمستوى التحدي والمواجهة وترسخ الإعتقاد بأن صناعة المستقبل هو طوع الإرادة، ومجتمع يتبصر بالفرص والتحديات وديناميات التغيير التي يمكن أن تعبد الطريق لعملية النهوض والمواجهة.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى