النشرةبارزحقوق الانسان

السلطات السعودية تحاكم العباس المالكي.. والسبب نهضة والده الفكرية

مرآة الجزيرة – زينب فرحات

بعد ثلاث سنوات من المماطلة المتعمدة في قضية العباس نجل المعتقل حسن فرحان المالكي، حكمت عليه المحكمة الجزائية المتخصصة في “السعودية” ابتدائياً بالسجن 4 سنوات اعتباراً من تاريخ توقيفه، وبعدها 4 سنوات منع من السفر. اعتقال العباس جاء على خلفية تهمتين كشفت عنهما النيابة العامة السعودية بعد سنة من اعتقاله أي في 12 سبتمبر/ أيلول 2018. وهما: “السعي لزعزعة النسيج الإجتماعي والدعوة إلى التحريض و إثارة الفتنة ومحاولة تأليب الرأي العام ضد الدولة من خلال اعتراضه على سجن والده الموقوف/ بنشر عدة تغريدات من حسابه الرسمي في تويتر”، بالإضافة إلى “تعمّد إتلاف الأدلة الإلكترونية الموجودة بجهاز الهاتف الجوال العائد لوالده و تضليل الجهات الأمنية من خلال مسحه محتوى جهاز والده الموقوف/ حسن فرحان المالكي فور تلقيه خبر القبض عليه”.

كسائر النشطاء المعتقلين في “السعودية”، حُرم العباس من أبسط حقوقه القانونية للدفاع عن نفسه في السجن. فمنذ اعتقاله في عام 2017 إلى الآن، لم يحضر إلا جلستين فقط بعد استلامه للائحة التهم، والجلستين لم تعقدا بشكل متتالي بل تعرّضت القضية للتعطيل لحوالي سنة وخمسة أشهر. هذا فضلاً عن القصور في مواعيد زيارات التمكين وهي زيارات يكفلها القانون للموقوف بالإلتقاء مع محاميه ما بين موعد جلسة وأخرى. بالإضافة إلى حرمانه من التواصل مع عائلته، فقد انقطع التواصل بينه وبين عائلته من 7 مايو/ أيار 2020 إلى سبتمبر/ أيلول 2020 بإستثناء اتصال واحد حصل في أغسطس/ آب.

قضية اعتقال العباس أثارت حفيظة الحقوقيين المتابعين لمجريات الأحداث، فطبيعة الإتهامات التي جرى إدانته بها، وتحويله رأساً إلى المحكمة الجزائية المتخصصة بالإرهاب هي انتهاكات صارخة لقوانين المحاكمات المحلية والدولية، نظراً لعدم ارتكابه أي أعمالاً جرمية أو ثبات انتمائه لتنظيمات إرهابية. بيد أن السلطات السعودية تتعامل بصورة انتقامية مع النشطاء وذوي الرأي فإما أن تلصق بهم اتهامات جرمية غير موجودة، أو تجرّم أنشطة طبيعية وتتعامل معها كما لو أنها أعمالاً إرهابية. فللشيخ حسن فرحان المالكي سجل سيء لدى السلطات كونه كرّس حياته في الأبحاث العلمية التي تخاطب العقل والمنطق، وأخضع الروايات التاريخية للتدقيق وناقش الأفكار المغلوطة. حركة الشيخ المالكي العلمية تلك لم تناسب مشيخات الرياض المتأهبة دائماً لبث الفتن والنعرات الطائفية وتخدير العقول عبر استنفار العصبيات وتلقيم الروايات والأحداث التاريخية للعامة على طريقتهم دون السماح بنقاشها أو التدقيق بها. فاعتقلته السلطات السعودية لتمنعه من تصحيح المسار وبث روح التجديد في عقول المسلمين، ثم انتقمت من عائلته.

وفي تعليقه على الحكم الصادر بحق عباس المالكي، أكد المحامي طه الحاجي أن تغريدة العباس التي اعتقل بسببها، هي مجرد تغريدة خبرية لم يحمل مضمونها أي انتقاد أو تهجّم على أحد، فقد كتب عباس أنه جرى اعتقال والده ولم يتعرّض للسلطات السعودية بأي شكل أو ينتقد القرار الصادر. ولفت إلى أن السلطات السعودية اتهمته بأنه قام بإتلاف بيانات خاصّة بهاتف والده المحمول، وعلّق قائلاً: “هذا الحكم القضائي هو تكريس لمنهج السلطات السعودية لتكميم الأفواه وحرمان الشعب من حرية التعبير، إلى حد منع ذوي المعتقل من التعاطف معه”.

الناشط الحقوقي فنّد الإنتهاكات القانونية التي ترتكبها السلطات السعودية بحق النشطاء سيما إحالتهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة، فهذه المحكمة المتخصصة في قضايا الإرهاب وأمن الدولة تحاكم شخص لأنه نشر فقط خبر إعتقال والده، موضحاً أن السلطات السعودية تحاكم شخص أمام المحكمة الجزائية المتخصصة وهو شيء غير مقبول وغير منطقي. وتابع، “لنسلم جدلاً أن العباس ارتكب عملاً ما ويجب أن يعاقب عليه فهل يعقل أن تتم إحالته إلى محكمة الإرهاب؟ ممكن أن تتم محاكمته في المحكمة الجزائية العادية لكن ليس محكمة الإرهاب. وهذا أكبر دليل على أن القضاء غير مستقل وأن الحكومة تستخدم المحكمة للإنتقام ومعاقبة المعارضين والنشطاء”.

وأورد الحاجي “لو اعتبرنا أن الإتهامات حقيقية أي أن العباس قد قام بالفعل بحذف بيانات من جوال أبيه حقاً، لا شيء يخوّل السلطات السعودية لإدانته لأن اتهامات أبيه ليست جرمية أصلاً، فجميع الإتهامات الموجّهة له جاءت على خلفية بحوثه العلمية وكتاباته أي أنه يتم محاكمة الأب على أنشطة وأعمال هي بالأصل ليست جرائم ومع ذلك يتم المطالبة بإعدامه وتتم معالمته كواحد من الإرهابيين”.

بدوره أشار عضو المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان عادل السعيد إلى أن الباحث حسن المالكي، “يواجه تهماً تتعلق بآرائه الدينية والتاريخية، ولذلك تطالب النيابة العامة السعودية بقتله تعزيراً، وهذا دليل واضح على أن الحكومة السعودية لا تختلف عن أي تنظيم إرهابي متطرّف يستبيح قتل الآخر المختلف معه مذهبياً”.

وعن قضية اعتقال العباس، ذكر السعيد أن السلطات السعودية “اعتقلت العباس المالكي بسبب تغريدة عادية جداً، ذكر فيها أن والده اعتُقل”، مردفاً: “وفيما بعد وجهت له النيابة العامة تهمتين فقط، الأولى “تأليب الرأي العام لإعتراضه على سجن والده، والثانية تتعلّق بما سمي إتلاف الأدلة الموجودة في جهاز الجوال الخاصة بوالده وتخزين ونشر ما شأنه يثير ويؤلب الرأي العام ضد الدولة، على اعتباره يساعد والده في نشر بحوثه ومحاضراته على الإنترنت”. وبالتالي، إن “محاكمة الباحث المالكي على خلفية آرائه الدينية والتاريخية، فضلاً عن ابنه الذي جاء اعتقاله فقط إمعاناً في التنكيل بوالده، لا تتناسب إلى مع عصور الظلام، ولا تختلف في جورها عن محاكم التفتيش في القرون الوسطى”.

السعيد عاد إلى قضية اعتقال الشيخ حسن المالكي مبيناً أن “التهم الرئيسية الموجهة للباحث المالكي تتعلق بإعتقاده بعدم صحة جميع أحاديث البخاري ومسلم، ورأيه في معاوية بن أبي سفيان”. وتابع “أعتقد أن موضوع معاوية حساس جداً لدى السعودية، لكونه من أسس الملكية في الإسلام، والطعن فيه وفي طريقته سيكون طعن في نظام الحكم في السعودية”. وأضاف “لا شك أن أفكار وبحوث الشيخ حسن فرحان المالكي غير مقبولة لدى المؤسسة الدينية الرسمية (الوهابية) في السعودية، وتعتبر تجاوز للخطوط الحمراء لديها، فمن الطبيعي أنها ستعطي التبريرات الشرعية بحسب وجهة نظرها، لإعتقاله وقتله أيضاً، وهذا غير مستغرب من هذه المؤسسة الدينية المشهورة بالتطرف في كل العالم”.

ومن وجهة نظر الناشط الحقوقي، البيئة السعودية “تساعد نسبياً الحكومة في التحريض الطائفي على الباحث حسن فرحان المالكي، ولكن عدالة قضيته لا يمكن أن تحجبها السعودية بأي شكل من الأشكال، مهما حشدت من ذباب إلكتروني وأصوات طائفية، فالعالم اليوم، بكل تأكيد، لا يقبل ويستسيغ قتل إنسان بسبب آرائه الدينية والتاريخية. ومن جانب آخر، مطالبة قتل الباحث المالكي أتت في حقبة تدعي فيها السعودية محاربة التطرّف والإنفتاح على جميع المذاهب والأديان، وهذه المطالبة لا تستقيم مع هذا الإدعاء، ومن الطبيعي أن المواطنين لن يجدوا هذا المطالبة الجائرة بالقتل، تتناسب مع الحقبة الزمنية التي يعيشونها”، وفق السعيد.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى