النشرةبارزبختم كربلاء

بختم كربلاء.. في عامها الـ41 رسالة إنتفاضة القطيف والأحساء إلى العالم ما زالت حاضرة وستقود التغيير في المرحلة القادمة

,, رغم مرور أكثر من أربعين عاماً على إنتفاضة القطيف فإنها كانت تمثل صرخة شعب بلغ فيه حد الإضطهاد والقهر مرحلة أدت إلى ذلك الإنفجار والتي لا زالت تداعياته تتواصل حتى يومنا هذا. وكانت صوتاً هادراً إلى العالم بأن أوضاع القهر والإضطهاد والتغييب عن المشاركة في أمور الوطن قد وصلت إلى حد لا يطاق ومكان لا يحتمل،،

د. راشد الراشد

في محرم هذا العام يكون قد مر على وقائع أحداث انتفاضة القطيف الدامية زهاء الإثنين وأربعين عاماً، وتكون معها أربعة عقود من الزمن قد مرّت ولكن دون أن يتوقف دويها في المطالب الشرعية بالإصلاح السياسي التي تبنتها، والتي سقط خلالها العشرات من الشهداء والجرحى بعد أن تعاطت السلطة السعودية مع هذه المطالب الشعبية بالعدالة والمساواة بالقوة الى حد البطش، كعادة النظام السعودي منذ تأسيسه ولليوم في مواجهة حركة النقد أو أية حركة تتقدم بمطالب وطنية محقة.

وبالرغم من مرور أكثر من قرن من زمن على تأسيس الدولة السعودية لكنها لم تستطع لحد الآن رغم الفرص الكبيرة التي مرت على هذا البلد بل وفي تاريخ المنطقة الخليجية من تحولات إستراتيجية شاملة مهمة، من بناء نظام سياسي يقوم على أسس المواطنة وكل ما تقوم عليه الدولة المدنية من مؤسسات وخدمات. بل يستمر النظام السعودي في إدارة البلاد بذات النمط التقليدي الذي قام به هذا النظام منذ اللحظات الأولى لما يعرف بتأسيس الدولة السعودية والقائمة على إختزال شبه الجزيرة العربية بجميع حدودها الجغرافية المترامية الأطراف من الشمال إلى الجنوب في عائلة آل سعود التي أستولت على الحكم بالقوة وإستمرت في ذلك الإيقاع حتى اللحظة بفرض سلطة الأمر الواقع بالحديد والنار.

ولعل ما يثير دهشة المراقبين والمهتمين بأوضاع وتاريخ المنطقة كيف أستطاع النظام السعودي القائم أن يستمر في إدارة دولة تمتلك مساحة جغرافية هائلة وموارد طبيعية غنية من ليس فرض هذا النمط الشمولي من الحكم محلياً وإنما كيف أستطاع فرضه على المجتمع الدولي، وكيف أستطاع أن يمرر تسمية الدولة بالسعودية نسبة للعائلة الحاكمة في إزدراء واضح وصريح على كرامة مجتمع شبه الجزيرة العربية وفي تحدي سافر لقيم المجتمع الدولي الذي يدعو في أدبياته لتعزيز الدولة المدنية التي ترتكز على قيم المواطنة الحقة وتعزيز مبادىء وقيم العدالة من خلال المشاركة السياسية الحقة.

لقد إندلعت إنتفاضة القطيف الدامية في محرم من السنة ١٤٠٠ للهجرة أي قبل إثنين وأربعين عاماً من الآن والتي سقط خلالها العشرات من القتلى والجرحى، لإسباب طبيعية تتعلق بحجم ما كان يعانية الناس من قهر وإضطهاد وإهمال، ولما كانت تعنيه إدارة الدولة في ممارسة نظام آل سعود من مجرد إحكام السيطرة والنفوذ وما يتطلبه من إستخدام القوة إلى حد البطش والتنكيل إن إستلزم الأمر عندما تقترب المطالبة بالعدالة والمواطنة والمشاركة السياسية.

بل يعتبر النظام السعودي إن مجرد المطالبة بالإصلاح السياسي هو جريمة نكراء تستحق إنزال أشد العقوبات والتي تصل إلى حد إنزال عقوبة الإعدام والتصفية بحق المطالب بها، كما حدث للشهيد آية الله نمر باقر النمر ”رحمه الله تعالى“ والذي كانت كل جريمته التي إقترفها هو أنه تقدم بعريضة تتمحور حول المطالب الشعبية بالإصلاح السياسي والتي تنتهي بإقامة نظام الدولة المدنية التي تعزز مبادىء المواطنة وتقيم العدالة.

وهكذا يذهب النظام السعودي إلى إجراءت أكثر وحشية وقسوة في مقابلة أي دعوة للإصلاح السياسي حتى من العناصر القريبة منه، ويعتبر ذلك منطقة حمراء يمنع ويحظر الإقتراب من تخومها حتى من القريبين من النظام نفسه. وهذا ما حدث بالضبط وتماماً لخاشقجي والذي لم يرتكب جريمة الى هذا الحد الذي تستحق الطريقة التي تم تصفيته بها والتي سمع عنها كل العالم.

واليوم رغم مرور أكثر من أربعين عاماً على إنتفاضة القطيف فإنها كانت تمثل صرخة شعب بلغ فيه حد الإضطهاد والقهر مرحلة أدت إلى ذلك الإنفجار والتي لا زالت تداعياته تتواصل حتى يومنا هذا. وكانت صوتاً هادراً إلى العالم بأن أوضاع القهر والإضطهاد والتغييب عن المشاركة في أمور الوطن قد وصلت إلى حد لا يطاق ومكان لا يحتمل.

وشغلت هذه الإنتفاضة إهتمام المراقبين والمهتمين بأوضاع المنطقة وخاصة بلاد شبه الجزير العربية، وما تزال وقائع تلك الإنتفاضة تشكل محطة مهمة وأساسية لمن يقومون بدراسة المنطقة وطبيعة النظام السياسية الحاكمة فيها.

أما أبرز الملفات التي طرحتها هذه الإنتفاضة وأستطاعت بنجاح أن تنقلها إلى العالم هو ملف إستراتيجي هام وملح يتصل بطبيعة النظام السياسي القائم وهوية المجتمع في بلاد شبه الجزيرة العربية. ولاتزال الإسئلة الملحة التي طرحتها هذه الإنتفاضة حول طبيعة النظام السياسي وماهية الأوضاع القائمة في شبه الجزير العربية قائمة ومستمرة، وأنها لم تخطىء ولم تتزلزل. بل تتواصل الوقائع لتثبت بأن رسائل تلك الإنتفاضة بكل جزئياتها وتفاصيلها هي مستمرة بصخب كبير عند الإقتراب من منطقة نظام الدولة وما يتميز به من شمولية تغييب فيه أدنى مقومات الدولة المدنية ودولة المواطنة التي تنص عليها جميع بنود ومواد المواثيق والعهود الدولية، وهي قضية أساسية كبرى في هذا البلد والتي قالت هذه الإنتفاضة فيها أنه يجب أن يطالها الإصلاح وأن تتغير وأنها يجب أن لا تستمر.

ويكفي لهذه الإنتفاضة وما كانت تحمله من مطالب وتسعى إليه من أهداف أنها تشكل تحولاً مهماً حفر بصماته في تاريخ المنطقة كأحد أبرز التحولات التي شهدتها المنطقة في تاريخها المعاصر، والتي أصبحت فيه هذه الإنتفاضة محوراً ومنعطفاً أساسياً لجميع الباحثين والدارسين لأوضاع مجتمع شبه الجزيرة العربية، والذي لو لم يكن لهذه الإنتفاضة من هذين الإنجازين لكفاها وحدها.

إن الإنجاز الأبرز لإنتفاضة القطيف هو أنها كشفت حقيقة النظام الحاكم القائم وجعلته عارياً أمام المجتمع وأمام المراقبين والمهتمين على حد سواء. ولم يعد بعد هذه الإنتفاضة إمكانية الإختباء وراء أي نوع من الأغطية والأقنعة أو التموضع خلف أي من الديكورات ومساحيق التجميل الزائفة. وذلك مهما كانت القدرة على توظيف المال ومهما كانت قدرة الماكنة الإعلامية التي يمتلكها النظام من تزييف وتزوير الحقائق. فماكنة الإنتفاضة أسقطت جميع الأقنعة.

أما الإنجاز التاريخي الكبير الذي حققته الإنتفاضة بالإضافة إلى ذلك هو أنه وضعت موضوع الإصلاح السياسي وتحقيق العدالة وبناء دولة المواطنة الحقة التي تتحقق فيها المشاركة السياسية الكاملة في إدارة شؤون الدولة والحكم والعدالة في توزيع الثروة في المجتمع وجعلتها قضية أساسية في ثقافة المجتمع وغرسته في واجهة القضايا عند الحديث عن الدولة والمجتمع في شبه الجزيرة العربية. ويمكن الجزم بأن كل الأحداث والوقائع التي تلت إنتفاضة القطيف كان لهذه الإنتفاضة أثرها الكبير في بناء نواة انطلاقتها سواء بالمادة الفكرية أو المعنوية لما حققته هذه الِإنتفاضة من مكاسب وإنجازات على صعيد حركة المجتمع نحو التغيير وتحقيق الإصلاح السياسي.

واليوم بعد مرور أكثر من أربعة عقود من الزمن على وقائع هذه الإنتفاضة لا تزال تشكل أحد المنعطفات والتحولات المهمة في سياق ما يمكن أن تشهده منطقة شبه الجزيرة العربية من تحولات وأن مطالب الإصلاح السياسي التي حفرتها هذه الإنتفاضة في خندق وعي وذاكرة مجتمع شبه الجزيرة العربية ستكون هي الحاضر الأقوى والأكبر في أي تحول قادم.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى