النشرةبارزبختم كربلاء

خواطر حول انتفاضة محرم 1400هـ 1/3


،، في محرم عام 1400هـ انتفض مجتمعنا الشيعي في المنطقة الشرقية من رحم التهميش والتمييز ضد سياسات الظلم والاستبداد المتجذرة في وجود النظام السعودي، انتفاضةً انطلقت من وحي مبادئ عاشوراء الحسين وتجسيداتها الثورية المعاصرة والمتبلورة في حركة الإمام الخميني في إيران. شكلت هذه الانتفاضة أبرز حدث شعبي في المرحلة الحاضرة لمجتمع الجزيرة العربية، ولعبت دورا تحوليا في المسيرة النضالية للمكون الشيعي على مستوى الوعي والأداء والتجربة والخطاب،،

الشيخ جاسم المحمدعلي

هذه الانتفاضة لتأثيراتها الممتدة تستحق على كل من يشعر بالمسؤولية الشرعية والأخلاقية تجاه مجتمعه، ويحمل الإيمان بضرورة النهوض به وتحريره من سطوة التسلط والاستعباد، أن يقوم بدوره الديني والإنساني في تثوير طاقة هذه الانتفاضة النضالية وغيرها من المنعطفات التاريخية في الأبعاد المجتمعية والسياسية، والاشتغال على تفعيل عناصر ديمومتها الروحية في الوسط الشعبي؛ لتثميرها والاستفادة منها في إطار التحديات الكبرى؛ بوصفها محطة مشرقة ومهمة تختزل في ذاتها وتضاعفيها ما يتصل بالتاريخ والوجود والهوية. نحن في هذا السياق وفاءً لهذه الحقيقة -وعلى عجالة- سنقارب بعض ما يتصل بهذه الانتفاضة من ظروفها، مناخاتها، قيمها، مبادئها، مع التنويه على أننا لم نحظَ بشرف المشاركة في أحداثها وتفاصيلها، وإنما نقف معها من موقع المستلهم والمتأثر والقارئ …


دور الثورة الإسلامية في اشعال الانتفاضة(1)

كان لانتصار الثورة الإسلامية في إيران أثرٌ عميق على جميع الشعوب المستضعفة والمظلومة، باعتبارها ثورةً كانت تواجه أعتى الأنظمة الدكتاتورية في المنطقة، فالنظام الشاهنشاهي كان يضرب بجذروه في استعباد الإنسان الإيراني واستضعافه، ويملك ترسانة عسكرية ضخمة جعلت منه خامس أقوى جيش في العالم، ولديه استخبارات أمنية بلغت القمة في العنف والإرهاب، ويتمتع بدعم سخي من دول الشرق والغرب.

لكن هذا النظام لم يستطع أن يصمد أمام القبضات المرفوعة بالإيمان والتوحيد للجماهير العزلاء بقيادة الإمام الخميني(قده)، بحيث انهار هذا النظام كما تنهار الجدران الصلبة، وهذه الثورة كما انتصرت، كذلك أفشلت محاولات الاستكبار في تمييع هذه النهضة وتحوير أهدافها الرئيسة.

من يطالع تلك المرحلة يجد أن الثورة أحدثت زلزالا كونيا كبيرا في العالم، تحولت رياحها إلى عواصف في المنطقة تهدد وجود الظالمين وتهز عروشهم العاتية.

فهذه المنطقة التي لم تشهد لعقود متطاولة توترا عميقا، تحولت مع انتصار الثورة الإسلامية بركانا منفجرا يحرق كل من يقف أمام حركة الجماهير الثائرة، مما جعل الطواغيت يعيشون حالة الذعر والخوف والقلق.

فالثورة الإسلامية بخصوصياتها الروحية والحركية أعطت للدين دوره الحقيقي العزيز، وبلورت الفكر الإسلامي الحي الذي يفجر الطاقات، ويحرك الجماهير، ويتحدى الاستعباد والاستكبار.

من التأثيرات الأساسية لهذه الثورة أنها أعادت الثقة إلى الذات الإسلامية بشخصيها وهويتها، وأعطت الأمل للشعوب المستضعفة بالقدرة على التغيير مهما كانت الإمكانات المادية بسيطة وفقيرة حيال الأنظمة الطاغوتية؛ لأن هذه الشعوب عندما رأت مفاعيل صمود الجماهير الإيرانية في الميدان ونجاحها في أحلك الظروف وهي لا تملك إلا إيمانها وإرادتها وتوكلها على الله، وجدت أنها عندما تتحرك في إطار السنن التاريخية لصنع عملية التغيير؛ فإنها ستحقق ذات النتائج والغايات المتصلة بها. فهذه التجرية الثورية الحية رفعت المعنويات الإسلامية في كل موقع من مواقع الصراع مع الطاغوت والاستكبار.

الجزيرة العربية وإيران … أوجه التشابه في الظروف السياسية

إسقاطا لهذه التجربة الحيوية على أرض الجزيرة العربية، كان شعب الجزيرة العربية يعتقد من خلال فكره وشعاراته وسلوكه السياسي: أن الشعب الإيراني إذا خاض حربا ضروسا مع الشاه، فإن الشعب في الجزيرة العربية يعيش أزمة عميقة مع كل العائلة المالكة المتنوعة المتعددة الشخصيات، والمتنوعة الأجنحة الذين لا يقل طغيانهم وظلمهم عما كان يمارسه الشاه في إيران.

من ناحية أخرى فإن النشاط الاستكباري الذي يحرك الشاه الإيراني، هو بذاته الذي يحرك آل سعود ويلعب بشؤون الشعب ومقدراته، والنظام الأمبرطوري الذي كان قائما في إيران هو نفسه النظام الملكي الوارثي القائم في الجزيرة العربية.(2)

هذه العوامل المتشابهة والمشتركة في ظروفها بين الشعبين شكلت مناخا نهضويا فاعلا للمجتمع الشيعي في المنطقة الشرقية بأن يستلهم من النموذج الثوري الإيراني دوافع اشعال ما كان كامنا من الشعور بالظلم والجور من النظام السعودي، فانطلقت انتفاضة عارمة في الجزيرة العربية كانت سيلا ضخما لا يمكن للطغاة الظالمين أن يقفوا في وجهه من دون تأثر وتغير، وإن كان – طبعا- هناك اختلاف بين الانتفاضتين في بعض الأوجه، منها: الأهداف، حيث كانت مقاصد انتفاضة محرم في المنطقة الشرقية تتمحور بصورة أساسية حول إزالة التمييز الطائفي، ورفع الحرمان الاقتصادي، ومواجهة التهميش الاجتماعي…

السعودية تناصب العداء للثورة الإسلامية … المحركات والأسباب

من أبرز الأنظمة التي تلظت بلهيب الغليان الثوري الذي اشتعل في المنطقة مع حركة الإمام الخميني واحترقت بشرارته، هو النظام السعودي.

وفي تفسير هذه الظاهرة العدائية التي يمارسها النظام السعودي، يمكن لكل من يفهم معادلات المنطقة في تلك المرحلة أن يدرك الأسباب التي من أبرزها، هو خوف النظام السعودي من أن تتحول الثورة في إيران إلى حالة ملهمة للشعوب في تفكيرها السياسي والاجتماعي، وتدفعها نحو البحث عن الإسلام والكرامة والتحرر، وتعطيها جرعة معنوية لمواجهة سياسات الممالك والمشيخات القائمة في الخليج على ثقافة الاذلال والاستعباد، لهذا وجدنا السلطة السعودية منذ تصاعد الحركة الثورية في إيران كانت تبعث موج التهم و الافتراءات ضد الجماهير الإيرانية، كما في تصريحات سلطان بين عبدالعزيز الذي وصف الثورة بأنها من امتدادات المشروع الشيوعي، وألحق أبناءها المؤمنين بالماركسية!
بالإضافة إلى مواقف أخيه فهد الذي كان يبرز أن ما يحدث في إيران ضد الشاه هو خطر على الأمة والإسلام، وأنها ستترك آثارها على مجمل الأوضاع في المنطقة.(3)

ما كانت تتخوف منه العائلة السعودية من انتصار الثورة في إيران وتحولها إلى نموذج مشعل لشرارة الانتفاضات في المنطقة، قد حصل بصورة جلية واضحة، حيث تمكنت الثورة الإسلامية بقيمها وملاحمها من أن تؤثر في وضع الإقليم، وتثبت بحق إسلامها المحمدي الأصيل الذي يحقق للإنسانية العزة والعدالة والكرامة، وتعرّي الإسلام الأمريكي الذي يشكل حقيقة النظام السعودي ونظائره؛ وتوقد جذوة الحرية في شعب الجزيرة الذي حطّم الأصر والأغلال في انتفاضته المجيدة.

هذا الأمر دفع النظام السعودي في تلك المرحلة – ولازال – إلى تكثيف التنسيقات الأمنية في المنطقة، ورعاية الكثير من المؤتمرات السياسية؛ من أجل ترسيم المخططات والمشاريع لمواجهة المد الإسلامي الثوري الجديد الذي أعاد انتاج توازنات المنطقة وتشكيل معادلاتها الإقليمية والسياسية.

شعارات الانتفاضة …الهوية والماهية(4)

لكل حركة جماهيرية وثورية أهدافها التي تتدخل في بلورة مناشطها، وتتحكم في مجرياتها بما يتسق مع هويتها وماهيتها. انتفاضة محرم المجيدة كانت شعاراتها المعلنة في فعالياتها وبرامجها تفصح بوضوح عن هويتها وروحها، هذه الشعارات جسدها أبناء الانتفاضة بالدم والشهادة والتضحية قبل أن يرفعها بالأصوات والصيحات ..

في هذا السياق، عندما نعقد اطلالة عابرة على الشعارات المرفوعة سنجدها تضج بمقولات: العبودية الخاضعة لكبرياء الله الرافضة لسلطة أغياره، ليكون الله في نفوسهم أضخم من قوة عبيده؛ لأن الخالق في قلوبهم أعظم من خلقه في أعينهم ..

والإيمان بدور الإسلام في الخلاص الجذري من آلام البشرية الاجتماعي والسياسي، من خلال طروحاته الخاصة في قضايا العدالة والحرية والتطور؛ لاعتقاد أبناء الانتفاضة أن الإسلام هوالخيار الوحيد القادر على تصحيح ظروفها ونقلها من مواقع التخلف إلى مواقع الرقي والكمال..

وإبراز الوحدة بين طوائف الشعب ومجتمعاته كعمود فقري في نهضة الأمة، بوصفها عنصرا استراتيجيا في مواجهة مخططات التشظية والتفتيت التي تدار من الامبريالية والاستكبار. فالنظام السعودي اشتغل على عملية التشطير والتقسيم، لأن الوحدة والانسجام تخيف الأنظمة الطاغوتية من القيام والثورة ضد وجوده أو سياساته..

كما ان الانتفاضة تحتوي في طياتها على الاعتقاد ان الإصلاح التجميلي والشكلاني ليس واقعيا، لانها بحسب حسها السياسي تؤمن أن مكافحة مسار التقهقر والاخفاق لا يكفي فيه الاقتصار على المطالبة ببعض القضايا الخدمية والاجتماعية، بل يحتاج الى استئصال جذور عميقة قائمة بوجود النظام بشكله الفعلي، هذا النظام الذي يعمل على تكريس ثقافة الخنوع والاستسلام؛ لأنها تحفظ هيمنته وكيانه..

فمحتوى شعارات هذه الانتفاضة حملها الشعب بروحه على أكفه، ودفع فيها ولأجلها الدماء والشهداء والمعتقلين، ولا زال يدفع؛ بحثا عن كرامته المسروقة وشخصيته المشهمة..

عاشوراء والانتفاضة … نحو رؤية خمينية جديدة

من الواضح أن الأيام العشرة الأولى في محرم لها خصوصية حيوية متميزة قي الأدبيات الدينية على الصعيد الروحي والحركي والعقائدي، حيث أن ثورة الإمام الحسين انطلقت من أجل التضحية لأجل نصرة الحق ومواجهة الباطل والظلم الذي جثم على صدر الأمة …

كان شهر محرم في العقل الشيعي يتمتع بقدرة هائلة على تثوير ثقافة الفداء في سبيل الله في الوسط الإسلامي، وصياغة الروح الرسالية في العمل الاجتماعي والسياسي، لكن هذا الدور الثوري في القضية الحسينية دخل في مرحلة جمود بسبب الظروف التاريخية التي ألمت بالأمة، حيث أن السلطات المستبدة أخرجت الإسلام الثوري والنهضوي من معادلة التأثير، وحولت كل ما يتصل بالقضية بل بالدين إلى طقوس مجردة وشعارات جافة، ليسود مع تراكم الأوضاع والظروف التدين السكوني الذي يميل إلى الاستسلام لأمر الواقع والخضوع لوضعياته القائمة من دون السعي إلى التغيير والنهوص والإصلاح..

الإمام الخميني(قده) بثورته ووعيه ومعرفته صحح الفهم الديني لقضايا العقيدة والمجتمع، وصنع رؤية ثورية جديدة تحمل في روحها هوية الإسلام المحمدي الأصيل، وكانت واحدة من تلك المفردات بل من أهمها القضية الحسينية.
الإمام الخميني برؤيته النهضوية الحية للمجمل الإسلامي، جاء ليستنفد في هذا السياق كل طاقة عاشوراء الثورية والجهادية ويعيدها الى واجهة الأسباب المحركة للأمة، كما أرادها أهل البيت(ع)، واخذها الإمام الخميني شعارا ومنهجا لثورته وثورة تصحيح مسار الأمة، حتى قال : كل مالدينا من عاشوراء …

في هذا الإطار، كانت واحدة من أشكال استلهام الانتفاضة السياسي في المنطقة الشرقية من الفكر الخمينوي الأصيل -إن جاز التعبير- هو عودة عاشوراء في الثقافة الشيعية إلى مناخاتها الصحيحة، لتعطيها روحيات النهوض والفداء والعشق والفناء في سبيل الله، وتصنع من مجالسها ومواكبها العزائية ثورة ملتهبة في وجه الظلم والتمييز والحرمان … فالانتفاضة كانت إحدى ثمار الرؤية الثورية المتجددة التي نشطها الإمام الخميني(قده) في فهم حركة الإمام الحسين(ع) ..


1/ انتفاضة المنطقة الشرقية، ص59
2/ المصدر نفسه، ص62
3/ المصدر نفسه، ص65
4/ المصدر نفسه، ص199

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى