النشرةبارزبختم كربلاء

الشيخ عبد المحسن البقشي لـ”مرآة الجزيرة”: الشيعة في الجزيرة العربية يتطلعون للعدالة والمساواة ونيل الحقوق والمشاركة في إدارة مجتمعاتهم

جاءت إنتفاضة المحرم 1400هـ الموافق 1979م، وليدةً لسوء الأحوال السياسية والاقتصادية في منطقة القطيف والأحساء. ذكرى الثورة الحسينية التي يحييها الشيعة في محرم كل عام، أعطت زخماً ثورياً لم تشهده المنطقة من قبل، فاندفع الأهالي بعشرات الآلاف إلى الشارع يندّدون بإسقاط النظام السعودي ويرفعون شعارات تدعو للوحدة الإسلامية وتطالب بتغيير سياسات البلاد المرتهنة للأمبريالية الأمريكية، فضلاً عن تأمين الخدمات المعيشية لمنطقة كانت تعوم على بحور من النفط، فيما يعيش سكانها تحت خط الفقر،،

مرآة الجزيرة – حوار زينب فرحات

ضمن فعاليات إحياء الذكرى السنوية الواحدة والأربعين لإنتفاضة المحرم حاورت “مرآة الجزيرة” الأستاذ الباحث في الدراسات الشرعية الشيخ عبد المحسن البقشي.

عرض الشيخ عبد المحسن البقشي أبرز الأسباب الإجتماعية والسياسية التي دفعت الناس للإنتفاضة في الجزيرة العربية. وقال أن الشيعة كانوا يعيشون تهميشاً ممنهجاً ومظلومية على جميع المستويات وهذه المحرومية بحسب رأيه، عادةً ما تورث روح النقمة والتمرّد خاصة أن الانتفاضة تزامنت مع انتصار الثورة الإسلامية في الجمهورية الإسلامية في إيران عام 1979، التي أوجدت حماساً وحساً شعبياً بالمطالبة بالحقوق وتطبيق مبدأ العدالة والمساواة في توزيع الثروة والمناصب الإدارية وتقديم عنصر الكفاءات على عنصر المذهبية والقبلية التي يعيشها النظام آنذاك ولازال، فكانت هذه الأسباب هي المحرّك للخروج والمطالبة بالحقوق المشروعة .

ولفت الشيخ البقشي إلى التعتيم الإعلامي الذي رافق الإنتفاضة مؤكداً أن كتم حريات التعبير في الداخل هي إحدى ثوابت النظام قديماً وحديثاً. خصوصاً قبل أربعين سنة عندما لم تكن توجد وسائل متطورة كما هي اليوم مما يصعب معه التوثيق ونقل الحقيقة إلى الرأي العام. ما أدى الى خفاء الحقيقة إلى يومنا هذا وبالأخص أن النظام يبذل الملايين لحفظ سمعته وتشويه أي حراك شعبي سلمي، فسياسة شراء الذمم وتكميم الأفواه من الثوابت مما يصعب معها بروز الحقائق .

التدخل الأمريكي

الباحث الاسلامي الأستاذ في الحوزة العلمية أشار إلى التدخل الأمريكي في قمع إنتفاضة محرّم مبيناً أن لذلك عدّة دوافع وأهداف، منها حماية النفط والموارد الإقتصادية الهامة في المنطقة وكذلك الإثبات بأنهم الحماة الأقوى للنظام في الجزيرة خصوصاً بعد تحوّل النظام من الحماية البريطانية إلى الحماية الأمريكية. وبالأخص أن تجربة الثورة الإسلامية ونجاحها حاضرة في الذهنية الأمريكية. كل ذلك يجعل التدخل الأمريكي لازم من الطرفين ، بحسب البقشي.

وأضاف سماحته، في السبعينيات شهدت المنطقة ارتدادات أمواج الثورة الإسلامية وقد تصدّى الغرب بكل قواه الفكرية والإعلامية والسياسية والإقتصادية والتسليحية إلى تقوية ودعم الأنظمة في مقابل الحسّ الإسلامي الشعبي واحداث الاحساء والقطيف والبحرين والعراق شاهد على ذلك، فالمسألة، وفق الشيخ البقشي تمثّل إنعطافاً إسلامياً شعبياً لو لم يُواجه من قوى الغرب فإنه سيسري لدول مجاورة ويخلق حالة جديدة خارجة عن رغباتهم ومقاصدهم في المنطقة، لذا عملوا على محاربة الثورة الإسلامية عسكرياً وحصاراً واعلامياً وبكل الوسائل والطرق ومحاربة أي ارتداد لذلك الموج الهادر. وتابع، لقد مثّلت الثورة الإسلامية بقيادة إحدى المرجعيات الدينية حدث فريد من نوعه في الوجدان الشيعي وألهمت الشعوب حسّ المسؤولية تجاه المطالبة بالحقوق ورفض الظلم والإضطهاد فما كان أمر صعب حققه الإمام الخميني (قده) وعبّد بذلك الطريق لبقية الأحرار.

آثار الوهج الحسيني

أستاذ الحوزة العلمية تحدّث عن خصوصية شهر محرم الذي حصلت فيه الإنتفاضة، مبيناً أن ذكرى محرم الحرام تشكّل جزءاً أساسياً من العقيدة لدى الشيعة وبالأخص في البحرين الكبرى نجد لذكرى الطف حضوراً متميزاً لا يمكن لأي نظام أن يقف أمامه أو يقلّل من مكانته. فالشيعي يرخّص نفسه من أجل الحسين(ع)، لأن الحسين قدّم نفسه وأهله وأنصاره وكل ما يملك من أجل دين الله وبقاء الإسلام حياً. ولذلك الأنظمة الظالمة حاربت هذا الوهج الحسيني على مر التاريخ وقابلته الشعوب بالصمود والإستمرار لأن الحضور الحسيني يلهم الشيعي روح المقاومة والثورة ضد الواقع الفاسد. لذا تخشى الأنظمة عودة أي تحرك شعبي في محرم لوجود مقومات الحركة من الإلهام والتجمعات وبث روح الحماسة من نفس قضية كربلاء وهذا أحد أهداف الثورة الحسينية.

بالإضافة إلى ذلك، يتميّز مجتمع المنطقة الشرقية بقيادة العلماء خصوصاً في الشأن العام فكان المحرّك الأساس لإنتفاضة محرم المنبر الحسيني الواعي والخطاب العلمائي. ولازال ذلك كما وجدنا في انتفاضة الكرامة حيث صوت الشهيد النمر كان له الأثر الكبير في التوجيه وبث روح الحماسة وتحمل المسؤولية الشرعية كما كان واعياً في خطابه الجماهيري موجهاً نحو التحرك السلمي في إطار الدين والقانون الدولي إلا أن النظام استطاع تحريك مجموعة من العلماء بدواعي متعددة كالترهيب والتقية والحفاظ على الدماء والتخويف بالخطر الداعشي وغيرها من الحجج والذرائع بحيث وقفت أمام الحراك المطلبي الشعبي مما أدى الى انقسام المجتمع وتوقف الحراك آنذاك، وفق الشيخ البقشي .

تطلعات شيعة الجزيرة العربية

شيعة الجزيرة العربية يتطلعون كما يقول الشيخ الحجازي، إلى العدالة والمساواة ونيل الحقوق والمشاركة في إدارة مجتماعاتهم ورفع مستوى المجتمع على جميع الأصعدة المعرفية والعلمية والمعيشية والإجتماعية والخدمية. وهذا أقل ما يتطلّع له المجتمع في الجزيرة العربية، بالأخص في الأحساء والقطيف لإمتلاكهم الكفاءات العلمية والمهارات اللازمة للمشاركة في إدارة شؤونهم. وكذا امتلاك المنطقة لثروات طبيعية وموقع جغروسياسي. إن مستقبل المنطقة يتحدد بحسب الشيخ البقشي ضمن المعطيات الدولية ولايمكن تفكيكه عن الأحداث الجارية في المنطقة العربية كأحداث اليمن وسوريا ودول الخليج ومسألة التطبيع ودور الولايات الأمريكية. كل هذه معطيات دخيلة في تغيير الواقع في المنطقة الشرقية علاوةً على المعطى الداخلي من المطالبة بالحقوق والتحرّك الممنهج ووعي الطبقات الشعبية لحقوقها. مضافاً لكل ذلك الضعف في إدارة البلاد وكسر هيبة الدين والعائلة الحاكمة والدبملاسية الخارجية وضعف الدعم المالي للقوى الخارجية كمنظمات وجماعات ودول مما يؤدي الى التخلي عن الدعم للنظام الحاكم.

وتعليقاً على مسار التطبيع العلني مع الإحتلال، الذي افتتحته الإمارات مؤخراً، أكد عالم الدين الحجازي أن مسألة التطبيع من الناحية الفقهية واضحة ومحسومة فلا يجوز تمكين الكفار من بلاد المسلمين وهذا ما نصّ عليه فقهاء الإسلام بإختلاف مذاهبهم ولكن بعض حكام الدول التي لا تثق بشعوبها وبدينها تلتجئ واهمة للمحافظة على عروشها للعدو وهذه حماقة وسقوط في الحضيض. كما أنه تعرّي أمام الشعوب الرافضة وبيان ضرر ذلك وما يترتّب عليه من تمكين أهل الباطل وآثار على تمام الأصعدة دور العلماء والمثقفين والإعلاميين والفنانين وغيرهم ممن لهم تأثير في الرأي العام .

ختاماً، شدد الشيخ البقشي على ضرورة أن نأخذ من حياة الأئمة(ع) الدروس العملية في آداء التكليف مهما كلف الأمر فالحياة مرة واحدة لن تتكرر كي نجربها مراراً فحياتنا تجربة واحدة فلنأخذ الدرس من مواجهة أئمتنا للباطل ونكون للظالم خصماً وللمظلوم عوناً، وهذا يتطلب العمل الدائم على جميع المستويات والأصعدة وبناء جيل يتحلّى بالعلم والمعرفة والبصيرة والشجاعة والإقدام وتحمّل روح المسؤولية وأن تكون أرواحنا على أكفّنا جاهزة للقيام بالتكليف وهذا هو الإنتظار للعدالة الإلهية المهدوية.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى