النشرةبارزبختم كربلاء

ازدواجية المعايير لدى الرياض: قمع الإحتجاجات في الداخل ودعمها خارج البلاد

انتفاضة المحرم 1400 هـ فضحت سياسات النظام السعودي

زينب فرحات – مرآة الجزيرة

خلافاً لسياسة القمع المفرط حيال المعارضين للنظام السعودي، الكفيل بإجهاض كل تحرّك شعبي قبل ولادته، تغازل الرياض حركات إحتجاجية أخرى خارج حدودها، بل تقدّم لها الدعم اللوجستي والعسكري أيضاً طالما لا تهدّد مصالح حلفائها وطموحاتهم التوسعيّة على مستوى المنطقة، إنما تخدمها، فتوظّفها في خدمة مشاريعها بإستماتة واضحة لتحقيق أهدافها.

من الضروري، عند رصد أي موقف سعودي داعم لحركة إحتجاجية ما في المنطقة، التذكير بكيفية تعامل السلطات السعودية مع الحركات الإحتجاجية التي تشهدها البلاد. قد يفيد ذلك في فهم كيفية تعامل النظام السعودي مع الأحداث التي تشهدها منطقتنا، طالما أن عقلية هذا النظام المتحجر لا يمكن أن تستوعب مفاهيم معقدة كالحريات وحقوق الأفراد ومشاركة الشعب بالحكم، وغيرها.

وللتذكير، ثمة أفراد قصّر قطعت رؤوسهم في “السعودية”، على خلفية المشاركة في الحراك الشعبي الذي شهدته البلاد عام 2011. هناك من لا يزال في السجن، وهناك من قتل ومن غيّب عن الأنظار حتى لحظة كتابة هذا التقرير بجرم التعبير عن الرأي في منشور عبر مواقع التواصل الإجتماعي، أو رصد بحوزته مواد خطيرة تهدد الأمن القومي كملف يحوي صوراً لمتظاهرين في المنطقة الشرقية. خلال إنتفاضة محرم عام 1979 لم يكن المشهد يختلف عن اليوم رغم مرور أكثر من 40 عاماً. فأساليب السلطات السعودية بالتعامل مع المحتجين لا تزال كما هي، ومطالب الشعب السياسية والإجتماعية لم تتغير أيضاً.

مع ظهور المعارضة المسلحة في سوريا عام 2013، قدّمت لها الرياض دعماً غير محدود. فبحسب تقرير نشرته صحيفة “الغارديان” البريطانية، تحدثت عن استعداد “السعودية” لدفع ملايين الدولارات لتسليح وتدريب آلاف المقاتلين السوريين من أجل تشكيل قوّة جديدة تساعد على إسقاط النظام السوري، وفي الوقت ذاته تغيير معادلة القوّة في صفوف المعارضة المسلحة. بحيث يوجه الدعم السعودي لجماعة جيش الإسلام، الذي تألف من 43 مجموعة إرهابية، فيما تُحرم من المساعدات السعودية الجماعات المرتبطة بتنظيم القاعدة، على غرار الدولة الإسلامية في العراق والشام، وجبهة النصرة.

وفي عام 2018، هاجم النظام السوري السعودية، بعد إعلانها أنها قدمت مساهمة تبلغ 100 مليون دولار لصالح “مشاريع استعادة سبل العيش والخدمات الأساسية” ينفذها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في مناطق شمال شرق سوريا التي كانت خاضعة لسيطرة تنظيم الدولة، وباتت تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية حليفة واشنطن. ووفقاً لوكالة “سانا” السورية، قالت الحكومة السورية إن “دعم آل سعود للتحالف الدولي والإرهاب ولكل من ساهم في قتل الشعب السوري وتدمير بناه التحتية أمر غير مقبول أخلاقياً”.

في العراق، كان الحضور السعودي متوّغلاً خلال التظاهرات التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة وتحديداً خلال عام 2020 الحالي. ففي الوقت الذي خرج فيه الشعب العراقي للمطالبة بحقوقه بعدما سئم فساد السلطة، تدخلت الرياض للإستفادة من الإحتجاجات عبر توظيف وسائل التواصل الإجتماعي لهذا الغرض. ذلك أن “السعودية” سعت لإذكاء التوترات بالعراق في فرصة اعتبرتها مؤاتية لإسقاط ما كانت تعتبره “حكومة عراقية موالية لإيران”. ووفقاً لمجلة “فورين بوليسي” استخدمت الرياض منصات التواصل لإدامة الاحتجاجات العنيفة في العراق، إذ تم إنشاء روبوتات أو برمجيات آلية لاستهداف وسائل الإعلام الغربية، ونشر تغريدات من قبل مستخدمين موالين للسعودية للترويج لشعارات “أنقذوا شعب العراق، أخرجوا إيران” رغم حجب الإنترنت بالعراق. وأضافت المجلة، “تحاول المملكة – التي استخدمت منصات التواصل لملاحقة معارضيها والناشطين المنشقين عنها – أن تنشر وتروج للمشاعر المناهضة لإيران في العراق”.

كان “للسعودية” موقف داعم لرئيس إقليم كردستان مسعود برزاني، بالرغم من أنها كانت تعلن عكس ذلك تماماً. فقد حصل وأن حذّرت وزارة الخارجية السعودية من إجراء استفتاء حول مشروع انفصال كردستان، خشية اندلاع “أزمات جديدة قد ينتج عنها تداعيات سلبية، سياسية، وأمنية، وإنسانية”. إلا أن ما أظهرته تصريحات شخصيات مقربة من دوائر صنع القرار في “السعودية” أثبتت العكس، ذلك أنه ثمة شخصيات بارزة في “السعودية” وأيضاً الإمارات أبدت تأييدها المطلق لـ”حق شعب إقليم كردستان في تقرير مصيره”، وهو ما لم تكن لتجرؤ على قوله لولا لم تكن مدفوعة بصورة مباشرة من قبل أنظمة البلدين.

أما في لبنان، فقد واكبت “السعودية” الحركات الإحتجاجية والإضطرابات الداخلية التي تشهدها البلاد منذ اغتيال الحريري عام 2005. أي أنها على مدى 15 عاماً لم تترك فرصة في الشارع اللبناني إلا واستثمرتها سياسياً للضغط على المقاومة وحلفائها. آخر سيناريوهات التدخل السعودي السافر في لبنان، تتمثّل في خضوع بعض القنوات اللبنانية بشكل مباشر إلى الرياض مقابل مدها بالدعم المالي. مهام هذه المحطات هو إثارة الفتن والنعرات الطائفية والحزبية، لحقن الشارع اللبناني وتجييش الناس ضد بعضها البعض في قيادة محترفة نحو الإقتتال الداخلي المحتوم. بعض القنوات اللبنانية التي وظفت لآداء هذا الغرض ذات باع طويل في الإرتهان للخارج وهي قناة MTV. بحسب وثائق “ويكيليكس” إجتمع في عام 2012 مندوبون من وزارة الخارجية ووزارة المالية ووزارة الثقافة والإعلام ومن الرئاسة العامة للاستخبارات في “السعودية” كي يدرسوا مشروعاً إعلامياً. ثم صدر”قرار سام” ملكي بالموافقة على تمويل المشروع بملايين الدولارات شرط التزام قواعد معينة. المشروع استهدف تمويل محطة تلفزيونية لبنانية ما “تعاني من ظروف مالية صعبة”، يتم منحها ملايين الدولارات اللازمة مقابل خدمة المصالح السعودية. وهكذا بدأ تمويل محطة MTV. وفي مراسلات حصلت بصورة سرية بين السفارة السعودية في بيروت وميشال المر رئيس مجلس إدارة المحطة جرى الإتفاق على دفع الرياض مبلغ مالي بقيمة مليوني دولار مقسطة على سنتين بعدما كان المر قد طلب 20 مليون دولار لكن الرياض رفضت تقديم مبلغ بهذا الحجم. ومنذ لك الحين، تعكس قناة المر المصالح السعودية في لبنان كلما تحرك الشارع. بالإضافة إلى ذلك، ثمة تدخل مباشر في التظاهرات تتمثل بمساعدات لوجستية لمحتجين مطلوب منهم تنفيذ أجندات سياسية خاصة بالرياض، هذا عدا عن التدخل السياسي المباشر من خلال التوجيهات والإملاءات المستمرة على رئيس الحكومة السابق سعد الحريري.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، ما هي هذه المصالح التي تجعل “السعودية” تدفع كل تلك الأموال وتقدم كل ذلك الدعم على مختلف المستويات لتغذية إحتجاجات خارج حدودها؟ الجواب، بالنظر لطبيعة البعد الجغرافي بين الرياض والدول التي تتدخل بها وبالنظر إلى انتفاء وجود أي تهديد حقيقي ومباشر على الرياض من قبل محور المقاومة. يتضح أنه ليس هناك مصالح سعودية في المنطقة إنما مصالح أمريكية وإسرائيلية، يتم تحصيلها من خلال استخدام أموال الرياض. فالحكومات الغربية غير مضطرة لدفع أموالها على إثارة الإضطرابات في المنطقة حتى لو كان الهدف حماية مصالحها. وبالتالي، هذه الرياض التي لو نجحت في تحصيل أي هامش ربح على المستوى السياسي أو الإقتصادي فلن تكون قادرة على الإحتفاظ به لأنها لا تمتلك زمام أمورها، ولا يحق لها تخطّي الإملاءات الأمريكية بأي شكل من الأشكال.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى