النشرةبارزبختم كربلاء

دماء شهداء انتفاضة المحرم المجيدة تروي حكايات النصر ومقارعة الطغيان منذ 41 عاماً

,, لايختلف اثنان على أن دماء الشهداء تزرع النصر وتؤرخ لزمن الانتصارات. ولا يختلف اثنان على أن القطيف والأحساء بما بذلت من تضحيات جمة تعيش مراحل متقدمة من الوقوف بوجه الطاغي المستبد. وتبقى دماء شهداء انتفاضة المحرم المجيدة، شهادة حية على أن الثورات لا تحيا إلا بالأحمر القاني الذي يغذّي أرض البلاد ويجعل في عروق أبنائهم سمات العزة والإباء والكرامة ومواجهة كل أشكال الانتهاكات التي يفرضها النظام الحاكم بقوة السيف وسطوته القمعية. تحكي فصول انتفاضة المحرم المجيدة عام 1400هـ روايات التضحية والإباء التي خطها عشرات الشهداء فداء لدفاعهم عن مسيراتهم وحقهم في إحياء شعائرهم الدينية، فهبّوا ملبين نداء ثورة كربلاء الإمام الحسين (ع)، وما يماثلها من انتفاض على الظلم والطغيان في المنطقة،،

مرآة الجزيرة – سناء ابراهيم

 في محرم 1400هـ، وتحديداً ليلة السادس، عندما قرّر خطباء الحسينيات وأبرزهم الشيخ حسن الصفار والسيد مرتضى القزويني تحدي الحظر الرسمي المفروض على ممارسة الشعائر الدينية والحسينية، وبعد الاستماع إلى المجلس العاشورائي في المساجد والحسينيّات، شجّع الخطباء حينها الثورة على الظلم، واتخذوا من مفاهيم عاشوراء الحسين “ع”، في تلك الليلة انطلقت مواكب العزاء في شوارع البلدات، وعمت التظاهرات الحاشدة الأرجاء، اتخذت من الشعارات والقبضات المرفوعة سلاحاً حاداً لرفض الظلم الواقع على أبناء المنطقة، لكن السلاح بالكلمة هزّ كيان السلطة فأشهرت سلاح جنودها، ودفعت بالحرس الوطني إلى الساحات والشوارع، وهناك حدثت مواجهات بين قوات الحرس المزوّدة بالهراوات والرشاشات وقنابل الغاز، وبين جماهير الشعب الأعزل الذي خلت أيديه من أي سلاح، غير أن عزّته وكرامته ومفاهيمه العقائدية منعته الاستسلام، فاستمرت  المسيرات، وواجه المتظاهرون الهروات والرصاص بالحجارة والأخشاب وجرت اشتباكات بالأيدي، وبعدها استخدمت قوات الحرس قنابل الدخان، والغاز المسيل للدموع، واستغل الحرس هذه الفرصة فراح يضرب بكل ما لديه من وحشية، وارستمت مشهدية ثورية ودموية لأيام متتالية، شارك فيها نحو  70 ألف مواطن، من كافة الفئات العمرية.

وفي الحكاية المنشودة لثورة الحق على الباطل، تفجر بركان الدم الذي روى أرض القطيف والأحساء. مع تفجر بركان الدم بارتقاء أول شهداء الانتفاضة، الشهيد حسن القلاف، برصاص حي اخترق جسده الطاهر، وبرصاص القناصة وجنود الحرس الوطني، الذي استعر بهجمته على المتظاهرين الرافضين منعهم إحياء شعائرهم الحسينية الدينية، وقع الشهيد الثاني ابن مدينة صفوى، سعيد مدن، الذي أتى إلى القطيف ليشارك بالتظاهرات الثورية، وحينها وقع عدد من الجرحى. وكانت لهذه الدماء الأثر الأكبر في اشتعال نيران الثورة والغضب في نفوس الأهالي، حينها، خرجت جموع المعزين من صفوى والمناطق المحيطة حتى تاروت وسنابس لتشييع الشهيد، فغطى نحو 24 ألف شخص من أهالي المنطقة الشوارع، وملأت جموع المعزين كل الأحياء، فأرعبت السلطة التي رفعت منسوب جريمتها واغتيالاتها وقتلها للشباب الأعزل، فأريقت دماء العشرات بين شهداء وجرحى من مختلف الأعمار.

من الشهيد حسن القلاف، وسعيد عيسى مدن، وحسن علي صليل، وحسين العلقم، وفيصل الجامد، وحسن علي كريم الإبراهيم، وحسين السادة، إلى الشهيد مكي علي الدخيل، وعبدالكريم حماد، ومالك عبدالرزاق، والحاج علي الشمروخ، وعبدالوهاب عواد، وسلمان علي رهين، ومحمد قنبر آل قنبر، وإبراهيم رضي الخباز، وسعيد الزاهر، وعلي المعلم، والشهيدة فاطمة آل غريب، بدماء هؤلاء الشهداء ارتوت أرض القطيف والأحساء، واحتضنت بذورها الحية قبل 41 عاما، بدماء هذه الثلة، وجراح أكثر من 100 آخرين، واعتقال مايقرب ألف ومائتين شخص، التأمت حكايات الزود عن الدين والحق المشروع بإحياء الشعائر الحسينية والدينية.

ومن دماء الشهداء، وعطاءات الجرحى، وآلام الأمهات والآباء، ومن عذابات القهر، والإمعان بالاضطهاد، ومن تساوي الحياة والموت بلحظات متتاليات، تأسست روح الانتفاضة في المنطقة التي تؤرق راحة نظام آل سعود واستبدادهم وتأكيد حقهم في مكتسبات الحياة وحقوقها الأساسية وعدم الارتهان والخنوع والخضوع للأنظمة المستبدة التي تسلب روح الإنسان وكرامته وحياته الإنسانية وخيرات أرضه وتفتك بكل ما يمكنها من قوة وسطوة بكامل ميادين حياته. لقد تركزت دماء الشهداء في فصول التأسيس لمراحل لاحقة من تمايز المنطقة بأسرها، تمايز يمنع غياب شاكلة الشهادة ومن استشهدوا في سبيل الأرض والحق والحقوق السياسية والاجتماعية المسلوبة.

جميع مجريات الانتفاضة المجيدة، والدوافع التي نزفت من أجلها الدماء لاتزال قائمة حتى اليوم، مع القمع والانتهاكات والعمليات الانتقامية الممارسة من قبل نظام آل سعود، الذي لايضيع الفرضة في ارتكاب أفظع وأبشع صور الانتقام من منطقة القطيف والأحساء، التي لا تزال في حسبان النظام منطقة متميزة بثورة أبنائها على الظلم والطغيان، وتمارس بحق أبنائها الكثير من أشكال التمييز الطائفي والعمليات الانتقامية التي لاشك أنها تؤسس لوعي مرحلي بين الأجيال المتعاقبة، ولاشك أنها ستبدأ انتفاضة ثالثة بعد ما شهدته بشهادة أبنائها عام 2011م، مع انتفاضة الكرامة، رغم الطغيان والاستبداد والقمع المستشريان، من قبل حكام أثبتوا أنهم تعمدوا بسلطتهم وسطوتهم على أنهر من الدماء القانية. ولأن الذكرى ومنذ أكثر من أربعة عقود يحييها الأهالي وكأنها الحاضرة الفكرية والعملية والسياسية لبقائهم، تبرز أن قوة الكلمة وإعلان رفض الظلم والطغيان ومقارعته سلطة السيف، تزيد من وعي الأمة وإصرار أبنائها على أن التضحيات لابد أن تؤمن العدالة  فكلما زادت السلطة في شراستها وتعنتها زاد الناس في وعيهم وإصرارهم للعمل لنيل حقوقهم، انطلاقا من عقيدتهم بأن الحق لابد أن ينتصر على الباطل ولو بعد حين.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى