النشرةبارزبختم كربلاء

“القطيف والأحساء”..تاريخ نهضة وانتفاضة ممهور “بختم كربلاء” وامتدادتها الثورية

,, من رحم واقعة كربلاء منذ ما قبلها إلى ذروتها وقلبها النابض، والمرحلة الحالية التي تمت ترجمتها عبر ثورة اسلامية في إيران، تيقن أهالي القطيف والأحساء أن روحهم الثورية الرافضة للخنوع والخضوع يمكنها أن تكسر استبداد نظام اتخذ من رعاية الغرب وعتادهم العسكري سبيلاً للقمع، وتعمد استخدام السيف لترهيب وأرهبة الأهالي في مجمل ميادين الحياة، فأتت الثورة المجيدة، وأُنيرت شعلتها من قلب عاشوراء،،

مرآة الجزيرة – سناء إبراهيم

من قلب الوعي الحسيني ومن ثورة الإمام الحسين (ع)، استمدت الانتفاضة المجيدة لمحرم الحرام من عام 1400هـ قوتها، فكان لها تأثير وتأثر في الكثير من الميادين السياسية والاجتماعية والفكرية والثقافية وأسست لمراحل وعي متراكم لدى الأجيال المتعاقبة، فما كان منها إلا أن كانت بذرة مؤسسة لمقارعة ظلم واستبداد حكام آل سعود، كما أنها بلورت التمايز في القطيف والأحساء على صعد مختلفة، خاصة السياسية منها، كون الانتفاضة تزامنت مع تحركات في عدة مناطق من الجزيرة أكان في عسير أو مكة المكرمة وغيرهما، وجميعها أخمدت ولم يكن لها الأثر البارز، على غير ما أثبتته الانتفاضة المجيدة في هذه الأرض، إذ كان لها الأثر الأبرز بامتدادها إلى اليوم، خاصة من جهة إبراز المضامين والآثار والارتباطات بين الماضي والحاضر،  والتمييّز الذي انصبغت به لتأسيس مراحل ما بعدها من المقاومة ورفض الظلم بكل أشكاله.

مما لاشك فيه، أن الانتفاضة المجيدة من محرم الحرام 1400هـ، أسست لمراحل متلاحقة من تمايز القطيف والأحساء على غيرها من مناطق الجزيرة العربية في مواجهة آل سعود واستبدادهم، ولعل جملة التمايز نبتت من قرينة اتصال الثورة بقضية أاسية عقائدية، تعود جذورها إلى ثورة الإمام الحسين (ع)، فكانت تختلف كل الاختلاف عن التحركات في مناطق أخرى والتي لم يكن لها ارتباطات بأساس معين بل كانت هبّات تطفأ بكل مرحلة بعد وقت قصير، وتخمدها سطوة القمع. الانتفاضة التي كانت نقطة فاصلة بين مرحلتين من استبداد آل سعود، أثبتت تماسها مع واقع ما يعايشه شعب الجزيرة، شعب قارع الظلم وتحركات الأنظمة في كبح جماح الحرية عند الشعوب وعملها من أجل كسب حريتها المنتزعة واستحصالها على أساسيات حياتها الحقة من دون القبول والرضوخ لأنظمة سالبة للحق والكرامة ومانعة للحرية ومستولية على الثروات ومحاولة القضاء على الثورات.

يذكر التاريخ أن منطقة القطيف والأحساء، شهدت منذ نشأتها ثورات وتحركات شعبية دونها التاريخ وجعلها علامة فارقة في حسابات نظام آل سعود، نظام قام على حد السيف وسفك الدم والقتل والاغتيالات لكنه بقي يتخوّف من منطقة تتميز بأهميتها  الجغرافية والاقتصادية، وجعلها هدفا للسيطرة والاحتلال من قبل الطامعين والمحتلين، لا سيما خلال فترات الحكم السعودي، الذي شهد على انتفاضة المحرم المجيدة كحدث هام كان له الأثر في تأسيس حالة الوعي السياسي في رفض الاستبداد المستشري.

منذ بسط عبدالعزيز آل سعود سلطة عائلته على أراضي الجزيرة العربية عام 1913م/ 1331ه، بدعم الراعي البريطاني الذي أمدهم بالسلاح والتخطيط والمؤازرة لجعل هذه العائلة أداة في تخريب أرض والانتقام من شعبها وسلب خيراتها، وبالأدوات الانتقامية سلبت أرزاق الأرض وفرضت صورة سوداوية على مستقبل منطقة تنبض بخيرات الأرض لكن هذه الخيرات تسلب لأيد واحدة وتمنع عن شعب بأسره.

تاريخ الثورات في القطيف والأحساء، لم يكن بدؤه منذ عام 1400هـ، بل إنه من عقود طوال كانت هنالك محطات منبهة لبذور شعب رافض لأشكال الطغيان وأساليبه. تشير المعلومات المتوافر، إلى أن تاريخ النضال في الجهة الشرقية، بدأ منذ واقعة كربلاء الإمام الحسين (ع)، حينها انضم “عدد من بني عبد القيس المنحدرين من القطيف والأحساء والبحرين. وتواصلت مراحل المقاومة فيما بعد، إلى حين أسس علماء المنطقة وعياً لمقارعة الحكم الظالم، وكان من أبرز العلماء الشيخ محمد بن ناصر النمر الشيخ الضرير الذي كانت بصيرته في مقارعة الظلم أقوى من أي بصر بالعين المجردة، قاد الثورة المسلحة ضد آل سعود عام 1926، ولكن بعد أن كان لها الأثر الأبرز في مقارعة آل سعود والانكليز الذين حرّضوا أدواتهم من أجل القضاء على هذه الثورة  التي رفضت الاحتلال والوصاية الغربية، ووجرى إخماد هذه الثورة، بفعل تدخل النظام واستفادته من تأثير العلماء والوجهاء، وإقناعهم بضرورة الدعوة لإلقاء السلاح، حينها، بقي الشيخ النمر صامدا رافضاً للخوطة، وشدد على ضرورة الإبقاء على الثورة إلا أنه بقي وحيدا، وعلى أثر اخماد التحركات، أصيب سماحته بالتعب الشديد والمرض الذي تسبب بإنهاكه جسديا ونفسيا، وكانت منيته سريعة عقب انطفاء شعلة الثورة، وتوفي بعد نحو سنة منها.

ثورات من عبق كربلاء

استتبع تاريخ الثورات في المنطقة المقاومة، وكان للاضرابات والاحتجاجات العمالية أثر في زعزعة استقرار النظام، إثر استنكارهم لما عايشوه من واقع اقتصادي متدهور وسلب حقوقهم العمالية، وخرجت من قلب المنطقة ما عرف بالثورة العمالية خلال الخمسينيات من القرن الماضي، وبعد مرحلة متقدمة أخمدت الأحداث بفعل تكاثر سطوة القمع بالسلاح والسيف، ولكل البركان الذي يشتعل في أحشاء هذه المنطقة لا بد له أن ينفجر وكان يحتاج إلى محرك أو ملهم من أجل كسر حاجزي الخوف والصمت، فبدأت بوادر الثورة المجيدة في إيران بقيادة الإمام روح الله الخميني (قده)، الذي أكد أن نظام الشاه وكل استبداده يمكن أن يقتلع من جذوره، وتبقى ثورات الحق تنتصر على الباطل في كل زمان ومكان. انطلاقاً من الثورة الإسلامية عام 1979م، ومع حلول عاشوراء الثورة الحسينية، استلهم أبناء القطيف والأحساء جذور انطلاقتهم وخرجوا لإعلان انتفاضهم على استبداد نظام آل سعود، الذي بلور في كل مرحلة طغيانه لقمع هذه المنطقة محاولاً إخماد روحها الثورية، إلا أنه فشل.

ومن رحم واقعة كربلاء منذ ما قبلها إلى ذروتها وقلبها النابض، والمرحلة الحالية التي تمت ترجمتها عبر ثورة اسلامية في إيران، تيقن أهالي القطيف والأحساء أن روحهم الثورية الرافضة للخنوع والخضوع يمكنها أن تكسر استبداد نظام اتخذ من رعاية الغرب وعتادهم العسكري سبيلاً للقمع، وتعمد استخدام السيف لترهيب وأرهبة الأهالي في مجمل ميادين الحياة، فأتت الثورة المجيدة، وأُنيرت شعلتها من قلب عاشوراء الحسين “ع” الإمام الثائر المقارع للظلم والناصر للحق وأهله. وتمكنت الانتفاضة المجيدة التي خرجت ودفعت دماء أبناءها ثمناً غالياً من أجل تحقيق مطالبها.

ولاشك أن الانتفاضة المجيدة 1400هـ، أرخت لمراحل ما بعدها، خاصة الانتفاضة الثانية وما عرف بانتفاضة الكرامة 2011م، التي تأثرت واستمدت جذورها من الانتفاضة قبل ثلاثة عقود حينها، وتيقن الأهالي أن دماء الشهداء التي أريقت وروت أرض القطيف، لا بد أن تشعل شرارة أخرى لمنطقة طالبت بالعدالة الاجتماعية والسياسية من جميع أطيافها، وأرخها التاريخ بأنها مرحلة ثانية من الانتفاضة التي سخّر النظام جميع أدواته من أجل قمعها، حيث أنها هزّت أركان وثوابت الحكم الوراثي الذي لا يقرب قيد أنملة من احترام الحقوق والحريات، ويقوم على سلب كرامات الشعوب وأساسيات عيشهم في أرضهم، التي سلبت خيراتها وثرواتها لصالح عائلة استبدت وطغت في الأرض ولا تزال إلى هذا اليوم، ولا يزال أرقها من هذه أبناء هذه المنطقة يُترجم بتخصيص جملة من أشكال القمع والاستبداد والانتقام المستشري، والذي يتبلور بالاضطهاد والانتهاك والقتل والاغتيال وأحكام الإعدام وتكميم الأفواه وقمع الحريات، وكل أنواع الاستبداد والقمع والظلم والجور “السعودي”.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى